أظهرت العديد من الدول حول العالم، بما فيها الولايات المتحدة ودول أوروبية، تقاعساً كبيراً فيما يتعلق بمواجهة فيروس كورونا الجديد، ما عرّض كبار السن للخطر، وأثار أسئلة جدّية حول التزام تلك الدول القيم الإنسانية الأساسية.

منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن كبار السن معرضون للإصابة بمرض شديد حال إصابتهم بفيروس كورونا
منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن كبار السن معرضون للإصابة بمرض شديد حال إصابتهم بفيروس كورونا (AFP)

تظاهرت العديد من الدول حول العالم، بما فيها الولايات المتحدة ودول أوروبية وبريطانيا، بالجهل فيما يتعلق بفيروس كورونا الجديد "كوفيد-19" وتعاملت مع انتشاره بتراخٍ واضح، الأمر الذي عرّض كبار السن للخطر، وأثار أسئلة جدّية حول التزام تلك الدول بالقيم الإنسانية الأساسية.

"إذا كان أي شيء سيؤذي العالم، فهو الانحطاط الأخلاقي. إن عدم اعتبار وفاة المسنين أو كبار السن مسألة خطيرة هو انحطاط أخلاقي" هذا ما قاله المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس قبل أيام، مشيراً إلى أن بعض البلدان تعمدت "أخذ وقتها" لاتخاذ تدابير ضد كورونا لأن معدل الوفيات بالفيروس أعلى بين كبار السن.

فوفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن معدل الوفيات بفيروس كورونا بين الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 80 عاماً يبلغ 14.8%، بينما يبلغ 8%بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 70 و 79 عاماً، في الوقت الذي ينخفض معدل الوفاة بين الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 60 عاماً. هذه الأرقام جعلت الناس في جميع أنحاء العالم، وخاصة أولئك الذين يعيشون في البلدان الأوروبية والولايات المتحدة، ينظرون إلى فيروس كورونا (Covid-19) كمرض يؤثر بشكل رئيسي على كبار السن في المجتمع، ما دفع العديد من الشباب إلى الاستمرار في روتينهم اليومي.

منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة معرضون للإصابة بمرض شديد حال إصابتهم بالعدوى
منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة معرضون للإصابة بمرض شديد حال إصابتهم بالعدوى (منظمة الصحة العالمية)

وحتى بعد الإبلاغ عن الحالات الأولى في عدد من دول أوروبا، غضت الحكومات الطرف عن الوباء العالمي المحتمل في حينها، متجاهلة التحذيرات المتكررة من منظمة الصحة العالمية.

ترمب.. سياسة الجهل

في 19 يناير/كانون الثاني 2020، وصل إلى الولايات المتحدة رجل يبلغ من العمر 35 عاماً من مدينة ووهان الصينية، وكان أول شخص في الولايات المتحدة يجري تشخيصه بفيروس كورونا الجديد.

ورغم انتشار الفيروس بشكل واسع في الصين في حينها، وبداية تفشيه حول العالم، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاهل جميع تحذيرات منظمة الصحة العالمية وغيرها من المنظمات الصحية لاتخاذ إجراءات ضد انتشار المرض في البلاد، بل وأطلق تصريحات مستهجنة حول الفيروس.

ففي 28 فبراير/شباط، قال ترمب إن الفيروس قد "يختفي" مثل "المعجزة" أثناء حديثه في مؤتمر صحفي، كما قال إن "الطقس الدافئ سيقتل الفيروس". وفي ردها على تصريحات الرئيس الأمريكي، قالت المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية مارغريت هاريس: "ليس لدينا كرة بلورية. لدينا العلم في صالحنا. كل يوم نتعلم المزيد، كل يوم نعرف المزيد، لكننا بالتأكيد لا نتوقع أي شيء".

وعلى الرغم من إنكار ترمب أمام عدسات، فإن كبار السن في الولايات المتحدة كانوا يعانون بالفعل من الفيروس على الرغم من أنه لم يتم الإبلاغ عنه. ففي مركز "رعاية الحياة" بمدينة كيركلاند بالقرب من واشنطن، وهو دار رعاية للمسنين يقطنه حوالي 120 شخصاً، حدثت الوفاة الأولى المتعلقة بفيروس كورونا في أواخر فبراير/شباط وفقاً للسجلات الرسمية، لكن الطاقم الطبي في المركز لم يتفق على سبب الوفاة في حينها.

وأفاد المتحدث باسم دار الرعاية أن 26 شخصاً فقدوا حياتهم بين 19 و 29 فبراير/شباط على الرغم من أن المركز لا يسجل بالعادة أكثر من سبع وفيات في الشهر. ويقال إن 13 من المتوفين ثبتت إصابتهم بالفيروس، لكن آخرين ربما ماتوا بسبب كورونا أيضاً.

"مناعة القطيع".. التضحية بالمسنين

قبل نحو أسبوع، خرج رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون على الجمهور معلناً عدم وجود حاجة لاتخاذ إجراءات صارمة لوقف انتشار الفيروس في المملكة المتحدة بأكملها، إذ أنه من المتوقع أن ينتشر الفيروس في البلاد على أي حال.

وقال جونسون إنه من المتوقع أن يصاب نحو 60% من السكان بالفيروس على المدى البعيد، مشيراً إلى أن "العديد من العائلات ستفقد أحباءها".

وعلى عكس استراتيجيات الحجر الصحي في دول مثل إيطاليا والصين، قررت بريطانيا اتباع نهج مختلف يسمى "مناعة القطيع". ووفقاً لهذه النظرية، فإن نسبة كبيرة من السكان، وهم من الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً، ليسوا عرضة للإصابة بأعراض شديدة وخطيرة. لذا، ومن خلال السماح لـ60% من السكان بالتقاط العدوى وتوليد مناعة لدى الشباب، فإن ذلك سينقذ البلاد ويضع حداً للوباء العالمي.

نظرية "مناعة القطيع" تبدو مثالية عند سماعها، لكنها تترك الأشخاص فوق سن الخمسين عرضة للخطر، وتشير بين سطورها إلى أن حياة كبار السن ليست محط اهتمام.

لكن بعد ردة الفعل الكبيرة من الجمهور ووسائل الإعلام والمتخصصين في الصحة، غيّرت الحكومة البريطانية استراتيجيتها ضد الفيروس وقررت عزل كل مواطن فوق سن 70. كما طلبت الحكومة من المسنين البقاء في المنزل لمدة أربعة أشهر على الأقل دون أي اتصال أو نشاط اجتماعي.

"نفرّ من قدر الله إلى قدر الله".. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يدعو المواطنين في تركيا إلى التزام التدابير لمواجهة فيروس كورونا

Posted by ‎عربي TRT‎ on Thursday, 19 March 2020

تركيا: كبار السن سعادتنا

في المقابل، رفضت تركيا هذه السياسة، وأكدت رفضها نهج الاستغناء عن المجموعات الضعيفة في المجتمع مثل المسنين، الذي تتبعه بعض الدول الأوروبية.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأربعاء، في خطاب متلفز عقب اجتماع تنسيقي لمواجهة كورونا في العاصمة أنقرة، "لا نتفق مع سياسات أوروبا في التعاطي مع كبار السن فهم سعادتنا في الدنيا والآخرة". وأشار أردوغان إلى أنه سيجري توزيع كمامات وكولونيا على جميع المسنين الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً في إطار مشروع سيبدأ في أنقرة وإسطنبول.

ونوه أن الغرب ترك الخدمات العامة الأساسية للقطاع الخاص "لكنه في الأساس كان يتجاهل مواطنيه ويتخلى عنهم". وأوضح الرئيس التركي أن بعض الدول التي تستأثر بالدفاع عن حقوق الإنسان، تركت الوباء لمصيره.

المصدر: TRT عربي - وكالات