نتنياهو تعهد بضم غور الأردن وشمال البحر الميت لإسرائيل (AFP)

لا تعتبر قضية ضم إسرائيل لما تبقى من أراضي الضفة الغربية وغور الأردن بالخطوة الجديدة، وإن تأخرت تل أبيب في تطبيقها إلا أنها مهدت لها منذ خمسينيات القرن التاسع عشر وحتى احتلال فلسطين التاريخية عام 1948، مروراً باحتلالها مرتفعات الجولان السورية والقدس الشرقية في حرب يونيو/حزيران عام 1967، وإعلانها ضم القدس الشرقية رسمياً عام 1980، ومرتفعات الجولان في عام 1981، حتى وقتنا الحالي الذي يحمل في طياته أخباراً يومية عن استيلاء الاحتلال على أراض فلسطينية، والتي كان آخرها اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل، واعترافه بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل.

وتستند حركة الاستيطان في العقلية الإسرائيلية إلى الرواية التوراتية، وذرائع أمنيّة، حسب مراقبين، لذلك تسيطر إسرائيل على مناطق استراتيجية من فلسطين، وخاصة تلك التي تشكل حدودها مع الدول المجاورة، بالإضافة إلى اختيارها قمم الجبال والتلال كمواقع للمستوطنات، للإشراف على الطرق التي تؤدي إلى عمق إسرائيل وتعزيز قدراتها الدفاعية، فمن يعيش في فلسطين ويرى الأماكن التي تنتقيها إسرائيل لبناء المستوطنات يدرك تركيزها على المواقع الاستراتيجية.

ويأتي إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في شهر سبتمبر/أيلول 2019 عزمه ضم منطقة غور الأردن وشمال البحر الميت ومستوطنات الضفة الغربية المحتلة لإسرائيل في حال فوزه في الانتخابات البرلمانية، وهو ما حصل فعلياً وبدأ بتطبيقه، بمثابة قطع الطريق أمام إقامة دولة فلسطينية في المستقبل.

وتشرعن تل أبيب مصادرتها لأراضي الفلسطينيين عن طريق تخطيط ممنهج، شملَ أوامر مصادرة بحجج مختلفة، وقوانين صدرت عن الكنيست، ومنها قانون أملاك الغائبينالمتروكة لعام 1950وقانون استملاك الأراضيلعام 1952وقانون التصرف لعام 1953.

وعلى الرغم من استخدامها تلك القوانين، إلا أن الأمر بات مرفوضاً بشكل قطعي من قبل الدول العربية والمجتمع الدولي، كما أن الاستيطان يتعارض مع القوانين والمعاهدات والقرارات الدولية، مثل البنود 49 و 53 و147 من اتفاقية جنيف الرابعه وقرارات مجلس الأمن التي تدين الاستيطان وتؤكد على عدم شرعيته، مثل القرارات 446 و452 و465، وآخرها قرار 2334/2016.

مستوطنات الضفة هي جزء من إسرائيل، ومصطلح حل الدولتين لم يعد مجدياً وفقد معناه بشكل كبير

السفير الأميركي لدى إسرائيل - ديفيد فريدمان
حرب ديموغرافية تمهد للضم

ورغم هذا الرفض إلا أن الواقع والأرقام تقود إسرائيل إلى ضم مريح نظراً لمساحة الأراضي التي سيطرت عليها، إذ أصبحت ملكية معظم الأراضي في فلسطين التاريخية (نحو 82%) في أيدي اليهود كأفراد أو أراضي دولة، كما بلغ عدد المستوطنين في الضفة المحتلة أكثر من 800 ألف مستوطن.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي ومدير مركز مسارات هاني المصري في مقال له، إن "إسرائيل تخطط لرفع عدد المستوطنين إلى مليوني مستوطن خلال سنوات قليلة، فضلاً عن شقّ الطرق الالتفافية، وإقامة مختلف مرافق البنية التحتية، وتضييق الحياة على الفلسطينيين بكل الأشكال الممكنة لطردهم من أراضيهم، وتجميعهم في معازل منفصلة بعضها عن بعض في الأراضي المصنّفة (أ) و (ب)".

ويعتبر هذا المخطط جزءاً من سياسة التغيير الديموغرافي التي يسعى الاحتلال الإسرائيلي لتطبيقها تمهيداً للسيطرة على مناطق الضفة الغربية والأغوار، وذلك عن طريق تهجير عشرات التجمّعات السكّانية التي يسكن فيها آلاف الفلسطينيين، والتي تنتشر في منطقة تبلغ مساحتها نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، حسب مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم".

ويقول المركز إن الاحتلال يسعى "منذ عشرات السنين إلى تطبيق سياسة هدفها تهجير هذه التجمّعات عبْر خلق واقع معيشي يصعب تحمّله إلى حدّ اليأس منه، ومن ثم الدفع بهؤلاء الفلسطينيين إلى الرحيل عن منازلهم - وكأنما بمحض إرادتهم".

هَجَّر الاحتلال الإسرائيلي ما يزيد عن 50 ألفاً من سكان الأغوار منذ عام 1967، إضافة إلى تجمعات سكانية كاملة، بحجة إقامتهم في مناطق عسكرية

دائرة الدبلوماسية والسياسات العامة التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية

ويستخدم الاحتلال الإسرائيلي بالإضافة إلى سياسة التهجير، سياسة هدم المنازل كوسيلة لتفريغها من المواطنين الفلسطينيين، إذ تشهد الأغوار الفلسطينية عمليات هدم متواصلة ومتكررة من قبل سلطات الاحتلال لتجمعات سكانية فلسطينية بشكل كلي وجزئي٫ كما حدث في خربتي الرأس الأحمر وعاطوف والفارسية؛ بهدف تهجير المواطنين وتشريدهم لتسهيل عمليات السيطرة على أراضي الأغوار بعد تطهيرها عرقياً.

وهدم الاحتلال الإسرائيلي في الفترة ما بين 2006 و2017، 698 وحدة سكنيّة على الأقلّ في بلدات فلسطينية في منطقة الأغوار، إضافة إلى تعرض العديد من التجمعات السكانية لعمليات إخلاء متكررة بحجة التدريبات العسكرية وما يرافق ذلك من عمليات تدمير واستيلاء على ممتلكات المواطنين، وفق تقرير صادر عن منظمة التحرير الفلسطينية.

وفصلت قوات الاحتلال الأغوار بشكل كامل عن باقي مناطق الضفة خلال انتفاضة الأقصى عام 2000؛ لعرقلة وصول المواطنين الفلسطينيين من المزارعين والعمال، وأقامت حاجزي "الحمرا"، و"تياسير" على مداخل الأغوار، لاستخدامهما في سياسة الإغلاق التي درجت على تطبيقها، والحؤول دون وصول منتجات الأغوار إلى الأسواق الفلسطينية.

الأغوار.. أهمية استراتيجية

ويعتبر القطاع الشرقي للضفة الغربية الذي يمتد على طول حوالي 120 كم، والمعروف باسم غور الأردن، من أكثر المناطق أهميةً على المستوى الاستراتيجي، فهو يمتد من بيسان حتى صفد شمال، ومن عين جدي حتى النقب جنوباً، ومن منتصف نهر الأردن حتى السفوح الشرقية للضفة الغربية غرباً، فيما يبلغ عرضه حوالي 15 كم، لتكون بذلك مساحته 1.6 مليون دونم أي نحو (2400 كيلومتر)، تشكّل ما يقارب 30% من مساحة الضفة الغربية، حسب بيانات مركز المعلومات الوطني الفلسطيني التابع للوكالة الفلسطينية الرسمية "وفا".

وتقسم مناطق الأغوار حسب اتفاقية أوسلو الموقعة عام 1993، إلى مناطق (أ) الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، وتبلغ مساحتها 85 كم2، (بنسبة 7.4% ) من مساحة الأغوار الكلية، ومناطق(ب) ، وهي منطقة تقاسم مشترك بين السلطة وإسرائيل، ومساحتها 50 كم2، (بنسبة 4.3%) من المساحة الكلية للأغوار؛ ومناطق (ج) وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، ومساحتها 1155 كلم، وتشكل الغالبية العظمى من منطقة الأغوار (بنسبة 88.3%)، وفق البيانات الرسمية.

وبالإضافة إلى أن احتلال الأغوار يعني موت أي احتمال لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، يعتبر غور الأردن "سلة غذاء فلسطين"، فهو غني بالخيرات لخصوبة تربته ووفرة إنتاجها بسبب مناخها الدافئ المناسب للمحاصيل الزراعية، فهي منطقة طبيعية يمكن استغلالها للزراعة طوال العام. كما أن وجود البحر الميت في المنطقة يجذب الكثير من السياح، عدا عن الإمكانات الأخرى مثل استخراج الملح والمعادن منها.

وتبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في منطقة الأغوار 280 ألف دونم، أي ما نسبته 38.8% من المساحة الكلية للأغوار؛ يستغل الفلسطينيون منها 50 ألف دونم؛ فيما يستغل سكان مستوطنات الأغوار 27 ألف دونٍم من الأراضي الزراعية فيها، حسب دائرة الدبلوماسية والسياسات العامة التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وعلى الرغم من تفوق عدد الفلسطينيين الذين يعيشون في تلك المنطقة على عدد المستوطنين، إلا أنه منذ احتلال الضفة الغربية، اعتبرت جميع حكومات إسرائيل هذا القطاع بمثابة "الحدود الشرقية" لإسرائيل وطمحت في ضمه إلى مساحة الدولة. ومن أجل تعزيز سيطرتها على المنطقة، أقامت إسرائيل في الأغوار، منذ مطلع السبعينيات، 26 مستوطنة، حسب "بتسيلم".

ويعيش في الأغوار أكثر من 65 ألف فلسطيني، وتضم 27 تجمعاً سكانياً ثابتاً على مساحة 10 آلاف دونم، وعشرات التجمعات الرعوية والبدوية، وتتبع إدارياً لثلاث محافظات هي: محافظة طوباس (الأغوار الشمالية) بواقع 11 تجمعاً، ومحافظة نابلس (الأغوار الوسطى) وتشمل 4 تجمعات، ومحافظة أريحا (الأغوار الجنوبية) وتحتوي على 12 تجمعاً.

وتشكل الأغوار بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي أهمية عسكرية أيضاً، إذ تسيطر على 400 ألف دونم (بنسبة 55.5%) من المساحة الكلية للأغوار، بذريعة استخدامها مناطق عسكرية مغلقة، ويحظر على السكان الفلسطينيين ممارسة أي نشاط زراعي أو عمراني أو أي نشاط آخر في هذه المناطق.

وأظهر البروفيسور إفرايم عنبار رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) في مقاله بصحيفة "إسرائيل هيوم" أهمية غور الأردن لإسرائيل قائلاً "في حال أرادت إسرائيل الحفاظ على حدودها التي يمكنها الدفاع عنها في منطقة الأغوار، أعتقد أن عليها أيضاً أن تبدي اهتماماً بالتحكم والسيطرة على الطريق إليها من خلال الحفاظ على القدس الموحدة ومستوطنة معاليه أدوميم وهو المحور الغربي الشرقي الذي يتميز عن غيره باحتوائه على أغلبية يهودية وهو آمن لنقل القوات أيضاً من منطقة السهل الساحلي إلى الأغوار في حال تقرر إعلان حالة طوارئ على سبيل المثال وفي الحالات التي يتطلب فيها نقل القوات".

وتتوفر مصادر المياه الفلسطينية في الأغوار بشكل كبير، فهي تتربع فوق ثاني أكبر حوض مائي في فلسطين، إذ تحتوي منطقة الأغوار الجنوبية على 91 بئراً، والأغوار الوسطى على 68 بئراً، أما الأغوار الشمالية فتحتوي على 10 آبار، 60% منها آبار حُفِرَت قبل 1967، ولم يجر تجديدها نظراً للعراقيل الإسرائيلية، حيث يعمل 111 بئراً فيما لا يعمل 58 بئراً منها.

لكن الاستغلال الأكبر للمياه يأتي من قبل المستوطنيين الإسرائيليين، إذ يبلغ معدل استهلاك المستوطن القاطن في الأغوار الشمالية 8 أضعاف ما يستهلكه المواطن الفلسطيني، حسب دراسة أعدها مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق.

الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على 85% من مياه الأغوار الشمالية فيما يتحكم الفلسطينيون بـ15% المتبقية، ولا يسمح الاحتلال بإعطاء تراخيص لحفر آبار من قبل الفلسطينيين مهما كان عمقها

مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق

رفض فلسطيني وتحرك ضد الضم

وتحاول الحكومة الفلسطينية الضغط على إسرائيل من خلال وضع ملف الضم على طاولة الأمم المتحدة وغيرها من مؤسسات المجتمع الدولي، وترفض منظمة التحرير الفلسطينية أي مساومة على هذا الملف الذي تعتبره تطبيقاً لخطة السلام الأمريكية التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والمعروفة باسم "صفقة القرن".

وقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إن السلطة الفلسطينية ستلغي العمل بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل "حال أقدمت الأخيرة على ضم أجزاء من الضفة الغربية".

وفي هذا الشأن، قال أحمد الديك المستشار السياسي لوزارة الخارجية الفلسطينية لـTRT عربي، تعليقاً على زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى إسرائيل، إن "أي محادثات أمريكية-إسرائيلية حول الشأن الفلسطيني بعيداً عن منظمة التحرير والرئاسة الفلسطينية مرفوضة وهدفها وأد فرص السلام والانقلاب على قرارات الشرعية الدولية".

وأضاف: "ما تطرحه الإدارة الأمريكية هو تبني كامل لمشاريع دولة الاحتلال الاستعمارية التوسعية التي تسعى لتحويل الضفة الغربية إلى كنتونات معزولة عن بعضها البعض، وبالتالي قتل أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة".

وعلى الرغم من وضوح الموقف الفلسطيني، إلا أن أمريكا وإسرائيل تتجاهلان هذا الرفض وتمضيان قدماً في ضم الأغوار، وتحاول الحكومة الفلسطينية من خلال تحركها وتواصلها مع المعادلة السياسية الدولية إيقاف هذه الخطوة.

وقال الديك إن "المجموعة الأوروبية تحضر جملة من العقوبات ضد إسرائيل، وسوف تتضرر العلاقات الأوروبية الإسرائيلية، وهي خطوة يرافقها إلغاء السلطة الفلسطينية جميع الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي".

وتستغل إسرائيل أزمة فيروس كورونا لتمرير مخططات الاستيطان بمساعدة الولايات المتحدة، حسب تصريحات مصطفى البرغوثي الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية لـTRT عربي.

وقال البرغوثي إن "نتنياهو يخشى عدم فوز ترمب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ولذلك يريد الاستفادة من وجوده في هذه الفترة للحصول على دعم أمريكي كامل للضم والتهويد، وهو سبب آخر لمحاولة تنفيذ خطة الضم هذه الأيام".

وأضاف: "ترمب أيضاً يريد استخدام عملية الضم والتهويد لتقوية فرصة فوزه في أوساط المتطرفين الصهاينة، وكل ذلك على حساب الشعب الفلسطيني".

وكتبت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في افتتاحية بعنوان "أوقفوا الضم" "إن الضرر الكبير المتوقع من الضم أحادي الجانب لأجزاء من الضفة الغربية واضح بالفعل ، مع تصريح دول الاتحاد الأوروبي عن نيتها مناقشة العقوبات على إسرائيل.

وأضافت: "الأهم من ذلك هو سحق أية فرصة لمفاوضات دبلوماسية مستقبلية مع الفلسطينيين على أساس دولتين لشعبين".

يشكل غور الأردن ما يقارب 30% من مساحة الضفة الغربية ويعتبر ذو أهمية استراتيجية (مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في فلسطين)
TRT عربي
الأكثر تداولاً