تركيا تواصل استعداداتها لعملية عسكرية محتملة شمالي سوريا (AA)
تابعنا

تواصل أنقرة مساعيها لإنشاء منطقة آمنة شرق الفرات شمالي سوريا، والتي يسيطر على معظمها تنظيمات إرهابية، ما يؤخر عودة اللاجئين السوريين إلى أراضيهم، ويشكل تهديداً متواصلاً للأراضي التركية المحاذية.

ومع إعلان تركيا اقتراب بدء عملية عسكرية جديدة على الحدود السورية التركية، قال البيت الأبيض الاثنين في بيان له، إن "القوات الأمريكية لن تدعم العملية العسكرية التركية المرتقبة شمالي سوريا، ولن تشارك فيها"، مدعياً أن "القوات الأمريكية التي هزمت تنظيم داعش الإرهابي، لن تتواجد بشكل مباشر في تلك المناطق".

وكان أردوغان حذر سابقاً من أن صبر بلاده ينفد بعدما توصل مسؤولون أتراك وأمريكيون إلى اتفاق على إقامة منطقة آمنة بشمال سوريا، لكن هذا الاتفاق لم يطبّق حتى الآن، الأمر الذي أجبر أنقرة على السعي من أجل بناء المنطقة الآمنة بمفردها.

دواعي إنشاء منطقة آمنة

أخذت المنطقة الآمنة في سوريا حيزاً واسعاً من الجدل في الآونة الأخيرة، وسط سعي تركي لإنشائها لإبعاد خطر الإرهاب عن حدودها، وتأمين عودة اللاجئين السوريين إليها.

وبدأت في الأيام الماضية دوريات تركية أمريكية شمالي سوريا على الأرض، إلى جانب دوريات جوية بعد اتفاق بين الجانبين على إنشاء ما يسمى بـ"الآلية الأمنية" على طول الحدود السورية التركية المقابلة لمناطق سيطرة تنظيم YPG/PKK الإرهابي. إلا أن الجانب التركي عبّر غير مرة عن عدم رضاه عن المماطلة الأمريكية بخصوص إنشاء المنطقة.

وأدى التغيير الديموغرافي الذي جرى في سوريا، إلى إلحاق مأساة إنسانية كبيرة بملايين العرب والأكراد والتركمان والسريان والإيزيديين والكلدانيين السوريين، إذ جرى تهجريهم من مناطقهم إلى خارج البلاد وفي مقدمتها تركيا.

وتخطط تركيا لتوطين نحو مليونَي سوري في المناطق السكنية التي سيجري إنشاؤها في المنطقة الآمنة، وفي المدن والبلدات الموجودة في المنطقة.

إذ قال الرئيس التركي إنه ناقش الأمر مع رؤساء الدول خلال لقاءاته الثنائية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسلمهم كتيباً حول ذلك، مؤكداً أن بلاده كررت مراراً للعالم أجمع وفي مقدمته الحلفاء، بأن تركيا لن تغض الطرف أبداً عن إنشاء كيانات إرهابية على حدودها.

من أين بدأت الفكرة

طُرحت فكرة إنشاء المنطقة الآمنة لأول مرة من قبل تركيا، خلال الزيارة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى واشنطن في مايو/أيار 2013. وأوضح أردوغان أن تركيا سوف تنشئ على طول حدودها مع سوريا منطقة آمنة بعمق 20 ميلاً (32 كيومتراً).

ومنذ انطلاقة الثورة السورية، ومع بدء موجات نزوح المدنيين السوريين نحو تركيا، رأت أنقرة أن خير طريقة لحمايتهم، تكون بإقامة منطقة آمنة داخل الأراضي السورية، وبدأت بمطالبة المجتمع الدولي، وعرضت على إدارة الرئيس أوباما آنذاك تأسيس منطقة عازلة آمنة داخل سوريا، بإشراف الأمم المتحدة، يأوي إليها المدنيون السوريون الفارّون من جحيم الحرب. لكن الطلب قوبل في كل مرة بالتسويف والمراوغة والمماطلة.

وكانت هذه البداية، لكن المماطلة الأمريكية لعبت دوراً كبيراً في تأخير تنفيذها، فبعد ستة أعوام من الوعود التي لا تُنفذ، توصلت أنقرة وواشنطن في 7 أغسطس/آب 2019 إلى إنشاء مراكز عمليات مشتركة في تركيا، لتنسيق المنطقة الآمنة شمالي سوريا في أقرب وقت وإدارتها، لكن اختلافاً بين الرؤية التركية والأمريكية أعاق الأمر.

وترى تركيا أن المنطقة الآمنة يجب أن تمتد إلى 460 كلم، بعمق 32 كيلومتراً على الحدود التركية السورية، وستضم مدناً وبلدات من 3 محافظات سورية، هي حلب والرقة والحسكة.

ظاهرياً وافقت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما على إقامة المنطقة، لكنها تراجعت عن ذلك بدعاوى مختلفة.

في ذاك الوقت، أعلن تنظيم YPG/PYD الإرهابي، في مارس/آذار عام 2016 إنشاء منطقة فيدرالية خاصة به في شمال سوريا، بعد سيطرته الكاملة على الحدود السورية التركية بدعم أمريكي. الأمر الذي اعتبرته أنقرة تهديداً لأمنها الاستراتيجي، فأطلقت عملية "درع الفرات" في أغسطس/آب 2016 ضد تنظيم داعش الإرهابي، حررت خلالها مناطق واسعة بريف محافظة حلب بينها مدينتي جرابلس والباب.

كما بدأت القوات التركية عملية "غصن الزيتون" في 24 مارس/آذار 2018 ضد تنظيم YPG، ذراع PKK الإرهابي، واستطاعت خلالها تحرير منطقة عفرين.

نجحت أنقرة إلى حد ما في تأمين حدودها مع سوريا من العمليات الإرهابية التي كان يشنها YPG الإرهابي على مدنها الحدودية، محدثاً حالة رعب وقلق دائمين بين السكان المدنيين هناك.

وبموازاة عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون، اتفقت تركيا مع الولايات المتحدة على إنشاء خارطة طريق بخصوص مدينة منبج، تتضمن تسيير دوريات مشتركة يقوم بها الجنود الأتراك برفقة الأمريكيين في المناطق المتاخمة للمدينة. لكن الجانب الأمريكي واصل مماطلته ولم يتقيد بنص الاتفاق، لتظل التنظيمات الإرهابية محافظة على وجودها هناك.

الرؤية التركية للمنطقة الآمنة

وفقاً للرؤية التركية، فإن المنطقة الآمنة تشمل المساحة الجغرافية الواقعة شمال الطريق الدولي M4 الاستراتيجي، الذي يربط الشمال السوري بعضه ببعض، وتضم هذه المنطقة مدناً وبلدات من ثلاث محافظات سورية، هي حلب والرقة والحسكة، وتمتد على طول 460 كم، بعمق 32 كم على طول الحدود التركية السورية.

وأظهر مسح أجرته وكالة الأناضول على الشمالي السوري أن المنطقة الآمنة تضم مدينة القامشلي وبلدات رأس العين وتل تمر والدرباسية وعامودا ووردية وتل حميس والقحطانية واليعربية والمالكية التابعة لمحافظة الحسكة.

وكذلك ستضم المنطقة كلاً من عين العرب التابعة لمحافظة حلب وتل أبيض التابعة للرقة.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الثلاثاء، إن تركيا سوف تنشئ على طول حدودها مع سوريا منطقة آمنة بعمق 20 ميلاً (32 كيلومتراً).

لكن لا يبدو أن لدى الطرف الأمريكي الرغبة في منح تركيا هذا التفوق الاستراتيجي. إذ عرض على تركيا بعض المناطق المنفصلة عن بعضها، بذريعة أن سكان تلك المناطق عرب وتركمان، مثل مدينة تل أبيض ومدينة عين العرب، وبعمق 6 كم فقط.

تركيا رفضت العرض الأمريكي جملة وتفصيلاً، ليس لأنه لا يلبي حاجتها في حماية أمنها الاستراتيجي وحسب، بل لأن من شأنه إبقاء خطوط الدعم اللوجيستي بين بؤر الإرهاب، في قنديل (العراق) وشرق الفرات (سوريا) ومناطق جنوب شرق تركيا، سالكة مفتوحة.

قرى وبلدات جديدة

كشفت وسائل إعلام تركية تفاصيل "خطة تأهيل" المنطقة الآمنة التي تحدث عنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي من المقرر أن تشكل موطناً لنحو مليون لاجئ سوري على الأقل.

وحسب ما نقلت صحيفة "ديلي صباح"، فإنه "سيجري توطين مليون سوري في 200 ألف مسكن، يحصل إنشاؤها في المنطقة الآمنة، بتكلفة تصل إلى 23.5 مليار يورو، تمول من قبل صناديق أجنبية".

وتتضمن الخطة إنشاء 140 قرية بطاقة استيعابية تصل إلى 5 آلاف نسمة لكل منها، كما ستشمل إنشاء 10 بلدات مركزية بتعداد سكاني يصل إلى 30 ألف نسمة لكل منها، بحيث ستضم كل قرية من القرى التي من المتوقع إنشاؤها منازل تبلغ مساحة الواحد منها 100 متر مربع، من أصل 350 متراً مربعاً مخصصاً لكل منزل. كما ستمنح كل أسرة أرضاً يمكن زراعتها.

وبشكل عام ستضم كل قرية ألف مسكن ومسجدين ومدرستين ومركزاً شبابياً وصالة رياضة. أما في البلدات الكبرى العشر التي سيستوعب كل منها 30 ألف سوري، فسيبنى 6 آلاف مسكن بمساحة 100 متر مربع لكل منها، كما ستشتمل البلدات المركزية 11 مسجداً و9 مدارس وصالتي رياضة مغلقتين و5 مراكز شبابية، حسب الصحيفة ذاتها.

ومن حيث المرافق الصحية، فإنه سيجري إنشاء مستشفيات بطاقة استيعابية تصل إلى 10 أسرّة في 8 بلدات، في حين ستصل إلى 200 سرير في بلدتين. إضافة إلى ذلك من المخطط تأسيس منطقة صناعية في تلك البلدات.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً