استبدال طريق بحر الشمال بقناة السويس كان من الموضوعات اللافتة للانتباه خلال أزمة سفينة إيفر غيفن (شركة ABB)

أثارت الأزمة التي تسببت فيها مؤخراً ناقلة الحاويات العملاقة "إيفر غيفن" بعد جنوحها في الممر الملاحي لقناة السويس ومن ثم انسداده، نقاشات عدة حول إمكانية وجود بدائل للقناة التي يمر بها نحو 12% من التجارة العالمية.

وكان من أكثر البدائل المحتملة لفتاً للانتباه المقترح المقدَّم من شركات روسية حول استخدام طريق بحر الشمال الذي يمتدّ من شرقي القارة الآسيوية مروراً بجنوب المحيط المتجمد ووصولاً إلى شمالي أوروبا، علماً بأن الطريق المذكور يقع معظمه في نطاق السيادة الروسية.

بداية القصة

لقرون عدة، أُجريَ عديد من الدراسات وأُوفِدت البعثات العلمية بهدف إيجاد طريق ما وراء البحار من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ على طول السواحل الكندية الشمالية وسيبيريا، ولكن في ظل الصعوبات والمخاطر الكبيرة، عدل كثير من الدول عن طموحاتها المتعلقة بالأمر، لا سيما بعد شق قناة بنما مطلع القرن الماضي.

ولكن الأمر لروسيا كان له أهمية خاصة، ليس فقط من الناحية الاقتصادية بل أيضاً من الناحية العسكرية والدفاعية، فتجربة الروس القاسية في حربهم ضد اليابان عام 1905، أجبرتهم على إيجاد حلول يستطيعون من خلالها استخدام طريق بحر الشمال.

وبالفعل نجحت روسيا في إنشاء أكبر أسطول لكاسحات الجليد في العالم، وهو الأسطول الذي مكّنهم من استخدام الطريق الوعر، وإن ظلّ الأمر محصوراً في الاستخدامات العسكرية، نظراً إلى التكلفة الباهظة لكاسحات الجليد حال استخدامها لأغراض تجارية. ولكن ذلك تغيّر مؤخراً.

الاحتباس الحراري

ربما تَمثّل أهم العوامل الجديدة التي من شأنها تغيير المعادلة جذرياً، في تغير المناخ العالمي وظاهرة الاحتباس الحراري، إذ ساعد ذلك على إحداث تخفيف ملحوظ للغطاء الجليدي الذي يغطي المحيط المتجمد الشمالي وبحر الشمال، مما يقلّل الحاجة إلى استخدام كاسحات الجليد في أوقات كثيرة خلال العام.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التطور التكنولوجي الذي مكّن تجهيز السفن التجارية بقدرات لكسر الجليد، جعل عبور بحر الشمال ليس أمراً مستحيلاً كما كان من قبل.

وعلى سبيل المثال، استطاعت سفينة روسية كانت تنقل الغاز الطبيعي المسال من حقل يامال الروسي إلى الصين، شق طريق عودتها عبر طريق بحر الشمال بلا حاجة إلى الاستعانة بكاسحات الجليد في فترة قياسية بين 27 يناير/كانون الثاني و19 فبراير/شباط 2020.

لم يعُد طريق بحر الشمال إذاً وعراً وعصيّاً على العبور كما كان في الماضي، لذلك بدأت الدول والشركات العالمية العاملة في مجال النقل البحري في النظر إليه بديلاً محتملاً.

الرحلات البحرية بين أوروبا والصين عبر طريق بحر الشمال ستوفّر أسبوعين أو 3 أسابيع من نظيراتها المارّة عبر قناة السويس

أندرو لاثام - أستاذ العلوم السياسية بجامعة ماكالستر الأمريكية

عرض صريح

انطلاقاً من المعلومات سابقة الذكر، استغلت شركة روس أتوم الروسية الأزمة التي تعرّضت لها قناة السويس المصرية، وقدّمت طريق بحر الشمال بوصفه "حلّاً سحرياً للسفن المتكدسة عند مدخل قناة السويس"، مؤكدة أن لهذا الطريق مزايا هامّة للنقل بين قارتي آسيا وأوروبا.

ووفقاً للشركة، تتقلص المسافة على طول خط البحر الشمالي من الصين إلى مواني أوروبا بنحو 40%، مقارنة بالطريق الذي تقطعه السفن المارّة عبر قناة السويس.

وفي السياق نفسه كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصدر عام 2018، توجيهات بالعمل على زيادة حجم البضائع السنوي الذي يمر عبر بحر الشمال من 30 مليون طن إلى 80 مليون طن بحلول 2024.

وكانت الصين من أوائل الدول التي قررت خوض هذا الطريق لأغراض تجارية، وتواصل بكين إرسال عدد متزايد من السفن إلى أوروبا عبر طريق بحر الشمال منذ عام 2013.

الصين في المعادلة

يُذكر أن الصين أيضاً تُولِي منطقة القطب الشمالي اهتماماً خاصّاً لأسباب تتعلق بثروات الطاقة الطبيعية الموجودة هناك، وأخرى ترتبط بفكرة النقل، لا سيّما عند وضعها في سياق مبادرة "الطريق والحزام" التي أعلنتها الصين قبل أعوام.

وفي هذا الصدد، يلفت أندرو لاثام أستاذ العلوم السياسية بجامعة ماكالستر الأمريكية، إلى ما يُعرف بـ"السياسة القطبية" التي أصدرتها الحكومة الصينية عام 2018 ووصفت فيها الصين بـ"دولة قريبة من القطب الشمالي".

ويرى لاثام في مقال نشرته مجلة "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكية، أن بكين تسعى لإيجاد طرق توصلها إلى أوروبا متجنبة جميع نقاط الاختناق الرئيسية من شنغهاي (في الصين) إلى بيرايوس (في اليونان)، بما في ذلك قناة السويس.

ويشير أستاذ العلوم السياسية إلى أن الطموحات الصينية لا تقتصر على طريق بحر الشمال الذي يخضع معظمه للسيادة الروسية، وإنما تمتدّ إلى المحيط القطبي الشمالي نفسه، الذي تُعتبر مياهه مياهاً دولية لا تخضع لسيادة أي دولة، مستدركاً بالقول إن "ذلك قد لا يكون ممكناً في الوقت الراهن إلا باستخدام كاسحات الجليد، ولكن تآكل الغطاء الجليدي المستمرّ قد يسمح بحدوث ذلك بحلول عام 2030".

ويضيف لاثام بأن "مثل هذا الطريق ستكون له مزايا تجارية مقنعة، إذ إن الرحلات عبره بين أوروبا والصين ستوفّر أسبوعين أو 3 أسابيع من نظيراتها المارّة عبر قناة السويس"، منوّهاً بأنه بالإضافة إلى توفير الوقت والتكاليف، فإن هذا الطريق سيقلّل مخاطر عبور الرحلات من المضايق البحرية، في إشارة إلى أزمة "إيفر غيفن" الأخيرة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً