بعد أيام من التصعيد بين إسرائيل وغزة، دخلت هدنة حيز التنفيذ من أجل وقف إطلاق النار، أجبِرت عليها إسرائيل بعد أن ردت حركة الجهاد الإسلامي على العدوان الإسرائيلي بقوة أدت إلى تذمر مستوطني غلاف غزة وتدهور سمعة نتنياهو السياسية قبيل الانتخابات.

أعلنت مصادر فلسطينية عن تدخل مصري وأممي لوقف التصعيد وعودة الهدوء إلى قطاع غزة
أعلنت مصادر فلسطينية عن تدخل مصري وأممي لوقف التصعيد وعودة الهدوء إلى قطاع غزة (AP)

لم توافق حركة "الجهاد الإسلامي" على مقترح مصري بوقف إطلاق النار وسريان التهدئة مع إسرائيل بدءاً من منتصف ليلة الاثنين، إلا بعد أيام متوالية من الجرائم التي ارتكبها الاحتلال بحق أفراد الحركة في سوريا إثر قصفه لمواقع لها هناك، بالتوازي مع تصعيده في غزة الذي أدى إلى إصابة 8 أشخاص بجروح مختلفة حسب ما أعلنته وزارة الصحة الفلسطينية.

في المقابل، أطلقت حركة الجهاد الإسلامي ما يقارب 50 صاروخاً، وكثفت من قصفها على المستوطنات المحيطة بالقطاع، الأمر الذي أدى إلى شل حركة المستوطنين بالكامل، وهو من بين الأسباب التي أجبرت إسرائيل على الموافقة على التهدئة، فالقلق والخوف حيال التصعيد تسبب في عدم ثقة المستوطنين بتصريحات قادتهم الذين يقتربون من الانتخابات، وهو أمر سيؤثر على نتائجها.

ودخلت التهدئة حيز التنفيذ بشكل متزامن ومتبادل ليلة الاثنين، في تمام الساعة 23:30"، بعد أن أعلنت مصادر فلسطينية عن تدخل مصري وأممي لوقف التصعيد وعودة الهدوء إلى قطاع غزة.

أسباب أدت إلى التهدئة

وقالت صحيفة يديعوت أحرونوت، إن "المستوطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في مستوطنات غلاف غزة يائسون ومحبطون، وصرحوا أنهم لا يستطيعون التعود على حياة يشل لهم فيها الفلسطينيون جدول أعمالهم، ويهربون من القصف أمام أطفالهم دون أن يفهموا ما الذي يحدث".

وبيّنت الصحيفة أن المستوطنين لم يعودوا واثقين بالقادة السياسيين، إذ أن نمط حياتهم أصبح مؤلماً، وسينهضون لاحقاً على واقع أكثر صعوبة يتمثل في تصعيد عسكري أعنف من سابقه، ليعودوا إلى التوتر من جديد، مشتكين من عدم قدرة الدولة والجيش على تنفيذ التهديدات ضد الفصائل الفلسطينية، أو إخافتها، معتبرين أن إسرائيل جعلت من مواطنيها رهائن لتلك الفصائل.

ويمكن القول إن الرد الحازم والفوري من حركة الجهاد الإسلامي على التصعيد الإسرائيلي واستهداف عناصر الحركة في دمشق، أدى إلى تفاقم الأمور سياسياً واجتماعياً على الساحة الإسرائيلية، لتُجبر إسرائيل فيما بعد على الخضوع لوقف إطلاق النار.

هذا الأمر أكده الناطق العسكري باسم سرايا القدس، الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي، في تغريدة له على توتير، حين قال "قمنا بالرد تأكيداً على معادلة القصف بالقصف ونقول للعدو لا تختبرنا وسنرسخ معادلة الرد بالرد ولن تخيفنا تهديداتكم".

وكان لحركة حركة حماس موقف مساند للجهاد الإسلامي أجبر إسرائيل على الخضوع للتهدئة، إذ قالت في بيان لها "إن توسيع الاحتلال الإسرائيلي هجماته على قطاع غزة سيُواجَه بمقاومة لم يعهدها من قبل، وهو رد على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي قال إن إسرائيل لديها "مفاجآت" لحركتَي حماس والجهاد الإسلامي إذا تواصل إطلاق الصواريخ من قطاع غزة.

تهديدات العدو بتوسيع عدوانه في حال أقدم عليها ستُواجَه بمقاومة لم يعهدها من قبل وعليه أن يتحمل الثمن والنتائج

الناطق باسم حركة حماس فوزي برهوم

من جانب آخر، طال أحد صواريخ سرايا القدس منشأة إسرائيلية حساسة جداً، حسب ماكشفته القناة الإسرائيلية 12 التي أوضحت أن "الصاروخ لو سقط مباشرة على المنشأة الحساسة لأوقع خسائر كبيرة جداً في صفوف المستوطنين الإسرائيليين والمنازل المحيطة بها، ولغيّر مجرى المعركة الحالية بشكل كامل"، وهو الأمر الذي كان من بين أسباب التهدئة أيضاً.

مكاسب سياسية

ويعتقد الخبير في شؤون الأمن القومي إبراهيم حبيب في حديث لـTRT عربي أن "نتنياهو أراد تحقيق مكاسب انتخابية أكثر من الذهاب إلى حرب مفتوحة فهو يجني ثماراً سياسية في هذه المرحلة ويحاول توظيفها في المعركة الانتخابية، ليؤكد للناخبين أنه يحقق إنجازاً كبيراً على المستوى السياسي".

وأضاف "ما زال نتنياهو يشدد الحصار على غزة ويتنصل من التفاهمات ويحاول فرض وقائع جديدة ليقول للناخب إنه يتعامل بشكل حازم مع القطاع، لكن المقاومة الفلسطينية أوصلت رسالة من خلال ردها بأنها لن تقبل تغيير قواعد الاشتباك أو أن تمر جرائمها بلا عقاب".

وعن الخيارات المتاحة أمام الفصائل الفلسطينية يقول حبيب إن الفصائل غير معنية بحرب في ظل وضع إقليمي معقد والاحتلال لا يريد الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تستمر عدة أسابيع ويعطل مشاريعه السياسية، لذلك فإن الحصار الذي يفرضه الاحتلال على غزة يحقق مفعوله دون توجيه ضربة لغزة، وهو ما حصل فعلياً، إذ أغلق الاحتلال جميع المعابر مع قطاع غزة، كما قرر إغلاق مساحة الصيد في قطاع غزة بالكامل، وزعم أن هذه الإجراءات تأتي رداً على استمرار إطلاق الصواريخ.

في السياق ذاته، قالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إنه "لا شيء يمكن أن يمنع غزة من فرض نفسها على جدول الأعمال خلال هذه الحملة الانتخابية واحتلالها بالقوة، وهو ما أثار غضب بنيامين نتنياهو".

وأشارت الصحيفة إلى أنه في الظروف الطبيعية كان من الممكن أن يرحب نتنياهو بالحرب على غزة، إلا أن اندلاع أزمة أمنية قاسية حادة قبل سبعة أيام من الانتخابات رَدَعه عن ذلك، فغزة هي استثناء للقاعدة، لأنها محرجة وتكشف ما يجري تحت الطاولة، ولهذا السبب ذهب نتنياهو إلى أبعد من ذلك، للضغط على قطر للاستمرار في مدفوعاتها الشهرية لحماس وللتعهد بإيماءات حسن نية إذا حاولت الفصائل الفلسطينية فقط احتواء نفسها، على الأقل بضعة أيام".

المصدر: TRT عربي