منذ اللحظة الأولى لإعلان اتفاق الهدنة في 10 نوفمبر/تشرين الثاني، عملت فرنسا على التشكيك بالاتفاق، وتساءلت باريس عن دور تركيا باتفاق قره باغ وطالبت بـ"تبديد اللبس"، ثم دعت لـ"إشراف دولي" في محاولة منها للقفز على هزيمتها بعد دعمها ووقوفها مع أرمينيا.

إيمانويل ماكرون استُبعد من الاتفاق
إيمانويل ماكرون استُبعد من الاتفاق "بطريقة لن تنساها الأجيال القادمة في أذربيجان" (Reuters)

يشكل بقاء فرنسا خارج اللعبة الدبلوماسية في قره باغ، صداعاً عنوانه الأبرز حضور تركيا، في وقت تواصل حليفتها أذربيجان ترسيخ انتصاراتها في الإقليم.

فمنذ اللحظة الأولى لإعلان اتفاق الهدنة في 10 نوفمبر/تشرين الثاني، تساءلت فرنسا عن دور تركيا في الإقليم، وطالبت بما سمَّته "تبديد اللبس"، ثم أعربت عن مخاوف ودعت إلى إشراف دولي، في صراخ لم يتوقف حتى اليوم.

وقالت الرئاسة الفرنسية الخميس إن باريس تريد إشرافاً دولياً لتطبيق وقف لإطلاق النار في إقليم قره باغ، وسط مخاوف فرنسية من دور تركي-روسي متزايد بعيداً عن القوى الغربية.

وتشترك موسكو في رئاسة مجموعة مينسك التي تشرف على نزاع قره باغ مع واشنطن وباريس، لكن الأخيرتين لم تشتركا في الاتفاق الذي وقَّعته روسيا وأرمينيا وأذربيجان لإنهاء القتال الذي استمر ستة أسابيع في الإقليم.

وقال مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عقب اتصالين مع رئيس أذربيجان ورئيس وزراء أرمينيا: "ينبغي أن تسمح نهاية القتال باستئناف مفاوضات حسن النية من أجل حماية سكان قره باغ وضمان عودة عشرات الآلاف".

دعمت باريس أرمينيا التي بدأت اعتداءً عسكرياً دموياً في 27 سبتمبر/أيلول الماضي
دعمت باريس أرمينيا التي بدأت اعتداءً عسكرياً دموياً في 27 سبتمبر/أيلول الماضي (Reuters)

وقال مسؤول بالرئاسة الفرنسية للصحفيين الخميس: "نريد من مجموعة مينسك أن تلعب دورها في تحديد وضع المراقبة (وقف إطلاق النار)".

"كبرياء مجروح"

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كشف الخميس أن فرنسا والولايات المتحدة تعانيان من "كبرياء مجروح" على خلفية دور موسكو في وقف إطلاق النار.

وأضاف في تصريحات لقناة روسيا اليوم (RT): "في اتصالاتي مع زملائي الأمريكيين والفرنسيين، وكذلك في الاتصالات بين الرئيس إيمانويل ماكرون والرئيس فلاديمير بوتين حول قضية قره باغ خلال الأيام القليلة الماضية، تظهر بشكل واضح مشاعر الكبرياء المجروح، وهذا أمر محزن".

وشدد لافروف على أنه في الوضع الذي كان فيه ثمن كل دقيقة يقدر بأرواح بشرية، لم يكن من المناسب الاتصال هاتفياً بواشنطن وباريس للسؤال عن رأيهما فيما إذا كانا سيؤيدان بنود الاتفاق أم لا، والعمل على التوصل إلى تفاهم بشأنها.

وأردف: "تعتبر مزاعم الزملاء أمراً غير صحيح ومنافياً لأبسط مبادئ الأخلاق الإنسانية".

وكان وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان دعا الثلاثاء الماضي روسيا إلى ما سمَّاه تبديد "اللبس" بشأن وقف إطلاق النار وخصوصاً حول دور تركيا.

رد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالقول: "تركيا تدعم باكو دائماً، وأذربيجان دولة مستقلة وذات سيادة ولها الحق في اختيار حلفائها".

واستطرد قائلاً: "يمكن تقييم الوجود التركي في إقليم قره باغ من عدة جوانب، لكن من الصعب اتهام أنقرة بأنها تخالف القانون الدولي".

وحول شكوك باريس بشأن الاتفاق ذكر بوتين أن بلاده اتفقت مع تركيا على تأسيس مركز لمراقبة سير الاتفاقية وأن أذربيجان هي من ستحدد مكان هذا المركز.

دور فرنسي مشبوه

وبالتزامن مع انتقاداتها لتركيا، كشف المدعي العام الأذربيجاني الثلاثاء الماضي، عن مشاركة مرتزقة فرنسيين في القتال إلى جانب قوات الاحتلال الأرميني ضد الجيش الأذربيجاني في إقليم قره باغ.

وقال المدعي العام: "رصدنا حالات عدة من فرنسا مثل أحد الإرهابيين الأعضاء في منظمة (أصالة) الإرهابية الأرمينية والمصنفة كذلك في دول مختلفة، التي شنت سابقاً هجمات إرهابية عديدة".

وقبل توقيع وقف إطلاق النار بأيام، أعلن مارك دي كاكويراي فالمينيه، زعيم جماعة "Zouaves Paris" اليمينية المتطرفة في فرنسا، توجُّهه إلى إقليم قره باغ للقتال إلى جانب أرمينيا ضد الجيش الأذربيجاني.

وفي 11 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وصف حكمت حاجييف مساعد رئيس أذربيجان التصريحات الصادرة عن باريس بشأن التطورات في إقليم قره باغ بأنها أحادية الجانب ومتحيزة ومخالفة للتفويض الناجم عن عضويتها في مجموعة مينسك.

وقال حاجييف في تصريح صحفي: "تنتهج فرنسا سياسة منحازة بشكل سافر إلى الأرمن وتوجِّه اتهامات لا أساس لها من الصحة ضد أذربيجان، بينما عليها وفقاً لتفويضها (كرئيس مشارك لمجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا حول قره باغ)، أن تتصرف بحياد".

وتابع: "ليس لفرنسا أي دور في البيان المشترك الذي اعتمده رئيسا أذربيجان وروسيا ورئيس وزراء أرمينيا. ربما تشعر فرنسا بالغيرة في هذا الموضوع".

ليس لفرنسا أي دور في البيان المشترك الذي اعتمده رئيسا أذربيجان وروسيا ورئيس وزراء أرمينيا
ليس لفرنسا أي دور في البيان المشترك الذي اعتمده رئيسا أذربيجان وروسيا ورئيس وزراء أرمينيا (AA)

بدورها، قالت صحيفة "لوبينيون" الفرنسية إن وقوف باريس إلى جانب أرمينيا ومعاداتها تركيا في أزمة إقليم قره باغ شكّل فشلاً آخر لفرنسا بعد سوريا وليبيا.

وأضافت الصحيفة بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بيوم: "ما هو مؤكّد أن الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا بقيت خارج اللعبة الدبلوماسية".

باكو تحصد الإنجازات

في هذه الأثناء تواصل باكو حصد الإنجازات على الأرض، إذ أعلن الجيش الأذربيجاني صباح الجمعة دخوله محافظة أغدام في قره باغ بعد أولى عمليات الانسحاب الثلاث للاحتلال الأرميني التي ينص اتفاق وقف إطلاق النار عليها.

وتقول صحيفة "Daily sabah" التركية: "إذا وجِد فائز في هذه الاتفاقية فهي أذربيجان لأنها لم تحرر أراضيها المحتلة فحسب، بل حققت أيضاً الاستقرار طويل الأمد الذي تحتاج إليه من حيث الطاقة والتجارة وصدت المضايقات الأرمينية المستمرة".

وأضافت الصحيفة في مقال لها: "الفائز الآخر هو بلا شك روسيا التي ضمنت نشر جنودها على طول خط الجبهة لأول مرة بعد الاتحاد السوفيتي".

وأردفت: "تركيا هي الدولة الأخرى التي استفادت إلى أقصى حد من الاتفاقية. بعد أكثر من قرن عادت إلى جنوب القوقاز، إذ إن جهودها لتدريب الجيش الأذربيجاني وتجهيزه آتت ثمارها".

وختمت الصحيفة التركية: "الخاسرون في العملية هم بلا شك فرنسا والولايات المتحدة. ماكرون هو راعي أرمينيا الذي تصرف بسياسة رعناء وفشل وظهر ضعفه عندما استُبعد من الاتفاق بطريقة لن تنساها الأجيال القادمة في أذربيجان".

المصدر: TRT عربي - وكالات