صرح يخلد ذكرى تصدي الشعب التركي لمحاولة الانقلاب الفاشلة منتصف عام 2016 (AA)

مرت خمسة أعوام على محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في تركيا منتصف يوليو/تموز 2016، التي وقف خلالها الأتراك صفاً واحداً في وجه الانقلابيين دفاعاً عن الديمقراطية، شهدت تركيا خلالها تغيرات جذرية طالت نظامها السياسي الداخلي وسياستها الخارجية، فضلاً عن تطهير وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية من أعضاء جماعة غولن الإرهابية.

ولم تكن محاولة الانقلاب الأخيرة (الفاشلة) التي تعرضت لها الجمهورية التركية الحديثة المحاولة الوحيدة التي شهدتها خلال عمرها الذي لم يتجاوز الـ100 سنة بعد، فمحاولات الانقلابيين للذهاب بتركيا إلى نفق مظلم مستمرة على طول الطريق الممتد من 27 مايو/أيار 1960 وصولاً إلى 15 يوليو/تموز 2016.

وانطلاقاً من المثل القائل: "الضربة التي لا تقتلك تزيدك قوة" خرجت تركيا أكثر قوة من ذي قبل، وخول الشعب التركي قيادته السياسية بالتخلص من العوائق التي كانت سبباً في كبح جماح النهوض بتركيا سياسياً واقتصادياً وعسكرياً والحد من نفوذها إقليمياً ودولياً، ومن أهمها تطهير الجيش وإعادة هيكلته، والانتقال إلى النظام الرئاسي لحكم البلاد، وانتهاج سياسة خارجية جديدة تضع مصلحة أنقرة فوق أي شيء آخر.

نظام سياسي جديد

من أهم التغيرات التي شهدتها تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، التحول في شكل النظام السياسي من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، فقد وافق الناخبون الأتراك في استفتاء أجري في 16 أبريل/نيسان 2017 على تعديلات دستورية شملت 18 بنداً، كان أبرزها الانتقال من النظام البرلماني الذي دام العمل به قرابة الـ9 عقود، إلى نظام الحكم الرئاسي الذي يكون لرئيس الدولة الدور في قيادة البلاد وليس دوراً شرفياً فقط.

وفي 24 يونيو/حزيران من عام 2018 فاز الرئيس رجب طيب أردوغان بولاية ثانية، بعد فوزه عام 2014 في انتخابات رئاسة الجمهورية، والتي تعتبر المرة الأولى التي ينتخب الشعب التركي رئيسه بشكل مباشر، ومنحت التعديلات الدستورية السلطة التنفيذية لرئيس الجمهورية، وخولته تعيين الوزراء بشكل مباشر، فضلاً عن إعطائه صلاحية إدارة البلاد من خلال قرارات رئاسية دون الحاجة إلى الرجوع إلى البرلمان وخسار الوقت في العملية البيروقراطية.

وبفضل الاستقرار السياسي الذي أسس له نظام الحكم الرئاسي الجديد، تمكنت تركيا من تحقيق قفزات مهمة على العديد من الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتمكنت من تحقيق إنجازات عملاقة كان أهمها اكتشاف أكبر حقل للغاز الطبيعي في تاريخ البلاد بالبحر الأسود في أغسطس/آب 2020، وأخذ قرارات تاريخية كان أبرزها تحويل متحف "آيا صوفيا" بإسطنبول إلى مسجد في يوليو/تموز 2020.

تطهير الجيش وإعادة هيكلته

على غرار مؤسسات الدولة الأخرى، شهدت المؤسسة العسكرية التركية، المتضررة الأكبر من المحاولة الانقلابية الأخيرة، أعمال تطهير كبيرة وواسعة لاستئصال أعضاء حركة غولن الإرهابية، قامت بها وزارة الداخلية والاستخبارات التركية، طالت قيادات كبيرة في مختلف فروع الجيش التركي، البرية والجوية والبحرية، بالإضافة إلى قوى الأمن المكونة من جهازي الشرطة والجندرما. وبحسب تصريح لوزير الدفاع التركي، خلوصي أقار، فقد أُقيل أكثر من 20 ألفاً من منتسبي القوات المسلحة التركية، معظمهم من الضباط والرتب العليا.

وبهدف منع تدخل الجيش في السياسة كما في السابق ومن أجل الحد من النفوذ الكبير الذي تمتع به منذ تأسيس الجمهورية، وُضعت المؤسسة العسكرية تحت رقابة مجلس الدولة أسوة ببقية مؤسسات الدولة التنفيذية، وألغي المقعدان المخصصان للجيش في المحكمة الدستورية التي كانت تضم 17 مقعداً وتقرر محاكمة العسكريين فقط أمام محاكم عسكرية وإلغاء القانون العسكري الذي استخدمه الجيش سابقاً من أجل فرض الحكم العسكري على البلاد.

وبعد عملية إعادة الهيكلة والتطهير التي شهدتها المؤسسة العسكرية التركية، أصبح الجيش التركي أكثر فاعلية على العديد من الساحات الإقليمية والدولية، وانطلقت عملياته خارج حدود تركيا بدءاً من عملية "درع الفرات" في الشمال السوري ضد تنظيم الدولة وعملياته العسكرية المتواصلة على تنظيم PKK الإرهابي في سوريا والعراق، مروراً بليبيا ومساهمته في قلب موازين القوى لصالح حكومة الوفاق الشرعية فضلاً عن حمايته للسيادة التركية شرقي المتوسط أمام الاستفزازات اليونانية، وصولاً إلى مساعدته أذربيجان في دحر الاحتلال الارميني من إقليم قرة باغ.

سياسة خارجية جديدة

وإلى جانب التغيرات التي طرأت على النظام السياسي في تركيا وإعادة هيكلة وتطهير الجيش التركي من إرهابيي كولن بعد محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف يوليو/تموز 2016، حظيت السياسة الخارجية التركية هي الأخرى بتغيرات جذرية وإعادة هيكلة لعلاقاتها مع القوى العظمى بالشكل الذي يحقق مصلحة أنقرة العظمى من خلال استغلال نفوذها في المنطقة فضلاً عن توظيف ديناميكية جيشها أفضل توظيف في الصراعات الإقليمية والدولية، على عكس المعمول به سابقاً والذي اقتصر على استخدامها للدبلوماسية فقط.

فبعد محاولة الانقلاب الفاشلة باتت سياسة تركيا الخارجية أكثر انفتاحاً على الفرص الجيوسياسية من أجل تعزيز نفوذها كقوة فاعلة على الساحة الدولية، وبالرغم من تعرضها لعقوبات غربية وتهديدات بزيادة حدة العقوبات، إلا أنها حافظت على علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي وأمريكا بالحد الأدنى دون انقطاع، ونجحت في بناء علاقات مثمرة اقتصادياً وسياسياً مع روسيا والصين.

وتحقيقاً لمصالحها، قررت تركيا الحصول على منظومة دفاع جوي متطورة من روسيا بعد رفض الإدارة الأمريكية جميع المحاولات التركية من أجل شراء منظومة باتريوت الأمريكية، فضلاً عن قيامها بخطوة سياسية متقدمة في ليبيا تمثلت بتوقيع اتفاقيتين مع الحكومة الليبية الشرعية أواخر عام 2019، إحداهما بحرية والأخرى أمنيّة دفاعية، كانت كفيلة بتغيير قواعد اللعبة شرقي المتوسط لصالح تركيا، بالإضافة إلى بدئها مفاوضات من أجل عودة العلاقات مع مصر ودول المنطقة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً