الجنرال عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السياسي السوداني  (Ashraf Shazly/AFP)

مهما اختلف الناس في تفسير ما حدث يوم الثلاثاء الماضي الموافق 21 سبتمبر/أيلول 2021 في السودان، حول كونه انقلاباً فاشلاً كان يستهدف إنهاء الفترة الانتقالية أم حركة احتجاجية داخل القوات المسلحة على سوء الأحوال في داخلها أو مجرد تمثيلية من أجل تهيئة المناخ لما هو قادم، فقد أوضحت أمرين غاية في الأهمية:

الأول: رفض الشعب السوداني للانقلابات العسكرية بغض النظر عمن يقف خلفها من العسكريين أو المدنيين، فلا أحد يحتفي بعودة حكم المؤسسة العسكرية وحدها لتعتلي المشهد السياسي بعد ثلاثين عاماً من حكم البشير.

الأمر الثاني: فقد عكس ما حدث بكل وضوح هشاشة الوضع السياسي والأمني لحكومة الفترة الانتقالية، وأنها في أضعف حالاتها السياسية والأمنية، والانقسام بين مكوناتها، وتكاد تكون فقدت الدعم والتأييد الشعبي والزخم الذي بدأت به قبل عامين.

وحري بالقول أن العلاقة بين المكونين العسكري والمدني وصلت إلي أفق مسدود، كما عبر عن ذلك عضو المجلس السيادي محمد الفكي، وأن المجلس السيادي فشل في التوافق بأي من القرارات.

الاصطفاف والاستقطاب السياسي

تشهد الساحة السياسية السودانية سباقاً محموماً بعد أن أحكمت الأزمات المختلفة على المشهد، كما أصاب الشلل التام الدولة وتباعدت المواقف وعلت أصوات الانتقادات والاتهامات بين المكونين المدني والعسكري بعد عامين من عمر الفترة الانتقالية التي فشلت في تحقيق أي من أهداف الثورة التي جاءت من أجل تغيير الواقع إلى الأفضل بتطبيق شعارات "الحرية والسلام والعدالة"، مع تردٍّ اقتصادي مريع وسياسات متوحشة نتيجة تطبيق وصفة صندوق النقد الدولي، في وقت يحاول كل طرف أن يحقق انتصاراً بمعركة تكسير العظام التي وصلت إلى مراحلها الأخيرة بين الجناح العسكري والمدني.

علق المكون العسكري في مجلس السيادة العمل المشترك مع المكون المدني بعد اتهامات من عضو المجلس محمد الفكي لرئيس المجلس ونائبه وللمؤسسة العسكرية بأنهم يعملون على إنهاء الفترة الانتقالية بالانقلابات العسكرية. الأمر الذي رفضته المؤسسة العسكرية، مؤكدة أن الأزمة الأساسية تكمن في الأداء الضعيف لحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، إضافة إلى ضعف الحاضنة السياسية للحكومة التي انفردت بالحكم وأقصت كل المكونات السياسية بما فيها مكونات شاركت في التغيير والثورة وكانت جزءاً من ائتلاف الحرية والتغيير.

التأثيرات الخارجية على المشهد السوداني

لم تكن التدخلات الخارجية في مرحلة من مراحل الحكم في السودان حاضرة أكثر مما هي عليه الآن، فالمشهد السوداني يكاد يكون مخطوفاً بأكمله لمحاور إقليمية ودولية منذ الأيام الأولى للتغيير، فقد اعتمدت حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في كل مسيرتها على الدعم الدولي سياسياً ومادياً وإعلامياً، وكلما فقدت مناصريها في الداخل وتحرك الشارع ضد سياساتها، خاطبت المحاور الدولية وجود مهددات لمرحلة الانتقال الديمقراطي، وأنه يوجد من يعمل على تقويض الفترة الانتقالية، من دون النظر إلى فشل الحكومة الانتقالية بمعالجة الأوضاع الداخلية التي فاقت حد الاحتمال من حيث السيولة الأمنية والهشاشة السياسية والتضخم الاقتصادي الذي فاق 500%، وغلاء الأسعار. في ظل هذه الظروف أعلن البيت الأبيض أن مبعوث الرئيس الأمريكي للقرن الإفريقي السيد جيفري فيلتمان سيزور الخرطوم الأسبوع المقبل من أجل حمل الفرقاء للجلوس والتفاوض لحماية المرحلة الانتقالية، ودعماً للحكومة المدنية. فلا يزال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك يجد الدعم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كونه يقود حكومة مدنية.

كذلك فإن مشروع الإمارات العربية في المنطقة، الذي يعمل بكل جد على إبعاد التيار الإسلامي من المشهد أين كانت خلفياته الفكرية، يمثل حجر عثرة أمام أي تقدم في ملف الوفاق الداخلي والمصالحة الشاملة التي تضم كل مكونات الطيف السوداني. الأمر الذي سيعمل على تمتين الجبهة الداخلية وتوسيع قاعدة المشاركة والحاضنة السياسية لحكومة الفترة الانتقالية.

تخشى مصر انهيار الدولة السودانية ودخولها في حرب أهلية طاحنة، ربما تقود إلى تفتيت البلاد إلى دويلات، مما يمثل تهديداً للأمن القومي المصري، لذلك تدعم مصر ولو بصورة غير مباشرة وجود العسكر في رأس نظام الحكم في السودان، وترفض فكرة هيكلة القوات المسلحة السودانية وإحلال قوات الحركات المسلحة وعقيدة جديدة، وفقاً للمشروع الذي تدعمه الإمارات وقوى اليسار في الداخل السوداني.

الاحتجاجات الشعبية في الولايات

لم تكن اتفاقية جوبا للسلام التي وقعت في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2020 بين حكومة الفترة الانتقالية وبعض حركات الكفاح المسلح من الجبهة الثورية قادرة على تحقيق السلام المنشود، بل تضمنت في بنودها ما وصف بالمخاطر التي ولَّدت انفجاراً شعبياً في الكثير من المناطق، بإقرارها ما سمي (بالمسارات الخمسة). وكان أول الخارجين من هذه الاتفاقية شرق السودان بولاياته الثلاث رفضاً لمسار الشرق. ولم تكن الحكومة تمتلك القدرة والإرادة السياسية للتراجع عن الاتفاقية أو تعديلها بما يتوافق مع مكونات الشرق الرافضة لها، ومع انسداد الأفق التفاوضي وتباعد المواقف ارتفع سقف المطالب في شرق السودان من رفض (مسار الشرق) إلى إسقاط حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الثانية التي جاءت بها اتفاقية جوبا للسلام. وتصاعدت الاحتجاجات إلي أن وصلت إلى إغلاق شرق السودان وشل الاقتصاد السوداني بإغلاق الميناء الرئيسي للبلاد (ميناء بورتسودان) وإغلاق خط السكة حديد الناقل للبضائع والطريق القومي الرابط بين داخل البلاد والميناء أمام حركة النقل والتجارة. تطورات تهدد بعواقب اقتصادية وسياسية لا يحتملها الواقع السوداني الهش.

يتزامن هذا مع إعلان ميلاد فصيل شعبي مسلح (حركه طوفان) في ولاية غرب كردفان، هدد بإغلاق حقول النفط في الولاية، وإغلاق الطريق القومي الذي يربط غرب البلاد، وإغلاق أنبوب النفط الذي ينقل بترول دولة جنوب السودان إلى ميناء التصدير على البحر الأحمر (ميناء بشاير)، إذا لم تستجب الحكومة لمعالجة أوضاع المقاتلين الشعبيين من أبناء المنطقة الذين قاتلوا مع القوات المسلحة في حرب الجنوب التي استمرت أكثر من نصف قرن من الزمان قبل أن ينفصل الجنوب عام 2011، ويقدر عددهم بـ100 ألف مقاتل، كما ذكرت الحركة الوليدة.

ويشهد الكثير من الولايات بما فيها العاصمة الخرطوم احتجاجات شعبية شبه يومية ضد أداء حكومة الفترة الانتقالية والأوضاع المعيشية وتصاعد حدة الإضرابات، مما أصاب العمل التنفيذي بالشلل.

الدولة في مواجهة الدولة

من أكثر الانتقادات التي واجهت حكومة رئيس الوزراء د. حمدوك من المجتمع الدولي أداء لجنة "إزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو ومحاربة الفساد". هذه اللجنة التي أعطيت صلاحيات واسعة لا تحدها حدود، وهي بذلك الحاكم الفعلي للبلاد من دون رقيب ولا حسيب، وهي محصنة نفسها من الانتقاد والمحاسبة. فقد اعتقلت مئات المواطنين من دون محاكمات ولا اتهامات، وفصلت وشردت آلاف الموظفين في كل قطاعات الدولة ومنها القضاء والدبلوماسيون والعسكريون. حتى وصل الأمر مؤخراً إلى أن يرفض نادي القضاء فصل 17 قاضياً من خيرة قضاة السودان والدخول في إضراب وتعطيل عمل المحاكم. وأدت مصادرات الأموال والأملاك إلى هروب المال الوطني والأجنبي من البلاد.

السيناريوهات المتوقعة

لم تعد توجد فرصة لحكومة حمدوك للمناورة أو كسب الوقت، فقد حرقت كل الفرص التي بيدها، ولم يكن بالإمكان تلميع صورتها أمام الشعب السوداني الذي زهد في ندائها، بل وسخر منه يوم أن نادي عضو المجلس السيادي والرئيس المناوب للجنة إزالة التمكين أن "هبوا للدفاع عن حكومتكم" صبيحة يوم المحاولة الانقلابية الفاشلة، فلم يستجب أحد.

المتابع لتاريخ السودان منذ الاستقلال يتابع الدورة التي تمر بها البلاد: حكومة ديمقراطية ثم انقلاب عسكري تعقبه ثورة شعبية. فعوضاً عن تكرار أخطاء الماضي فإن أمام رئيس مجلس السيادة والشعب السوداني خيار وحيد للخروج من هذه الأزمة: توسيع دائرة الحاضنة السياسية وضخ روح جديدة في شرايين الشركاء السياسيين والحكومة، من خلال مصالحة ووفاق وطني، من أجل الاتفاق على برنامج عمل وطني جامع وتحديد آجال واضحة للفترة الانتقالية، تنتهي بانتخابات نزيهة وشفافة. أو الاستعداد لانهيار الدولة وتقسيمها إلى عدة دول، وربما حرب أهلية لا تستثني أحداً.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي