أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 21 أغسطس/آب الجاري اكتشاف سفينة التنقيب "الفاتح" 320 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي في بئر "تونا-1" بالبحر الأسود.

ولا شك أن هذا الإعلان يشكل تطوراً مهماً، ليس فقط على صعيد ديناميكيات تركيا الداخلية، بل أيضاً على الصعيدين الإقليمي والدولي. وقد لفت أردوغان إلى أن هذا الاكتشاف سيمهد الطريق لعهد جديد في تركيا، كما شدد على أنه سيكون بداية لاكتشافات جديدة في المنطقة خلال فترة وجيزة.

حسناً، ما هي الآثار قصيرة وطويلة المدى لاكتشاف تركيا هذا المورد الطبيعي في البحر الأسود داخلياً، وعلى الصعيدين الإقليمي والعالمي؟

في البداية يجب الإشارة إلى أن النتيجة الأهم على المديين القصير والطويل لهذا الاكتشاف تتمثل في انخفاض اعتماد تركيا على الخارج في توفير الطاقة.

فقد أطلقت تركيا في عام 2017 استراتيجية الطاقة الوطنية، وبدأت سفنها "الفاتح"، و"ياووز"، و"القانوني" التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في البحر الأسود وشرقي المتوسط.

ويعد الدافع الأساسي وراء استراتيجية تركيا للطاقة الوطنية تقليص نفقات النفط والغاز، المعروفة بأنها أبرز مكونات الدين الخارجي.

فقبل هذا الاكتشاف، كانت تركيا تستورد من الخارج 98 بالمئة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي. وكانت تنفق كل عام 12 مليار دولار على واردات الغاز من روسيا، وإيران، وأذربيجان، والجزائر، ونيجيريا، وقطر.

وكانت روسيا وإيران وأذربيجان هي الدول الثلاث التى تستورد منها تركيا غالبية احتياجاتها من الغاز الطبيعي. وبفضل هذا الاكتشاف ستوفر تركيا كامل احتياجاتها من الغاز طوال نحو 7 أعوام، وبذلك سيتقلص اعتماد تركيا على الخارج لفترة مهمة من الزمن.

من الآثار الأخرى التي سيسفر عنها هذا الاكتشاف على المدى الطويل التمهيد لتركيا لدخول حلبة أسواق الطاقة العالمية.

فرغم أن احتياطي الغاز المكتشف لا يزال بعيداً عن إظهار تركيا كلاعب مؤثر على المستوى الدولي، فإن الرئيس أردوغان قال خلال إعلانه الاكتشاف: إنه "في انتظار أخبار سارة مشابهة من البحر المتوسط، وستتلقى أنشطة التنقيب هناك دفعة كبيرة مع انضمام سفينة "القانوني" إلى العمل، بعد إتمامها إجراءات الصيانة مع نهاية العام الجاري".

وعليه، فإن تركيا عازمة على مواصلة جهودها في هذا المجال، وتحقيقها اكتشافات مشابهة على المدى الطويل مع الوضع في الاعتبار أنشطة التنقيب المكثفة التي تنفذها في المتوسطـ، ما سيجعلها دولة مصدرة للطاقة على المدى الطويل، وهو أمر مهم على صعيد تطوير تركيا لاستراتيجيتها الجيوسياسية للطاقة.

ولا شك أن أكبر انعكاسات التحركات التركية في مجال الطاقة ستحدث في الاقتصاد والسياسة الخارجية.

فالتخلص من نفقات تقدر بـ12 مليار دولار سنوياً يعني انتهاء عجز الحساب الجاري خلال هذه الفترة. وقد أشار وزير الخزينة والمالية التركي براءت ألبيرق إلى أهمية هذا الموضوع بإيجاز في كلمته خلال مراسم إعلان الاكتشاف بقوله: "سننتهي من مسألة عجز الحساب الجاري، وسنبدأ الحديث عن فائض الحساب الجاري".

وعليه فستتخلص تركيا من مشكلة عجز الحساب الجاري على المدى القصير، وستنتهي هذه المشكلة بشكل نهائي على المدى الطويل مع تحقيق تركيا نتائج إيجابية في أنشطتها المستقبلية للتنقيب عن النفط والغاز.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أن أحد أهم آثار هذا الاكتشاف سيظهر في سياسات تركيا الخارجية.

فاليونان وقبرص الرومية وفرنسا تعترض على أنشطة التنقيب التي تنفذها تركيا شرقي المتوسط. وقد وصل امتعاض فرنسا من أنشطة التنقيب التركية إلى درجة أنها سعت إلى مراجعة عضوية تركيا بحلف شمال الأطلسي "ناتو"، ودعت الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على أنقرة.

ومؤخراً عقب اللقاء بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنهما بحثا قضية شرقي المتوسط، وأكدا ضرورة حماية سيادة الاتحاد الأوروبي بتلك المنطقة، واتخاذ خطوات ملموسة وفق هذا المسار.

ثم أطلقت فرنسا مناورات بحرية مع اليونان قرب سواحل جزيرة كريت، وأرسلت فرقاطتين إلى شرقي المتوسط. وفي حين تنشر روسيا أسطولاً بحرياً بالمنطقة، أعلنت قبرص الرومية أن الاتحاد الأوروبي أيضاً سيزيد من أنشطته هناك.

يتضح من ذلك أن الضغوط الدولية ستزداد في الأيام المقبلة أكثر على تركيا فيما يتعلق بأنشطتها شرقي المتوسط. لذا فإن دفاع تركيا عن حقوقها شرقي المتوسط أمر في غاية الأهمية رغم كل الضغوط الخارجية والتوتر الدائر هناك.

ولا شك أن اكتشاف تركيا للغاز الطبيعي في البحر الأسود سيزيد من دوافعها للتنقيب شرقي المتوسط على المدى الطويل، كما سيعزز الدعم الاجتماعي داخل تركيا في هذه القضية. الأمر الذي سيساهم في تحرك تركيا بشكل أكثر ثباتاً في مساعيها لحماية مناطق سيادتها شرقي المتوسط.

وعلى هذا النحو، سينجم عن اكتشاف تركيا للغاز الطبيعي في البحر الأسود آثار إيجابية في مجالات الطاقة والاقتصاد والسياسة الخارجية على المديين القصير والطويل.

وقد يؤدي تقليص اعتماد تركيا على الخارج في مجال الطاقة إلى الدخول إلى مصاف الدول المصدرة للطاقة على المدى الطويل. وعلى الصعيد الاقتصادي فإن انخفاض الدين الخارجي سيقلص عجز الحساب الجاري، ما سيعزز قوة الاقتصاد التركي.

ولا شك أن تعزيز إرادة تركيا نحو مواصلة أنشطتها في مجال الطاقة هو أمر لا تقل أهميته عن اكتشاف الغاز في حد ذاته. وهذه الإرادة ستقوي يد تركيا في خطواتها المتعلقة بالسياسة الخارجية، وستساهم في انخراطها في مسارات جديدة. فتحقيق تركيا لمكسب مهم شرقي المتوسط رغم الضغط الدولي من شأنه تغيير الموازين في السياسة الخارجية بشكل كامل. وعليه فإنه من الضروي تجنب النظر إلى اكتشاف الغاز في البحر الأسود على أنه نتيجة نهائية لتركيا، إنما هو بداية لخطوات ستخطوها في هذا الطريق.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي