تتزايد حالات انتهاك إسرائيل للوضع القائم في القدس والمسجد الأقصى  (AA)

وتحتوي هذه البنايات على 15 منزلاً، إضافةً إلى قطعة أرض تبلغ مساحتها 400 متر مربع في قلب الحي.

يرفع المستوطنون في اقتحامهم الأعلام الإسرائيلية فوق المكان، ليصبح للمستوطنين بؤرة استيطانية لأول مرة في منطقة الحارة الوسطى التي تقع في موقع استراتيجي جنوب شرق المسجد الأقصى المبارك بموازاته هوائياً، ولتكون هذه البؤرة الخطيرة أول اختراق صهيوني استيطاني لهذه المنطقة من حي سلوان، والتي عمل أهلها جاهدين طوال أكثر من خمسين عاماً على إبقائها خاليةً من الوجود الاستيطاني، وليدور السؤال في أوساط المقدسيين: كيف سُرّبت هذه العقارات؟ ومَن المسؤول عن ذلك؟

على الفور ظهرت أسماء شخصيات محددة وجَّه إليها المقدسيون أصابع الاتهام بتسريب العقارات مباشرة للاحتلال، وأعلنت ثلاث عائلات مقدسية معروفةٍ في بيانات مكتوبة براءتها من هذه الشخصيات المتهمة بالتسريب ورفعت عنها الغطاء والحماية العشائرية، بما يعني عدم تدخل هذه العائلات في حال تعرض أي جهةٍ لهذه الشخصيات أو معاقبتهم نتيجة هذا التسريب.

كما أعلن الشيخ عكرمة صبري رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس وخطيب المسجد الأقصى المبارك فوراً أنّ من ثبت عليه تسريب عقاراتٍ للاحتلال لا يصلَّى عليه ولا يُدفَنُ في مقابر المسلمين.

إلا أنّ هذا الحدث الصادم فتح الباب أمام محاولة الكثيرين فهم الأساليب التي تتبعها الجمعيات الاستيطانية الناشطة في مجال شراء العقارات وتسريبها في القدس وعلى رأسها الجمعية الأبرز:عطيرت كوهانيم.

حيث لفتت بعض الشخصيات المقدسية النظر إلى أنّ العقارات التي سُرّبت سارت في مسارات غاية في التعقيد حتّى وصلت إلى يد جمعية عطيرت كوهانيم الاستيطانية. وتبيّن مِن التحقيقات الأولية أنّ بعض أصحاب هذه العقارات كانوا قد باعوا هذه العقارات لسماسرةٍ على أنّهم مقدسيون، ليتبيّن لاحقاً أنهم كانوا يعملون مع الاحتلال وينسّقون مع جمعية عطيرت كوهانيم لاستكمال شراء كامل العقارات المتجاورة إضافةً إلى قطعة الأرض.

كما أنّ واحداً على الأقل من مالكي العقارات، وهو واحد مِن الذين تبرّأت منهم عائلاتهم، كان يعلم أنّ العقار سيُسرّب إلى الاحتلال، ومع ذلك أقدم على تسريب العقار لقاء مبلغ لا يتجاوز 300 ألف دولار أمريكي.

في عام 2018 نشر الصحفي الإسرائيلي نير حسون مقالاً في صحيفة هآرتس عن أساليب جمعية عطيرت كوهانيم الاستيطانية المتطرّفة في استدراج السماسرة من بين الفلسطينيين لتسريب الأراضي والعقارات، وذلك من خلال تسجيلات مسربة من مكتب رئيس تلك الحركة "ماتيتاهو دان" المعروف باسم (ماتي دان).

تبيّن من خلال الدراسة والتسريبات أنّ هذه الجماعات تستخدم أساليب عديدة ملتوية لإسقاط مَن يرون فيه إمكانية السقوط الأخلاقي والمالي في وحل التعاون مع الاحتلال وتسريب العقارات.

