خرج الاحتلال الإسرائيلي بعد عدوانه الأخير على غزة بخسائر في مجالات متعددة، في حين يرى سياسيون وإعلاميون أن ما جرى مجرَّد مكسب سياسي لنتنياهو، بعد قبول إسرائيل بالتهدئة. الخسائر الإسرائيلية بعد العدوان أثارت معها تساؤلات عن جدوى العملية من الأساس.

الاحتلال الإسرائيلي قتل 34 فلسطينياً خلال العدوان الأخير على غزة
الاحتلال الإسرائيلي قتل 34 فلسطينياً خلال العدوان الأخير على غزة (AA)

مع إعلان الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي دخول وقف إطلاق النار في غزة حيّز التنفيذ، وسريان التهدئة بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل التي قتلت بعد يومين داميين 34 فلسطينياً وأصابت 111 آخرين، لم يمهل الإعلام الإسرائيلي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فترة طويلة حتى بدأ سيل الانتقادات له وللعملية العسكرية التي اعتبروها مكسباً سياسيّاً لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وخسارة اقتصادية ومعنوية وسياسية للاحتلال.

الاحتلال الإسرائيلي الذي ادَّعى أن العملية التي أطلق عليها اسم "الحزام الأسود" حققت أهدافها كافة "مع تلقِّي حركة الجهاد الإسلامي ضربة سقط فيها أكثر من 20 مقاتلاً في صفوفها"، رضخ لشروط الحركة التي قال المتحدث باسمها مصعب البريم إن "وقف إطلاق النار نُفّذ وَفْقاً "لشروط المقاومة الفلسطينية"، التي تتمثل في وقف الاحتلال للاغتيالات، ووقف استهداف مسيرات العودة الأسبوعية قرب حدود قطاع غزة، والتزام إسرائيل تفاهمات كسر الحصار عن غزة.

وسارع الناطق باسم الجيش الإسرائيلي خلال اجتماعه بالصحفيين إلى القول إن "عليهم أن يكتبوا أن الجيش لا ينوي الاستمرار في عملية الاغتيالات للقيادات الفلسطينية، وأنه لا يريد التصعيد"، حسب ما قالته الكاتبة في صحيفة معاريف كيلمان ليبسيد، الأمر الذي أثار ضجة كبير في الأوساط الإسرائيلية، مما دفع رئيس أركان الجيش إلى نفيها.

وعقّبت صحيفة يدعوت أحرنوت الإسرائيلية على بيان الجيش بالقول: "من الجيد أن نذكر أن الجهاد الإسلامي لم يستخدم جميع قدراته للرد على إسرائيل ولديه صواريخ طويلة المدى".

أما زعيم المعارضة الإسرائيلية ورئيس حزب "أزرق أبيض" بيني غانتس فقد أعلن تأيده العملية العسكرية، وزار المستوطنات المحاذية لقطاع غزة، ما من شأنه حسب محللين أن يوسع الهوة بينه وبين القائمة المشتركة التي دعمته في الانتخابات الأخيرة ضد نتنياهو.

التصعيد.. مكسب نتنياهو

أدانت القائمة المشتركة التي تمثل الفلسطينيين في إسرائيل "استمرار القصف الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي أدَّى إلى سقوط مدنيين أبرياء"، واعتبرت أن "عملية الاغتيال واستمرار العدوان على غزة، الذي يعكس بالإضافة إلى الذهنية الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، حاجة سياسية لرئيس الحكومة نتنياهو، يسعى من خلالها للمحافظة على فرصته بتشكيل حكومة".

وأشارت أطراف عدة إلى أن العدوان الأخير على غزة كان من مصلحة نتنياهو، فقد أثار تصريح لعضو الكنيست الإسرائيلي عومر بارليف ردود فعل واسعة، حين تساءل: "لماذا غيّر نتنياهو موقفه من اغتيال القيادي الفلسطيني بهاء أبو العطا في هذا الوقت بالذات، وقبل سبعة أيام من انتهاء الفترة المحددة لبيني غانتس لتشكيل الحكومة؟".

"اصطفاف جميع الأحزاب السياسية الإسرائيلية في الكنيست، يعكس الاصطفاف والإجماع الأعمى حول الحجج الأمنية، ويمنع أي نقاش سياسي وانتقادات تجاه المؤسسة الأمنية"

بيان القائمة المشتركة

وكان وزير الدفاع السابق أفغيدور ليبرمان أكَّد في تصريحات سابقة لصحيفة يديعوت أحرونوت الأربعاء، محاولة نتنياهو استثمار اغتيال القيادي بهاء أبو عطا لصالحه، من خلال توقيت الاغتيال في هذه الفترة التي يشهد فيها أزمة سياسية وقضائيَّة واتهامات فساد.

وأوضح ليبرمان للصحيفة أنه "عندما كنت أشغل منصب وزير الدفاع، اقترحت على نتنياهو أن نغتال القيادي في الجهاد الإسلامي بهاء أبو عطا، لكنه رفض الأمر بشدة، وقدّم ذرائع كثيرة، وكل ما كان يهمه هو عدم اغتيال أبو عطا، ومنع مناقشة الموضوع".

الحاجة إلى حكومة وحدة

صحيفة معاريف الإسرائيلية لم يكُن رأيها بعيداً عن رأي القائمة المشتركة وليبرمان، فقد قالت إن "العملية التي أطلقها نتنياهو جاءت قبل أسبوع فقط من انتهاء المدة الزمنية الممنوحة لغانتس لإعلان تشكيل الحكومة أو إعادة التكليف لرئيس الدولة، وفي الوقت الذي كانت فيه المستويات السياسية مضطرة إلى الإجابة عن أسئلة حول ماهية الحكومة وشكلها، وتتجه الأنظار إلى الاجتماع الذي كان مقرَّراً بين غانتس وليبرمان".

وأضافت: "المشهد كله اختلف بعد بدء العملية العسكرية، بخاصَّة في ظل التوقعات بأن الأوضاع الأمنية والعسكرية بددت إمكانية طرح غانتس تشكيل حكومة أقلِّيَّات تدعمها من الخارج القائمة العربية المشتركة إذا أصبح هذا السيناريو غير واقعي لدرجة كبيرة".

وأشارت الكاتبة في صحيفة معاريف ران أدليست، إلى أن مجريات الأحداث خلال اليومين الماضيين أثبتت أن إسرائيل باتت بحاجة إلى حكومة وحدة وطنية في ظل الظروف الأمنية".

وقالت أدليست إن نتنياهو قد يكون حاول تحقيق أرباح من وراء هذا العملية التي ربما تفتح له مجالاً للتهرب من قضايا الفساد المرفوعة ضدّها من خلال تشكيل حكومة وحدة يؤيدها الشعب، في ظل حالة الخوف التي سيطرت على الأجواء، والتي تسمح له البقاء في منصبه لفترة أطول مستنداً إلى حالة الطوارئ التي تمنحه نوعاً من الشرعية، حسب قولها.

الإسرائيليون في الملاجئ

اعتبرت الكاتبة في صحيفة معاريف كيلمان ليبسيد، أن "ما جرى خلال الأيام الماضية لم يجرِ منذ زمن بعيد، فقد اختارت دولة إسرائيل الجلوس في المنزل حتى يتبين لها كم هو يبلغ غضب حركة الجهاد الإسلامي عليها".

وأضافت: "من النقب إلى تل أبيب لم تفتح المدارس أبوابها، وجميع المواطنين تلقوا رسائل رسميَّة تمنحهم أيام إجازة، لم تكُن هناك مطاعم مفتوحة ولا مجمعات تجارية أو بقالات".

ورأت ليبسيد أن "هدف التنظيمات في غزة ليس قتل المدنيين الإسرائيليين، وأن إطلاق الصواريخ هو وسيلة فقط"، معتبرة أن "هدف هذه التنظيمات الاستراتيجي هو أولاً وقبل كل شيء، أن تنجح في التسبب بأضرار لنمط الحياة الطبيعي".

وباتت إسرائيل تتعامل مع غزة من منطلق أنها دولة خائفة، حسب الكاتبة، وبرأيها أن "لهذا الخوف ثمن كبير، لأن من يتعامل بخوف ويصدّره سيدفع ثمن الخائفين"، قائلة: "ألم ترَوا الناطق باسم الجيش عندما سارع في الصباح الباكر خلال اجتماعه بالصحفيين للقول إن عليهم أن يكتبوا أن الجيش لا ينوي الاستمرار في عملية الاغتيالات للقيادات الفلسطينية، وأنه لا يريد التصعيد؟ نحن الإسرائيليين صدّرنا من خلال كل هذا مشاهد خوف كبيرة".

ماذا حقّق الاحتلال؟

"ما سعت القيادات الإسرائيلية إلى تحقيقه هو الوحدة الوطنية المقدسة، بسهولة شديدة ودون أي حوار ودون أي معارضة، وعبر إراقة الدماء كما سبق وفعلت"، هذا هو رأي الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي، الذي كتب مقالاً في صحيفة هآرتس الإسرائيلية تحت عنوان ماذا حققتم؟

ويدحض ليفي المزاعم الإسرائيلية بتساؤله: ماذا يحقق الاغتيال من أهداف استراتيجية لإسرائيل؟ ويضيف: "على كل حال، الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة كفيل وحده بأن تتلقى مئات الصواريخ".

ويعود ليفي للتساؤل حول ما إذا أصبح الجيش الإسرائيلي الآن بعد هذه العملية أقوى، وهل عاد الأمن إلى مستوطنات الجنوب، وهل عاد الأمن لمستوطنات الجنوب... إلا أنه يقول في النهاية: "لا أعتقد أن أحداً من قيادات الجيش يستطيع إخبارنا ماذا ربحت إسرائيل".

ويرى الكاتب أن "الحلّ في غزة ليس الاستمرار في الاغتيالات، بل رفع الحصار المفروض على السكان والمفاوضات المباشرة مع حركة حماس، لكن في إسرائيل لم يُخلَق بعدُ الرجل القوي لقول هذه الحقائق، ولو سألنا كل الأحزاب من يقف ضد هذه العملية، فلن تجد أحداً، كلهم يؤيدونها".

ذروة ضعف إسرائيل

في رأي الكاتب في صحيفة هآرتس أوري مسغاف، أن إسرائيل لم تظهر قط بمثل هذا الضعف الذي ظهرت فيه خلال الأسبوع الماضي، حتى في حروب عامَي 1948 و1967، أو خلال حربها على لبنان.

وقال مسغاف في مقال له تحت عنوان "ذروة ضعفنا"، إن "إسرائيل دخلت حالة من الصدمة، إذ لم يتوقف ضجيج صافرات الإنذار والتحذيرات المتواصلة، في حين توقفت حركة القطارات وأغلقت المدارس أبوابها من تل أبيب حتى حدود غزة، واضطُرّ الآباء إلى البقاء مع أبناءهم في الغرف المحصنة والملاجئ".

وأضاف ساخراً: "في الوقت ذاته كان واضحاً من تصريحات المستويين الأمني والسياسي المتسارعة والمتعاقبة أن تل أبيب كانت تحاول الاعتذار إلى حماس واستجداءها لعدم دخول هذه المعركة كي تنتهي في أقرب وقت، ولم يكُن ينقص سوى أن تُصدِر بياناً لتدعو فيه اللواء الجنوبي لحركة الجهاد الإسلامي للحفاظ على ضبط النفس وعدم التدخل لأن العملية لم تكُن تستهدف سوى شخص واحد".

وتابع: "نحو مليونَي إسرائيلي خلال الأيام الماضية التزموا منازلهم وغرفهم المحصنة، وبدَّدَت الدولة ملايين الشواكل فيما تَلقَّى عديد من المدن مئات الصواريح التي وجَّهها فصيل ليس الأكبر في قطاع غزة".

وتساءل الكاتب: "هل كان الثمن الذي دفعته إسرائيل مقابل اغتيال أبو عطا يستحقّ؟ هل تحسن الوضع الأمني للإسرائيليين بعد عملية الاغتيال؟ من الذي دفع الثمن هنا حقّاً؟"، مستنتجا في النهاية أن "ما جرى هو إذلال استراتيجي لإسرائيل، ليس فقط على صعيد المناورات السياسية ولا على صعيد استراتيجي، بل على صعيد اقتصادي ونفسي أيضاً".

وختم الكاتب بقوله إن "القوة التي حاول نتنياهو تصويرها كانت تماماً مثل الصندوق الفارغ، تحت حكم هذا الرجل تحولت إسرائيل من إمبراطورية إقليمية قوية إلى فأر مذعور".

المصدر: TRT عربي