آراء
العالم
7 دقيقة قراءة
الجرائم النووية الفرنسية في الجزائر.. متى التعويض والاعتذار؟
تتكلم فرنسا في المحافل الدولية عن حقوق الإنسان وعن مآسي الأقليات في ربوع العالم، وتتناسى ما تسببت فيه من جرائم خلال استعمارها العديد من دول العالم.
الجرائم النووية الفرنسية في الجزائر.. متى التعويض والاعتذار؟
لوحة تظهر عليها علامة خطر بالقرب من أحد مواقع التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية / Others

في الوقت الذي تكرم فيه فرنسا الخونة (الحركي كما يسمَّون في الجزائر) لا تزال الدولة الاستعمارية تتجاهل جرائمها النووية التي ارتكبتها في الصحراء الجزائرية، وما زالت تتغاضى عن الاعتذار الرسمي لما ألحقته بالجزائر خلال 132 عاماً من الاستعمار الغاشم الذي تسبب في الجهل والفقر والظلم والطغيان.

تتكلم فرنسا في المحافل الدولية عن حقوق الإنسان وعن مآسي الأقليات في ربوع العالم، وتتناسى ما تسببت فيه من جرائم خلال استعمارها العديد من دول العالم.

نفذت فرنسا في 13 فبراير/شباط من سنة 1960 تفجيراً نووياً "اليربوع الأزرق" في منطقة رقان في أقصى جنوب غرب الصحراء الجزائرية. بلغت قوته 60 كيلوطناً أي ما يعادل ثلاثة أضعاف قوة القنبلة التي ألقت بها الولايات المتحدة الأمريكية على هيروشيما في العام 1945.

هذه القنبلة تلتها قنبلة "اليربوع الأبيض"، ثم "اليربوع الأحمر" حسب ترتيب الألوان الثلاثة للعلم الفرنسي. وفي الأخير اختتمت فرنسا جرائمها بالقنبلة الرابعة والأخيرة التي سميت بـ"اليربوع الأخضر".

تتلخص حصيلة الجرائم النووية الفرنسية في الجزائر في 57 تجربة نووية نفذتها فرنسا في ثلاث مناطق بجنوب الصحراء الجزائرية، منها أربع تجارب سطحية و13 تجربة في أنفاق باطنية و35 تجربة على مستوى الآبار و5 تجارب أخرى استُعملت فيها مواد فتاكة محظورة دولياً. مسؤولية فرنسا في هذه الجرائم كاملة لا غبار عليها، و لا تحتاج إلى قرار إدانة.

تجارب فرنسا النووية أدت إلى تلوث المنطقة برمتها في محيط 150 كيلومتراً من موقع الانفجار. نفذت فرنسا بين سنة 1960 و 1966 أكثر من 20 تفجيراً نووياً على الأراضي الجزائرية، و ما يزيد على 40 تجربة نووية، وهذا حسب تصريح العسكريين والخبراء الفرنسيين أنفسهم.

هذه الجرائم تسببت في تلويث الغلاف الجوي والموارد الطبيعية وتفشي الأمراض كالسرطان والتشوهات الخلقية و غير ذلك. و الجريمة الكبرى أن السلطات الفرنسية لا تريد الاعتراف بجرائمها كعادتها، ورفضت وترفض تسليم كل المعلومات إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وحتى الساعة ما زالت ملفات التفجيرات النووية الفرنسية سرية وغير متوفرة للإطلاع عليها، حتى للمنظمات الدولية التي تشرف على المراقبة. وتجدر الإشارة هنا إلي أنه من الناحية القانونية تعتبر التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

هل ستكفي التعويضات التي ستدفعها فرنسا لضحايا تجاربها النووية في منطقة رقان بجنوب الصحراء الجزائرية؟ وهل ستشمل كل الضحايا الحاليين والمرتقبين مستقبلاً؟ ولماذا هذا التأخر الذي فاق خمسة عقود من الزمن؟ وأين وسائل الإعلام من هذه الفضائح؟ وأين هي منظمات وجمعيات حقوق الإنسان وهيئات حماية البيئة؟ أين الطرف الجزائري للمطالبة بحقوق الضحايا بملفات وإحصائيات ودراسات قانونية؟ أين خريطة التجارب وتفاصيلها؟ وأين الهيئة الدولية للطاقة للوقوف على ما حدث؟ أسئلة كثيرة وتناقضات عديدة عشية الكلام عن مشروع قانون فرنسي لتعويض ضحايا رقان، مشروع جاء في الأساس لتعويض أفراد الجيش الفرنسي المتضررين من التجارب.

ما زالت تداعيات وآثار الاستعمار الفرنسي في مستعمراتها السابقة حاضرة حتى الساعة، وما زالت مشكلات الحدود وأزمة الهوية والخلل الاقتصادي والتبعية الثقافية تحاصر العديد من الدول التي عانت من مآسي الاستعمار والظلم والعبودبة.

فرنسا تخلت عن مستعمراتها وتركتها في دوامة من التبعية ومن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية. كما فشلت فرنسا في وضع استراتيجية جديدة للتعامل مع مستعمراتها و خطة عمل تتماشى مع المعطيات الجديدة في العالم. هذا الوضع فتح المجال أمام قوى فاعلة في النظام الدولي كالولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا للاستفادة من الفراغ الفرنسي في القارة السمراء.

الغريب والعجيب في الأمر أن فرنسا و بعد مرور ما يزيد على أربع عقود من جرائمها في مستعمراتها السابقة ما زالت مصممة على عدم الاعتراف بما فعلته وعلى عدم الاعتذار، ومن جهة أخرى تصر على المحافظة على نفوذها في مستعمراتها والاستفادة من الامتيازات والتسهيلات والمجاملات في التعامل.

للتذكير فقط، قصة فرنسا مع الجرائم النووية لم تخص الجزائر فقط وإنما عاشت بولينيزيا الفرنسية نفس الويلات والتجارب ذاتها.

المنظومة الدولية اليوم بحاجة إلى دراسة شاملة للتجارب النووية بهدف الوصول إلى آليات عملية من شأنها أن تضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات لمعالجة التداعيات والانعكاسات الخطيرة التي عانت وتعاني منها المناطق التي شهدت وعاشت تلك الجرائم النووية.

فالعالم بحاجة إلى معرفة هذه الجرائم ومن واجب القانون الدولي معاقبة المجرمين وإرغامهم على دفع التعويضات وفعل اللازم من أجل التخلص من الترسبات والملفات الناجمة عن تلك التجارب وكذلك الأوبئة والأمراض والتلوث البيئي.

التناقض الصارخ الذي نلاحظه في عصر التناقضات والتضليل والتزييف والكيل بمكيالين، هو أن فرنسا تسعى إلى دعم وتطوير علاقات التعاون والتبادل الاقتصادي والتجاري والثقافي والعلمي مع دول القارة السمراء، وتمارس ضغوطاً كبيرة على إيران بشأن ملفها النووي، وترفض في الوقت نفسه الاعتراف بجرائمها في مستعمراتها السابقة.

المسؤولون الفرنسيون يصرحون بأن التجارب النووية في الصحراء الجزائرية "نظيفة" ولم تعرّض السكان والبيئة للإشعاعات لأي نوع من الأمراض والانعكاسات السلبية. هذا الموقف من قبل بلد "الحرية والمساواة والأخوة" يذكرنا بقانون فرنسي يمجّد الاستعمار ويثني على الإيجابيات التي قدمها للمستعمرات.

ألم ينظّر جول فيري ويقول إن الله خلق نوعين من البشر، نوع منهما يوجد في الشمال خُلق ليسيطر ويقود النوع الثاني من البشر الذي يوجد في الجنوب. وحسب نظرية المنظر الفرنسي للاستعمار، الأوروبيون خُلقوا ليستعمروا الشعوب الأخرى حتى يعلموها الحضارة والتمدن والتطور.

تمثل التجارب النووية في العالم إشكالاً مهماً جداً، لكن لكونه يهم المغلوب على أمرهم ويحرج القوى الفاعلة في النظام الدولي ويضعها أمام مسؤولياتها وأمام الجرائم التي ارتكبتها، فإنه لم يحظ بالاهتمام اللازم سواء من قبل وسائل الإعلام العالمية أوالمنظمات الدولية. فمن حق الجزائر ومن واجب الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تفرض على فرنسا تقديم خريطة التفجيرات بالتفصيل ومساعدة الجزائر تقنياً ولوجستيا ومادياً لمعالجة الأضرار ومواجهة الموقف وتذليل مخاطر الإشعاعات.

على فرنسا كذلك دفع تعويضات للجزائر وللمتضررين من الجرائم النووية التي ارتكبتها. المنطقة التي شهدت التجارب النووية بحاجة إلى دراسة للوقوف على الأضرار وتحديد السبل والوسائل لإنقاذ ما يمكن إنقاده.

مشكلة التجارب النووية في العالم و بخاصة تلك التي أُجريت من قبل القوى الاستعمارية الغاشمة تحتاج إلى شبكة دولية تضم هيئات ومنظمات وجمعيات تهتم بالآثار السلبية والانعكاسات المختلفة على الإنسان والبيئة و المحيط. على المجتمع الدولي كذلك الاهتمام بالموضوع والعمل على إدارة هذه المناطق التي تعاني من التلوث الإشعاعي النووي بكل مخاطره على الإنسان والحيوان والمكان ولآلاف السنين. أين الضمير الإنساني ومنظمات حقوق الإنسان وحماية البيئة؟

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

مصدر:TRT عربي
اكتشف
مونديال 2026.. هيمنة إسبانية على الجوائز الفردية ورقصة ميسي الأخيرة تنتهي بالدموع
الرئيس أردوغان يهنئ إسبانيا بإحراز لقب كأس العالم 2026
ميسي يخسر وداعاً أسطورياً بعد هزيمة الأرجنتين في نهائي مونديال 2026
المنتخب الإسباني يتوّج بلقب كأس العالم 2026 للمرة الثانية في تاريخه
فيدان من الدوحة: تركيا وقطر تنسقان لدفع المسار الدبلوماسي بين طهران وواشنطن
نائب الرئيس أردوغان: أنقرة ستواصل الوقوف إلى جانب القبارصة الأتراك بقوة
أنقرة تدين قرار اليونان إغلاق 8 مدارس للأقلية التركية في تراقيا الغربية
الأرجنتين وإسبانيا في معركة التتويج.. صدام الأرقام يسبق نهائي مونديال 2026
جرى اعتراض 3 منها.. جيش الاحتلال يعلن رصد صواريخ إيرانية تجاه الأردن
مونديال 2026.. ترمب في النهائي واستنفار أمني واسع وأسعار تذاكر قياسية
أمير قطر يستقبل وزير الخارجية التركي بالدوحة ويبحث معه العلاقات الثنائية وتطورات المنطقة
حصيلة جديدة.. 5119 قتيلاً جراء الزلزال المزدوج في فنزويلا
شهيدان وجرحى في غارات وقصف مدفعي إسرائيلي على قطاع غزة
روسيا تشن أكبر هجوم باليستي على أوكرانيا منذ بدء الحرب
واشنطن تنهي موجة جديدة من الضربات وإيران ترد باستهداف قواعد أمريكية