بعد انتظار مشوّق دام لأيام، أظهرت النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية الأمريكية تقدُّم المرشح الديمقراطي جو بايدن على الرئيس الحالي دونالد ترمب.

وصحيح أن النتائج النهائية لم تُعلن بعد، وأنه قد يوجد مسار قضائي يعوّل عليه ترمب، إلا أن معظم الأطراف وخصوصاً دول العالم باتت تتعامل مع بايدن بعدِّه الرئيس الـ46 للولايات المتحدة.

بالنسبة إلى تركيا، يوجد انطباع بأن النتائج أتت على عكس رغبتها وأنها كانت تفضل استمرار ترمب في المكتب البيضاوي، إذ ساهمت العلاقة الشخصية بينه وبين أردوغان في منع القطيعة بين البلدين وتوقيع بلاده عقوبات على أنقرة ضمن قانون كاتسا (معاقبة أعداء أمريكا عبر العقوبات) بسبب منظومة S-400، مقابل المواقف السلبية لبايدن من تركيا وأردوغان.

ذلك أن الأخير معروف تاريخياً بقربه من اللوبي اليوناني ودعم موقف اليونان وقبرص الرومية في القضية القبرصية. فضلاً عن مواقف متواترة مؤخراً ضد أردوغان وبلاده مثل انتقاده إعادة آياصوفيا مسجداً، وأنشطة تركيا في شرق المتوسط، إضافة إلى تصريحاته المثيرة للجدل نهاية العام الفائت التي نعتَ فيها أردوغان بـ"المستبد" داعياً بلاده لدعم المعارضة للإطاحة به.

يضاف إلى كل ما سبق أن الحكومات التركية تتعامل تقليدياً بشكل أكثر سلاسة مع الرؤساء الجمهوريين بالمقارنة مع الديمقراطيين، وأن الفترة الثانية من رئاسة أوباما -التي كان بايدن نائبه فيها- شهدت توتراً كبيراً وعميقاً بين البلدين.

لكل ما سبق، توجد توقعات بأن تمر العلاقات التركية-الأمريكية بأزمة كبيرة في رئاسة بايدن، وأن توقعَ واشنطن عقوبات على أنقرة بسبب منظومة S-400، لا سيما أن الكونغرس في أغلبيته مع هذا التوجه الذي جمّده ترمب لحين.

يبدو كل ذلك منطقياً، ويفسر متابعة أنقرة للانتخابات من كثب وكذلك تأخُّرها في تقديم التهنئة لبايدن، إذ إن الناطق باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم عمر تشيليك قال إن بلاده ستقدم التهنئة للرئيس المنتخب "أياً كان" حين تظهر "النتائج الرسمية النهائية" للانتخابات وبما "يتناسب مع احترامها للشعب الأمريكي والديمقراطية الأمريكية". 

كذلك فإن نائب الرئيس فؤاد أوكتاي ووزير الخارجية مولود جاوش أوغلو قالا إن بلادهما ستتعامل مع الرئيس الأمريكي كما تتعامل مع أي رئيس آخر ووفق ما تمليه المصالح التركية، إذ إن "العلاقات مع الولايات المتحدة فوق حزبية"، وإنها "مستعدة للتعاون الوثيق مع الإدارة الأمريكية الجديدة".

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قد بعث، الثلاثاء الماضي، برسالة تهنئة إلى نظيره الأمريكي المنتخب جو بايدن. وأعرب الرئيس أردوغان فيها عن تمنياته بأن تحمل نتائج الانتخابات الخير لشعب الولايات المتحدة الصديقة والحليفة، بحسب بيان دائرة الاتصال في الرئاسة التركية.

لكن كاتب هذه السطور يحاجج بأن هذا تقييم موغل في السلبية والتشاؤم، وأن العلاقات التركية-الأمريكية ليست مقبلة على أزمة عميقة ولا قطيعة بين الجانبين، لأسباب كثيرة جداً.

ففي المقام الأول، لا ينبغي أخذ تصريحات بايدن خلال الحملة الانتخابية كمعيار وحيد للتقييم والاستشراف، إذ إنه غالباً ما تتباين مواقف الرئيس وتوجهاته بعد انتخابه عن تصريحاته قبله. 

فمن المفهوم أن كثيراً من المواقف والتصريحات تكون غايتها إحراج المنافس ومناكفته والمزايدة عليه. 

في المقابل ليس من المتوقع أن ينقلب بايدن تماماً على كل إرث ترمب، إذ إن فيه ما يتفق معه، وفيه ما يتطابق ومصالح بلاده وأمنها، وفيه ما يصعب النكوص عنه أصلاً.

من جهة ثانية، فإن أحد أهم أولويات بايدن ستكون التصرف كرجل دولة وإعادة الثقة بالمؤسسات الأمريكية ومحو الانطباع الذي رسّخه ترمب حول الارتجال والتفرد بالقرارات.

وهذا أمر جدير بأن يجعله يضع في الحسبان جملة المصالح والمهددات المشتركة بين البلدين، وأهمية أنقرة للسياسة الخارجية لبلاده عموماً، على الرغم من أنه يحمل بعض المخاطر في ظل تركيبة الكونغرس وسلبيته تجاه تركيا كما سلف.

كما أن من أهم أولويات الرئيس الجديد كسب ثقة حلفاء الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم حلف شمال الأطلسي كمنظمة وكأعضاء، إذ كان ترمب قد هزّها عميقاً خلال السنوات الأربع، بما دفع فرنسا إلى تجديد الدعوة لتأسيس "جيش دفاع أوروبي" فضلاً عن الخلافات المتعددة بين الدول الأعضاء.

وأخيراً، فإن أولويات بايدن ستشمل فيما يبدو العودة إلى مساعي احتواء روسيا والتقليل من المخاطر التي نجمت عن تمدُّدها والأدوار التي تلعبها في عدة مناطق مثل الشرق الأوسط وحوض المتوسط وجنوبه. وفي استراتيجية مثل هذه، ستكون واشنطن بحاجة إلى جهة تلعب في كثير من هذه المناطق وقضاياها أدواراً موازية وموازنة -وإن نسبياً- لموسكو، وهي أنقرة. ينطبق ذلك على الملف الليبي، والسوري بدرجة أقل، كما ينطبق بدرجة أو بأخرى على مساعي بايدن لاحتواء إيران باتفاق أو بغيره.

أكثر من ذلك، في يد أنقرة بعض الأوراق التي يمكن استخدامها في التعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة، إضافة إلى الأوراق التقليدية المتمثلة بمنظومة المصالح والمهددات المشتركة وتاريخية العلاقات بين الجانبين. صحيح أنها لا تملك رفاهية الصدام مع روسيا وبالتالي لا يمكنها التراجع عن مسار العلاقات المتحسن مؤخراً وكذلك عن صفقة S-400، وصحيح أن هذه الأخيرة ستكون التحدي الأكبر والأخطر أمام العلاقات الثنائية في بدايات عهد بايدن، إلا أنها تستطيع تجميد تفعيلها ثم تأخيره كما حصل حتى الآن، بما يجنّبها ردات فعل عالية السقف من واشنطن.

إضافة إلى ذلك، يمكن لأنقرة أن تدوّر زوايا الخلاف مع عدد من حلفاء واشنطن في المنطقة، وتحديداً مصر والسعودية وبدرجة أقل "إسرائيل". ويبدو أن لديها توجهاً لذلك، إذ قال جاوش أوغلو قبل أيام إن بلاده تعمل دائماً على "إبقاء قنوات الحوار مع السعودية مفتوحة" وعلى "عدم تأثر العلاقات بين الشعبين التركي والمصري سلباً بمشاكل العلاقات السياسية بين البلدين". ويبدو أن بعض مؤشرات ذلك قد بدأت بالظهور، فيمكن تَلَمُّس نبرة مختلفة نوعاً ما من بعض الأطراف الإقليمية المناوئة لأنقرة تجاهها خلال الأيام الماضية بعد ظهور النتائج، وبما يشير إلى أن هذه الأطراف تستشعر صعوبة الاستمرار بنفس العداء لتركيا في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة.

في المحصلة، تبدو تركيا مهمة بل ومحورية في استراتيجية بايدن للسياسة الخارجية وأولوياته فيما يخصها، وتملك أوراقاً يمكن استثمارها في هذا السياق. يوجد رهان على أن بايدن وبغض النظر عن مواقفه المسبقة رجل دولة ومؤسسات بما يمكن أن يسهم في تأسيس علاقات مؤسسية واضحة بين البلدين.

في هذا الإطار وفي حال بقيت النتائج على حالها سيكون أمام بايدن بعض الوقت حتى يتسلم الرئاسة، ووقت آخر حتى يختار أركان إدارته، وكذلك فترة من الانشغال بالأولويات الداخلية قبل أن يوجه اهتمامه إلى السياسة الخارجية، لا سيما الملفات طويلة الأمد. في هذا الوقت ستكون أنقرة على استعداد للدخول مع الإدارة الجديدة في حوار لتأسيس علاقة أكثر استقراراً، لا سيما أن لديها هي أيضاً تحفُّظات كبيرة على بعض سياسات الولايات المتحدة مثل دعم المليشيات الانفصالية في سوريا وعدم التعاون في ملف زعيم الكيان الموازي فتح الله كولن، وهي سياسات يتوقع لبايدن أن يُبقي عليها.

وبالتأكيد فإن سياسياً مخضرماً مثل بايدن يدرك أن استمرار الضغط على تركيا وتجاهل مصالحها سيدفعها للتقارب أكثر فأكثر مع روسيا، على غير رغبة منها ربما في ظل تعارض المصالح وازدياد التوتر بينهما مؤخراً في أكثر من ملف. تطوُّر كهذا سيكون مكسباً استراتيجياً لموسكو وضربة قوية لحلف الناتو، بعكس ما يريده بايدن تماماً.

لا يعني كل ذلك أن العلاقات بين البلدين ستتجاوز كل الأزمات والملفات الخلافية، فذلك لا يزال بعيداً وفق المعطيات الحالية، بل لا يمكن نفي احتمال ضغط الإدارة الأمريكية الجديدة على أنقرة وربما فرض بعض العقوبات عليها. لكنها على الأقل ليست ذاهبة إلى قطيعة أو صدام، بل مرشحة للاستمرار على مسار السنوات الأخيرة ذاته، أي التذبذب بين التعاون والتوتر على أرضية مضطربة مبنية على تراجع الثقة بين البلدين.

وفي كل الأحوال، فإن التصريحات والمواقف السابقة ليست أهم المؤشرات لاستشراف المسار المستقبلي للعلاقات وإنما الأسماء التي سيختارها بايدن لإدارته، وخصوصاً وزير الخارجية ومستشاره للأمن القومي، فهي التي ستحمل بعض شيفرات العلاقات مع تركيا خصوصاً وباقي الأطراف الدولية عموماً. 

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي