في تناوله لعملية نبع السلام التي تنفذها تركيا في شمال شرق سوريا لتطهيرها من الإرهاب وتوفير ملاذ آمن للمدنيين يحرص الإعلام الغربي على تجاهل الكثير من الحقائق على الأرض.

تناولت بعض وسائل الإعلام الغربية العملية العسكرية التركية شمال سوريا بشكل كبير ووضعها في أكثر من سياق. وقد ساقت هذه الوسائل حججاً بدا كثير منها متناقضاً كان أبرزها التركيز على رسم صورة للعملية على أنها احتلال وتعريض لأرواح المدنيين للخطر، وعلى احتمالات عودة تنظيم داعش الإرهابي كنتيجة لهذه العملية.

كما حرصت وسائل إعلامية غربية أخرى على تصوير العملية وكأنها استهداف للأكراد في سوريا. وقد انتقدت هذه الصحف قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالانسحاب من شمال سوريا، واعتبرته قراراً من شأنه التأثير سلباً على ثقة حلفاء الولايات المتحدة. ومن خلال التدقيق في هذه التغطية يمكن الوقوف على عدد من التناقضات وعمليات التجاهل للعديد من الحقائق.

تَخلي واشنطن عن حلفائها

على سبيل المثال ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الإشارات المتناقضة التي تصدر عن البيت الأبيض بصدد العملية تهز ثقة حلفاء الولايات المتحدة بها. وعند هذه النقطة فإن الصحيفة تجاهلت أن تركيا هي أيضاً حليف للولايات المتحدة وصاحبة ثاني أكبر جيش في الناتو. وأن العملية العسكرية مرتبطة بشكل مباشر بتهديدات أمنية تواجهها تركيا على حدودها الجنوبية.

ولم تلتفت الصحيفة إلى أن سياسة الولايات المتحدة تجاه تركيا هي التي تهز صورة الولايات المتحدة تجاه حلفائها. فواشنطن دعمت عناصر YPG الإرهابية في شمال سوريا بالرغم من ارتباطها الوثيق بتنظيم PKK الإرهابي الذي شن مئات الهجمات الإرهابية على تركيا والمصنف لديها على أنه منظمة إرهابية. وكذلك رفض الولايات المتحدة تسليم أعضاء تنظيم غولن الإرهابي، ورفض إدارة أوباما بيع منظومات الدفاع الجوي، وأخيراً تجميد عضوية تركيا في مشروع طائرات F-35 كلها سياسات من شأنها أن تهز صورة الولايات المتحدة في نظر حلفائها.

دور عناصر YPG المزعوم في محاربة الإرهاب

أما الحجة الأخرى التي يتم سوقها فهي أن هناك حاجة لدور عناصر YPG الإرهابية لمواجهة فلول تنظيم داعش الإرهابي، ومنعه من إعادة التجمع من جديد. وهذا يتناقض مع الانتهاء الفعلي لوجود تنظيم داعش على الأرض، ويتناقض مع المقارنة الواقعية بين إمكانات الدولة والجيش التركي، وإمكانات مليشيات عناصر YPG. حيث أثبتت التجربة أن تركيا جهة أكثر قدرة وموثوقية في محاربة تنظيم داعش الإرهابي مقارنة بمليشيات YPG ذات الأجندات الانفصالية.

وهنا لا بد من الذكر أن مليشيا YPG هددت بإطلاق سراح المعتقلين لديها من تنظيم داعش في حال بدأت تركيا بعملياتها العسكرية. وهذا ينفي عنها صفة المصداقية والموثوقية التي تدّعيها وتجعلها في نفس خانة تنظيم داعش الإرهابي الذي تداعى العالم وعلى رأسهم الولايات المتحدة لقتاله.

احتلال سوريا وتقسيم أراضيها

وعلى الرغم من التأكيد التركي المتواصل على وحدة أراضي سوريا إلا أن بعض الصحف الغربية مثل صحيفة واشنطن بوست التي انتقدت قرار ترامب بسحب قواته من شمال سوريا، ووصفته بالجهل بالواقع الميداني والتعجل، أصرت على استخدام وصف العملية بالاحتلال حيث قالت الصحيفة إن "أردوغان يريد إرسال عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى المنطقة التي تبلغ مساحتها 20 ميلاً والتي يهدف لاحتلالها". وفي ذات الإطار نقلت مجلة فورين بوليسي قول المتحدث باسم قوات قسد، إن القوات اضطرت لسحب بعض قواتها التي تحرس معتقلي تنظيم الدولة "لمواجهة الغزو التركي" مشيرة إلى أن المسؤولين الأمريكان يخشون بأن يفتح قرار ترامب المتهور الباب لعودة تنظيم الدولة.

يتجاهل وصف العملية التركية بالاحتلال أو الغزو ابتداء نفي تركيا لذلك وتأكيدها على وحدة أراضي سوريا، وكذلك ما قامت به تركيا من دعم وتعزيز للتمثيل السياسي في المجالس المحلية في عفرين والتي طردت تركيا منها المليشيات الانفصالية، حيث تحظى المجالس المحلية بأهمية كبيرة في منع ظهور تنظيم داعش مجدداً، وقد أتاحت تركيا للسوريين الأكراد السيطرة على غالبية المجلس المحلي في عفرين باعتبار أن غالبية السكان من الأكراد.

وفي محاولة للتوازن نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الثلاثاء، تحت عنوان "على العالم دعم الخطة التي أعدتها تركيا من أجل شمال شرق سوريا" مقالاً لمسؤول الاتصال في الرئاسة التركية فخر الدين ألطون الذي أكد بعض الأمور أهمها أن القوات التركية تنفذ العملية مع الجيش الوطني السوري، وأن تركيا ليس لديها أي أهداف في شمال شرق سوريا سوى القضاء على التهديد المحدق بمواطنيها منذ أمد طويل. فضلاً عن أن إقامة المنطقة الآمنة سيمنح مليوني لاجئ فرصة العودة لديارهم. أما بخصوص موضوع تنظيم داعش أكد ألطون أن "تركيا التي فقدت العشرات من مواطنيها في هجمات لتنظيم داعش الإهاربي تعد أول دولة أرسلت قواتها لمكافحة الإرهابيين في سوريا، إلى جانب دعم تركيا للجيش الوطني السوري للإبقاء على الآلاف من مقاتلي داعش وراء القضبان".

العملية ضد الأكراد؟

بعض الصحف الفرنسية صورت العملية التركية على أنها موجهة ضد الأكراد. وقد أجرت صحيفة لوبيرزيان الفرنسية حواراً مع الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند الذي دعا إلى فرض عقوبات على تركيا، ودعا لمناقشة مسألة تعليق عضوية تركيا في الناتو علماً أن قوانين الناتو لا تسمح بذلك. ولكن لا يبدو الأمر غريباً عند معرفة أن فرانسوا هولاند هو من أسس للعلاقة بين فرنسا وعناصر YPG شمال سوريا. والذي يبدو غريباً هو أن تركيا تعد بإنشاء منطقة آمنة يمكن أن تحل بها مشكلة تدفق اللاجئين وتبشر بعودة اللاجئين من عدد من الدول إليها، ولكن أوروبا تقف ضد هذا الخيار.

المصدر: TRT عربي