بين الرياض والولايات المتحدة يتنقل الرئيس هادي، فيما تبقى عدن خارج خارطة التحرك الرئاسي، لتغدو مسرحا لتنامي النفوذ الإماراتي. بالمحصلة لقد أضعف التحالف معسكر الشرعية سلطة وأحزابا، وتعمد تجريد السلطة الشرعية، من الخيارات السيادية.

بعد نحو أربع سنوات من الحرب الدائرة في اليمن، يبرز تساؤل مهم بشأن الأثر الذي خلَّفه التدخل العسكري للتحالف بقيادة المملكة العربية السعودية في هذا البلد، في إطار "عاصفة الحزم"، ومِن بعدها "عملية إعادة الأمل"، إذا أخذنا بعين الاعتبار مؤشر التمكين للسلطة الشرعية الذي يتعلق بأحد أهم أهداف هذا التحالف.

لا يبدو سليماً في السلطة الشرعية إلا هيكلها، الذي أبقى على رمزية الدولة اليمنية باعتبارها مظلة لتدخُّل عسكري، تحوَّل شيئاً فشيئاً إلى مدخل للسعودية والإمارات البلدين الرئيسن في التحالف، لتمرير أجندات لها صلة بتكريس نفوذهما الجيوسياسي على الجغرافيا اليمنية، ضمن خيارات عدة تقضي أخطرها بإعادة تفكيك اليمن، ليس إلى شطرين كما كان قبل الوحدة اليمنية في 22أيار/مايو 1990، بل إلى عدة كيانات متصارعة.

لا يبدو سليماً في السلطة الشرعية اليمينة إلا هيكلها، الذي أبقى على رمزية الدولة اليمنية باعتبارها مظلة لتدخُّل عسكري، تحوَّل شيئاً فشيئاً إلى مدخل للسعودية والإمارات

ياسين التميمي

فقد صرف التحالف جزء مهمّاً من جهوده العسكرية لتأسيس نفوذه وإضعاف هياكل الدولة اليمنية، وتجريف نفوذ السلطة الشرعية، وإضعافها، وتحويلها إلى مجرد دمية يحركها طِبقاً لأجنداته وأولوياته.

لم يتغير شيء جوهري على صعيد تحسين كفاءة السلطة الشرعية والحكومة، على الرغم من الأجواء الملائمة نسبيّاً والتي تهيأت لرئيس الحكومة الجديد الدكتور معين عبد الملك سعيد، منذ تعيينه في 15أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قياساً بتلك التي أتيحت لسلفه أحمد عبيد بن دغر، الذي لم يتمكن من البقاء عند منتصف المسافة بين الرئيس عبد ربه منصور هادي والإمارات، طيلة المواجهة الناشبة بين الطرفين والتي وصلت حد منع الرئيس من العودة إلى عدن في ١٢فبراير/شباط 2017 واستهداف قوات الحماية الرئاسية التابعة له عبر طيران الأباتشي لمرتين، الأولى في 16سبتمبر/أيلول 2017، والثانية في يناير/كانون الثاني عام 2018.

رئيس الوزراء الجديد لم يقف فقط عند منتصف المسافة بين الرئيس هادي والإمارات، بل اختار لنفسه طريقاً مختلفاً، حيث قرر أن ينشغل فقط بإدارة الشأن الاقتصادي، وتحسين ظروف الناس المعيشية، والابتعاد عن الخوض في القضايا السياسية، دون أن يوضح كيف سيتسنى له الوصول إلى أهدافه إن لم يكن جزءاً من القرار السياسي في هذه الدولة، وإن لم يحصِّن قراراته الاقتصادية بدعم سياسي.

النهج المتبع من رئيس الوزراء الجديد، استدعى انتقادات واسعة وصلت حد الاستهجان، لكن الرجل على ما يبدو استوعب الدرس المؤلم الذي تلقَّاه سلفه بعد انتهى به الأمر به مُقالاً مع إحالة غير مبررة للتحقيق، فيما يشبه الإعدام السياسي.

رئيس الوزراء الجديد معين عبد الملك لم يقف فقط عند منتصف المسافة بين الرئيس هادي والإمارات، بل اختار لنفسه طريقاً مختلفاً،

ياسين التميمي

 وفي الوقت نفسه، أراد رئيس الحكومة الجديد أن يقدم انطباعاً عن الشكل الذي استقرت عليه العلاقة الحالية بين السلطة الشرعية من جهة والإمارات بصفتها المتحكم الرئيس في مقاليد الأمور في عدن، من جهة أخرى.

ووفقاً لشكل العلاقة الراهنة فإن الإمارات باتت تتعامل مع مستويين في السلطة الشرعية هما الرئاسة والحكومة، ومعها تبدو علاقة الحكومة مع أبوظبي في أحسن حالاتها هذه الأيام، لكنها لم تتجاوز بعد عقدة التحفظات الإماراتية على وزراء بعينهم في الحكومة، ومنهم، وزير الشباب والرياضة، نائف البكري، السياسي الجنوبي المحسوب على التجمع اليمني للإصلاح (إسلامي)، والذي لم يتمكن من العودة إلى عدن للمشاركة في تشييع والدته.

علماً بأن هذا الوزير هو أول محافظ لعدن بعد استعادتها من الحوثيين، وكان قاد قبل ذلك المقاومة الوطنية في المحافظة التي كان الانقلابيون يسيطرون عليها بالكامل، وقد شكلت إزاحتها من المشهد إحدى أولويات أبوظبي حتى قبل أن يباشر التحالف عملية الإنزال البري في عدن، والتي قادتها الإمارات في يوليو/تموزعام 2015.

نأت حكومة رئيس الوزراء الحالي معين عبد الملك، بنفسها عن القضايا السياسية الشائكة وخصوصاً تلك التي تتشابك مع دور التحالف ومخططاته وتكتيكاته على الساحة اليمنية، والتي تصادر في أدنى تأثيراتها القرار السيادي لليمن، وتسلب صلاحيات السلطة الشرعية، وتدير المعركة العسكرية بطريقة انفرادية، وتتبع خط صدع سياسي وجهوي خطير للغاية في توجيه مسار المعركة، بحيث يبدو من السهولة بمكان استنتاج أن اليمن يتشظى عمليّاً بفعل هذه السياسات.

وفقاً لشكل العلاقة الراهنة فإن الإمارات باتت تتعامل مع مستويين في السلطة الشرعية هما الرئاسة والحكومة، ومعها تبدو علاقة الحكومة مع أبوظبي في أحسن حالاتها هذه الأيام

ياسين التميمي

فالمعارك تدور حاليّاً في الساحل الغربي لليمن وبالتحديد في مدينة الحديدة، من أجل غلق منافذ تهريب الأسلحة النوعية للحوثيين، وحيث تخطط الإمارات لتأسيس مركز ثقل عسكري وسياسي لبقايا نظام صالح وقواته ورجاله، في مقابل الثقل السياسي والعسكري الذي تُمثله مأرب بصفتها معقل التيار المحسوب على ثورة فبراير/شباط 2011 وعواملها السياسية.

وتدور المعارك أيضاً في مناطق مختلفة من صعدة الواقعة إلى الشمال الغربي والمتاخمة للحدود الجنوبية الغربية للمملكة العربية السعودية، وتشرف عليها وتمولها السعودية التي تسعى إلى تحقيق هدف رئيس هو توسيع نطاق المنطقة العازلة بين حدود البلدين من أجل خفض المخاطر الناجمة عن النشاط العسكري للحوثيين الموجه ضد الحد الجنوبي للمملكة وتحييده نهائيّاً.

وفيما استقرت العلاقة تقريباً بين التحالف وحكومة الدكتور معين عبد الملك، يبدو أنها لم تستقر بين الرئيس هادي والتحالف وخصوصاً الإمارات، إلم نقل إنها دخلت مرحلة من الغموض، على الرغم من التفاهم الظاهري الذي نجم عن زيارة قام بها هادي إلى أبوظبي بوساطة سعودية، في 12يونيو/حزيران 2018.

لكن هذا التفاهم لم يترجم على أرض الواقع فيما يفترض أن يلمسه اليمنيون من سهولة في حركة الرئيس بين مقره المؤقت في الرياض والعاصمة عدن ومنهما إلى العالم، كأي رئيس متحرر من الضغوط والإملاءات الخارجية.

بين الرياض والولايات المتحدة يتنقل الرئيس هادي، فيما تبقى عدن خارج خارطة التحرك الرئاسي، في الوقت الذي بقيت فيه هذه المدينة ميداناً لتنامي نفوذ الإمارات، وفي الوقت الذي تدور فيه الشكوك حول صحة الرئيس هادي، على مشارف جولة جديدة من المشاورات من المقرر أن تعقد مطلع ديسمبر/ كانون الأول 2018، إذا تمكن المبعوث الأممي مارتن غريفيث من جمع الأطراف مجدداً.

التحالف لم يعد يتحرك بأريحية على الجغرافيا اليمنية، فثمة إرادة دولية تضغط عليه لحمله على إنهاء الحرب فوراً والشروع في مفاوضات بين الأطراف اليمنية.

هذا التحول الذي يتجلى في المزيد من الضغط على التحالف، يتزامن مع المأزق الخطير الذي تمر به الرياض على خلفية تورطها في قتل الكاتب السعودي البارز جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول بطريقة متوحشة هي اليوم من أكثر القضايا حضوراً في الأجندة العالمية.

الرياض بين مأزقين في حقيقة الأمر أحدهما حربها في اليمن الذي إن انتهت تحت تأثير الضغط الغربي، فإنها سترسخ حتماً المكاسب السياسية والعسكرية للحوثيين

ياسين التميمي

الرياض بين مأزقين في حقيقة الأمر أحدهما حربها في اليمن الذي إن انتهت تحت تأثير الضغط الغربي، فإنها سترسخ حتماً المكاسب السياسية والعسكرية للحوثيين الذين لا يزالون يسيطرون على مساحة مهمة من البلاد، تتركز فيها النسبة الأكبر من سكان اليمن ومعظم الموارد السيادية، ما يعني أن حزب الله أكثر نفوذاً وأوسع تأثيراً سينشأ عند الحدود الجنوبية للمملكة.

وللأسف الشديد فإن التحالف بقيادة الرياض، ساهم طيلة الفترة الماضية في إضعاف معسكر الشرعية سلطة وأحزاباً، وتعمد تجريد السلطة الشرعية، من الخيارات السيادية التي تُمكِّنها من المناورة على مشارف هذا الاستحقاق السياسي المهم الذي تمثله المشاورات في السويد.

لا ينفق المسؤولون الغربيون ومعهم مسؤولو الأمم المتحدة، المزيد من وقتهم في استكشاف قدرات السلطة الشرعية وإمكانيات دفعها إلى خيارات من شأنها أن تقود إلى إنهاء الحرب في اليمن، ليقينهم بأن هذه السلطة باتت مجرد تابع ضعيف للتحالف الذي يتحكم بكل شيء تقريباً، ويبسط نفوذه على بر اليمن وبحره وجوه، ويعمِّق مأساة الحصار الشامل الذي فُرض أصلاً لمنع تدفق الأسلحة للمتمردين الحوثيين، قبل أن يتحول إلى تضييق شامل على اليمنيين وعلى حرية التجارة والتنقل التي يبدو معها الشعب اليمني في وضع هو الأسوأ بالنسبة لأي شعب آخر على كوكب الأرض.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي