مع استمرار الأزمة الإنسانية الطاحنة في قطاع غزة، ومخاوف الفلسطينيين والإسرائيليين من الدخول في مواجهة عسكرية ضارية، تزداد الدعوات والمبادرات المطالبة بإيجاد تدخّل عربي وإقليمي للانخراط بحل الوضع القائم في القطاع.

فما زال الفلسطينيون في قطاع غزة يكابدون معاناة مستمرة منذ ما يزيد عن اثني عشر عاماً حين فرضت إسرائيل حصارها المطبق عليهم، عقب فوز حماس في الانتخابات التشريعية في 2006، وشارك في حصار غزة أطراف فلسطينية وعربية وإقليمية ودولية، حتى تبدى الأمر كما لو كان توزيع أدوار محكم بين هذه الأطراف المشاركة في الحصار.

منذ انطلاق مسيرات العودة في غزة في مارس 2018، ورفعها شعار "مسيرات العودة وكسر الحصار" ظهر جلياً أن الهدف الفوري، الذي يبدو أنه قابل للتطبيق، هو رفع حصار غزة، الأمر الذي قابلته إسرائيل بمزيد من المماطلة والتنصّل من مسئوليتها القانونية والسياسية، وباتت تبحث عن حلول ترقيعية لتخفيف هذا الحصار، مع الإبقاء على سياستها القديمة الجديدة "غزة .. لا تحيا ولا تموت".

في ذات الوقت، خرجت دعوات إسرائيلية متلاحقة لإشراك الدول العربية في الصداع الذي تسببه غزة لإسرائيل، سواء من المدخل الإنساني الآني قصير المدى ممثلا بالدور القطري والأممي، أو السياسي بعيد المدى من خلال الدور المصري.

أولى هذه الدعوات خرجت من الخبير العسكري الإسرائيلي المخضرم "أليكس فيشمان" حين قال صراحة في صحيفة يديعوت أحرونوت يوم 11 فبراير/شباط إن الأوضاع السائدة في غزة تتطلب أن يأخذ العالم العربي "أبناء عمومتهم" أهل غزة إلى أيديهم.

تل أبيب تريد لمشكلة قطاع غزة أن تختفي من العالم سواء ببناء المزيد من الجدران الفاصلة حوله: أسوار برية شرقاً وجدران بحرية غرباً.

عدنان أبو عامر

في حين أطلق ضابط المخابرات السابق إيدي كوهين الخبير الإسرائيلي في الشؤون العربية بمركز بيغن-السادات للأبحاث الإستراتيجية، يوم 8 فبراير/شباط مبادرة لإعلان قطاع غزة منطقة مغلقة دولياً، وإيقاف العلاقة المباشرة وغير المباشرة بين إسرائيل والقطاع؛ بهدف نقل المسئولية إلى الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.

وقبل هاتين الدعوتين الإسرائيليتين نقل يانيف كوفوفيتش الكاتب الإسرائيلي بصحيفة هآرتس يوم 5 فبراير/شباط أنّ قائد حماس في قطاع غزة يحيى السنوار طرح على هيئات دولية التقاها أوائل فبراير/شباط، ثلاثة سيناريوهات بشأن مستقبل غزة؛ من بينها نقل سيطرة غزة إلى الأمم المتحدة ومصر، أو إرسال قوات دولية إلى غزة.

تشير هذه الدعوات الإسرائيلية بصراحة واضحة أن تل أبيب تريد لمشكلة قطاع غزة أن تختفي من العالم، سواء ببناء المزيد من الجدران الفاصلة حوله، أسوار برية شرقاً، وجدران بحرية غرباً، كما تمنى إسحاق رابين قبل ما يزيد عن ربع قرن بأن يستيقظ ذات يوم ليجد أن غزة قد ابتلعها البحر.

تريد إسرائيل بهذه الأفكار والدعوات، التي تعتبرها من خارج الصندوق، أن تجعل من غزة مشكلة مصرية أوروبية دولية، وهو تعبير عن سياستها القديمة منذ سنوات طويلة بأن تفصل القطاع عن الضفة الغربية، فدوافعها واضحة في ذلك، وهي جزء من إستراتيجية بعيدة المدى لتفكيك الشعب الفلسطيني إلى كيانات منفصلة؛ بحيث يكون من السهل السيطرة عليه بصورة مجزأة، بدل أن يكونوا كياناً واحداً.

تريد إسرائيل أن تجعل من غزة مشكلة مصرية أوروبية دولية وهو تعبير عن سياستها القديمة بأن تفصل القطاع عن الضفة الغربية.

عدنان أبو عامر

تعبر الدعوات الإسرائيلية عن شعور بالحنق تجاه غزة، بل إنها تبدو بنظر الإسرائيليين مثل عظمة في الحلق؛ لأنه رغم استمرار الحكومة الإسرائيلية في الحديث منذ سنوات طويلة عن الحلول الخاصة بالقضاء على حماس، واستئصالها، فإن الهدف لم يتحقق، وهكذا يبقى قطاع غزة مثل وجع الرأس الخاص بإسرائيل فقط.

وبالتالي فإن هذا الساحل الساحلي ذا الأربعين كيلومتراً، ويعيش فيه مليونا فلسطيني، أثبت للإسرائيليين خطأ سياستهم تجاه قطاع غزة طوال العقود والسنوات السابقة، فرئيس الوزراء الأسبق مناحيم بيغن سعى لأن يقدم غزة للمصريين خلال مفاوضات كامب ديفيد 1978، لكن الرئيس أنور السادات رفض طلبه، وحين انسحب أريئيل شارون من القطاع في 2005 بدون اتفاق مع الفلسطينيين.

لعل ما يؤكد مركزية الحل الإسرائيلي في غزة، المشروع السياسي الذي نشره معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب في أكتوبر/تشرين الأول 2018، وقد أفاض في الحديث عن مستقبل الضفة الغربية، والمستوطنات المنتشرة فيها، لكنه استثنى قطاع غزة من الحديث، رغم وجود أهمية لتحسين الوضع الإنساني فيه، وترميم بناه التحتية، مقابل إقامة منظومة دولية تمنع تقوي حماس عسكرياً، على أن يتم ذلك بمعزل عن الضفة الغربية.

أنتجت السياسات الإسرائيلية الخاطئة تجاه قطاع غزة في النهاية هذا الواقع الأمني السيئ للإسرائيليين، في ظل غياب حلول عسكرية أو اقتصادية تجاه غزة.

عدنان أبو عامر

أنتجت هذه السياسات الإسرائيلية الخاطئة تجاه قطاع غزة في النهاية هذا الواقع الأمني السيئ للإسرائيليين، في ظل غياب حلول عسكرية أو اقتصادية تجاه غزة، ما دفع الإسرائيليين لأن يطالبوا بإلقائها في الحضن المصري خصوصاً، أو الرعاية الإقليمية والدولية عموماً، في ظل صعوبة تحقق إعادة السلطة الفلسطينية إليها، سواء لتعثر المصالحة مع حماس، أو عدم القدرة على إخضاع الحركة عسكرياً من قبل الجيش الإسرائيلي.

مع العلم أن الإسرائيليين في خضم بحثهم عن حلول إقليمية لغزة، ألمحوا إلى إمكانية أن تستعين السلطة الفلسطينية بدول عربية مثل مصر والسعودية، باتفاق مع إسرائيل أو صمتها؛ فالقاهرة ترى في حماس أبناء الإخوان المسلمين، الأعداء الأساسيين للسيسي، والرياض تعتقد أن (حماس) حليفة لأعدائها في المنطقة وهم الإيرانيون، ما يعني الدخول في مواجهة عربية-عربية لخدمة مصلحة إسرائيلية.

هذا التصور الإسرائيلي لا يجد استحساناً لدى الرأي العام العربي، رغم أنها فكرة نموذجية لدى الإسرائيليين، الذي يريدون تعميم نماذج ما تشهده سوريا واليمن والعراق داخل غزة، صحيح أنه لا أحد أعلن إن كانت هذه الفكرة قد طُرحت على طاولة الزعماء في المنطقة أم لا، لكن الإسرائيليين يعتقدون أنه ربما آن أوان للتعامل معها، والنقاش حولها.

ينطلق الإسرائيليون في نظرتهم إلى غزة أنها هي مفتاح الحل الإقليمي وليس الضفة الغربية الأمر الذي يتطلب إما الإطاحة بحماس عسكرياً أو التوصل لتفاهمات معها.

عدنان أبو عامر

يزداد الحديث عن الحل الإقليمي لغزة في ظل التوجّه الإسرائيلي بفرض السيادة على الضفة الغربية، وإعلان دولة فلسطينية في قطاع غزة وسيناء، ما يطرح أسئلة حول ردود فعل المصريين والعالم، من خلال توسيع قطاع غزة شمالاً باتجاه سيناء، عل طول الساحل مع البحر المتوسط؛ حيث المنطقة مفتوحة على العالم، ما يمكّن لهم تجارة حرة، ومطاراً وميناء، وتواصلاً جغرافياً حقيقياً.

أخيراً .. ينطلق الإسرائيليون في نظرتهم إلى غزة، ولعلّ المجتمع الدولي يشاركهم في ذلك، أن غزة هي مفتاح الحل الإقليمي، وليس الضفة الغربية، الأمر الذي يتطلب إما الإطاحة بحماس عسكرياً، إن كان ممكناً، أو ضرورة التوصل لتفاهمات معها، مع إقامة ظروف معيشة قابلة للحياة.

حينها قد يدور الحديث عن مشاريع استثمارية ضخمة، وإقامة مدينة جديدة، وإخراج مئات آلاف الفلسطينيين من القطاع جنوباً باتجاه سيناء، وإقامة شبكة فنادق وبنىً تحتية، هذه خطة ستعمل على إحياء هذه المنطقة اقتصادياً وتجارياً لما فيه مصلحة سكان غزة أصلاً، ولعلّ هذا ما قصده المبعوث الأمريكي جيراد كوشنير في جولته الإقليمية الأخيرة قبل أيام.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي