لا يخفى الرئيس ترمب نيته البقاء في منطقة شمال شرق سوريا، فهناك تقبع ثروة سوريا من النفط والموارد الطبيعية.

القوات الأمريكية في سوريا
القوات الأمريكية في سوريا (AFP)

طفت على السطح قبل أيام قليلة قضية حماية حقول النفط في سوريا، إذ اتهمت وزارة الدفاع الروسية الولايات المتحدة بنهب نفط سوريا من خلال وضع اليد على حقول النفط شرقي البلاد، التي كانت عناصر YPG الإرهابية سيطرت عليها من تنظيم داعش الإرهابي الذي سيطر عليها بدوره بعد عام 2014.

ولكن الجديد أن الولايات المتحدة قررت بعد أكثر من ثلاثة أسابيع على إعلانها سحب جزء كبير من قواتها في سوريا أن تعزز وجودها حول المنشآت النفطية على وجه التحديد، وأرسلت فرقاً ومعدات إلى هذه المناطق. ومن الواضح أن عملية نبع السلام التركية التي سبقها انسحاب أمريكي ساهمت في تسليط الضوء على هذه القضية.

ولعل هذا ما يبرر الاستياء الروسي من هذه الخطوة الأمريكية خصوصاً في ظل البيانات التي وفرتها موسكو حول الأرباح التي تدرها هذه الحقول على الولايات المتحدة، إذ تتجاوز عائداتها من 30 إلى 40 مليون دولار شهرياً، وتعمل شركات أمنية أمريكية خاصة على إدارتها.

وجاءت التصريحات الروسية مباشرة بعد إعلان وزارة الدفاع الأمريكية عن نيتها نشر 200 جندي بالقرب من الحدود مع العراق وتحديداً في منطقة دير الزور التي تحتوي على حقول النفط السورية، بحجة التأكد من منع تنظيم داعش الإرهابي من الوصول إلى مصادر الطاقة التي من شأنها تأمين إيرادات مالية ضخمة له. فيما تسيطر عناصر YPG الإرهابية المقربة من واشنطن على آبار النفط الموجودة في منطقة الحسكة.

وحسب ما نشرته وكالة الأناضول فقد ردت وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون بالقول: إن عائدات النفط السوري تذهب إلى "قسد" وليس واشنطن. وهو الموقف الذي يستفز الجانب التركي لاعتباره وحدات YPG التي تشكل "قسد" بالإضافة إلى داعش منظمتين إرهابيتين.

وإزاء هذا يقول الباحث في مركز سيتا في مجال الطاقة يونس فورونجو في حديث خاص لـTRT عربي أنه يرجح أن الوجود الأمريكي لن يصمد طويلاً، لأن عدداً محدوداً من الجنود لن يستطيعوا حماية الأعمال والحفاظ على استمراريتها في حال تعرضهم لهجمات من المليشيات الموجودة في المنطقة. ويضيف فورونجو أن مجموعات مشكلة من مليشيات مدعومة روسيا ومن النظام، قامت العام الماضي بشن هجمات للاستيلاء على هذه المواقع وليس لتوقف هذه الهجمات ضمانة.

أما الكاتب التركي حسن حسين تشاغران، فيرى أن الموقف التركي أقرب إلى الموقف الروسي لأنه على الأقل ضد ذهاب عائدات البترول إلى تنظيم YPG الإرهابي، وأنه لا يوجد أي مسوغ يعطي الحق لواشنطن في تقديم عوائد النفط لتنظيم YPG الإرهابي.

وتبدو حجة منع داعش من السيطرة على الموارد غير منطقية في ظل تصريحات الرئيس ترمب التي عبر فيها صراحة عن سبب تواجد واشنطن في شرق سوريا، الذي يتمحور حول استغلال مصادر الطاقة من النفط الأمر الذي اعتبره الكثير من المراقبين تصرفاً غير أخلاقي. فقد قال ترمب بشأن عملية القوات الأمريكية الخاصة التي أدت إلى مقتل زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي: "ما أعتزم القيام به ربما يكون عقد صفقة مع شركة إكسون موبيل أو إحدى أكبر شركاتنا للذهاب إلى هناك والقيام بذلك بشكل صحيح... وتوزيع الثروة".

ولعلَّ أهم المناطق التي تحتوي على النفط السوري هي الحقول الواقعة في شرق منطقة دير الزور، وأهمها حقل العمر –الذي يعتبر أكبر حقول النفط في سوريا- وجفرة والورد وعفراء وكارنوف والتنك وكوابي وأزرق وقهر وشعيطات وغالبان، وهي واقعة تحت الحماية الأمريكية. يضاف إليها الحقول الواقعة في منطقتَي الرقة والحسكة.

ومن المعلوم أن سوريا كانت وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي تنتج قبل الثورة حوالي 380 ألف برميل من النفط يومياً، وقد تراجع الإنتاج إلى 40 ألف برميل يومياً بعد نشوب الاقتتال العسكري. أما عن إجمالي الاحتياطات النفطية في سوريا فقد ذكر موقع "أويل برايسز" المختص بأخبار النفط والطاقة أن إجمالي الاحتياطي النفطي في سوريا يقدر بنحو 2.5 مليار برميل، وما لا يقل عن 75% من هذه الاحتياطيات موجودة في الحقول المحيطة بمحافظة دير الزور شرقي سوريا. وتعد هذه الموارد والاحتياطيات مصدراً مهماً للاقتصاد في واقع سوريا ومستقبلها.

وبالإضافة إلى الموارد النفطية في منطقة شرق سوريا، توجد موارد أخرى مائية وزراعية تشكل نسبة معتبرة من موارد البلاد، وتضيف إلى الطرف الذي يسيطر عليها عوامل قوة وضغط في تحديد مستقبل سوريا. وأشارت دراسة صدرت عن مركز سيتا للدراسات أعدها الباحثان جان أجون ومحمد جاغطاي غولر أن السيطرة على مصادر الطاقة والمصادر الطبيعية في سوريا هي أحد العناصر الحاسمة لصراع القوة بين الأطراف المتصارعة في سوريا.

فعلى الرغم من نجاح نظام الأسد في هزيمة المعارضة عسكرياً، ومحاصرتها في إدلب بمساعدة من روسيا وإيران، فإن ثلاثة أرباع مصادر البلاد الطبيعية تحت سيطرة عناصر YPG الإرهابية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن هذه المنطقة بالذات، أي منطقة شرق سوريا والجزيرة، تعادل 50% من المناطق السورية القابلة للري التي تحتوي على 95% من الطاقة المائية في سوريا.

وتتكوّن المصادر المائية في سوريا من 16 نهراً مع روافدها، ويبرز بينها نهر الفرات بوصفه أكبر مصادر المياه وأهمها، إذ يشكل 97% (15 مليار متر مكعب) من إجمالي مصادر المياه الموجودة في البلاد". ولهذا السبب يشكّل نهر الفرات القضية الأكثر أهمية في سياسات سوريا المائية.

وتشير الدراسة أيضاً إلى أن مليشيا YPG المدعومة من الولايات المتحدة تسيطر على نصف إجمالي الأراضي الزراعية القابلة للري في سوريا. وقد كان 90% من مصادر المياه في سوريا يستخدم للأغراض الزراعية قبل الحرب الأهلية، وكانت عائدات سوريا من صادرات المحاصيل الزراعية في هذه الفترة تبلغ مليارَي دولار، وتشكّل 17% (12-13 مليار دولار) من إجمالي الصادرات في سوريا. ومن المعلوم أن أهمية الزراعة في سوريا لا تقتصر على الاستهلاك المحلي فحسب، بل تتعداها لتصبح عنصراً مهماً في التصدير أيضاً.

ويرتبط بالسيطرة على المياه أيضاً السيطرة على السدود وعلى الطاقة الكهرومائية في البلاد. فإلى جانب مصادر البترول والغاز الطبيعي، يسيطر تنظيم YPG الإرهابي على كامل الطاقة الكهرومائية في سوريا على وجه التقريب.

وتضيف الدراسة بعداً مهماً من خلال الإشارة إلى أن حرمان نظام الأسد من هذه المصادر يأتي في ظل تشديد الضغط على إيران بعد زيادة العقوبات الأمريكية. وتريد واشنطن من هذه السياسة الاستفادة من هذه الموارد واستخدامها كرهينة لابتزاز النظام وداعميه لقبول مطالب الولايات المتحدة. كذلك فإن واشنطن تريد منع أي جهات سورية مدعومة من تركيا أو حتى القوات الروسية التي بدأت تسيير دوريات بالقرب من المنطقة من إقامة أي نفوذ في المنطقة يساهم في الاستفادة من هذه الموارد، حتى تظل لها اليد العليا في المفاوضات على مستقبل توزيع هذه الموارد التي يعتقد أن لها دوراً كبيراً في أي حل سياسي لكامل الأزمة السورية.

وهنا تجدر إضافة أن عملية نبع السلام كانت عاملاً مهماً في تسليط الضوء على أهمية هذه الموارد وضرورة نزعها من سيطرة الإرهابيين وتحويل عائداتها إلى تنمية سوريا ودعم اللاجئين والنازحين السوريين، ويمكن أن يكون لها دور في عملية إعادة إعمار سوريا كما تشير الباحثة التركية في مجال الطاقة في مركز سيتا بشرى أوزدمير في حديث خاص إلى TRT عربي، وقد أضافت أنه: "على الرغم من عدم وجود أهمية كبرى لنفط سوريا في الأسواق العالمية فإن مستقبل السيطرة عليه مهمة جداً بالنسبة للبلد، كونه عائداً مهماً لأي حكومة مستقبلية". ولكن تبقى المشكلة كما أشار الباحث فورونجو أن مشاورات العملية السياسية والدستور الجديد في سوريا لم تتناول موضوع عائدات النفط، ولهذا فإن كل طرف سيحاول فرض إرادته في المفاوضات من خلال القوة على الأرض.

المصدر: TRT عربي