ولعلّ الأسلوب الأبرز في هذه الحالات هوالابتزاز الأخلاقيبعد إسقاط السمسار في علاقات جنسية غير مشروعة وتصويره ومن ثمّ تهديده بفضحه أمام الشعب في حال لم يقم بإتمام عملية التسريب، وتشترط المرجعيات الدينية لهذه الجماعات المتطرفة أن لا تكون الفتيات اللاتي يُستأجرن لأداء "خدمات جنسية" في هذا الصدد يهوديات.

وفي إحدى الحالات اصطحب رئيس جمعية عطيرت كوهانيم ماتي دان بنفسه سمساراً عربياً في رحلةٍ مدفوعة الأجر بالكامل إلى الولايات المتحدة الأمريكية تضمنت استئجار بائعات هوى وزيارات للكازينوهات هناك، مما جعل السمسار ملزماً أمام هذه الجمعية بتسريب عقار في سلوان.

كما أنّ هذه الجماعات تلجأ إلى الإغراء بالأموال الوفيرة لبعض ضعاف النفوس مقابل عقارات في القدس، ثم يُفاجأ الشخص المستهدف في اللحظة الأخيرة عند توقيع العقد بدفع مبلغ أقل بكثير مما عرض عليه ابتداءً، وفي حال رفضه العرض الجديد يتم تهديده بإعلان الصفقة أمام الناس وفضحه أمام المجتمع المقدسي.

كما أنّ جمعية عطيرت كوهانيم تلجأ في بعض الحالات إلى توجيه عملائها في المجتمع المقدسي للتحايل على بعض الشخصيات المعروفة النظيفة دون معرفته بارتباط هؤلاء العملاء بالجمعية، ليُباع العقار للشخصية المعروفة ثمّ نقلها إلى أشخاص آخرين ثم لغيرهم حتى تصل في النهاية إلى أحد الوسطاء المرتبطين بهذه الجمعية، ليُسرّب العقار في اللحظة المناسبة إلى الجمعية عن طريق إحدى شركاتها الوهمية المسجلة في ملاذات ضريبية بعيدة، حيث تمتلك هذه الجمعية أكثر من عشر مؤسسات وهمية مسجلة في جزر الكاريبي التي تعتبر ملاذات ضريبية معروفة.

وفي حالة العقارات التي سُرّبت هذا الشهر في سلوان ذكر تحقيق نشرته وكالة (القسطل) المقدسية أنه عند البحث في قضية التسريب تبين أنّ عقد بيع إحدى العقارات كان باسم مؤسسة تدعى (شركة بدران للبناء والاستثمار)، حيث اشترت هذه الشركة العقار وسرّبته لجمعية عطيرت كوهانيم، ليتبين أنّ الشركة المذكورة وهمية، وأنها مسجّلة باسم شخص يُدعى رامي بدران، ولدى التحري تبين أنّ هذا الشخص وهمي وغير موجود في الحقيقة! وأن رقم هويته المسجل في بيانات الشركة مزيف ويعود لشخص آخر يسكن خارج فلسطين منذ زمن طويل. ومع بدء تكشّف أوراق القضية فوجئ المقدسيون باستدعاءات مختلفة تصلهم من الجهات الأمنية الإسرائيلية، حيث اتهمتهم بالإخلال بالأمن وهددتهم بضرورة التوقف عن نشر ما يتعلق بكشف ملابسات هذه القضية، وهو ما يفتح الباب واسعاً للتساؤل حول دور الحكومة الإسرائيلية في تسهيل تسريب الأراضي في سلوان وفي غيرها مِن الأحياء المقدسية.

كذلك يتساءل المقدسيون هنا عن دور السلطة الفلسطينية في مواجهة هذه التسريبات وتقاعسها عن ذلك، حيث تبيّن في بعض حالات التسريب أنّ هناك سماسرةً اتُّهموا بمحاولة تسريب عقارات في داخل البلدة القديمة بالقدس (مثل عقارات منطقة عقبة درويش شمالي المسجد الأقصى المبارك)، ليتبيّن لاحقاً أنّ بعضهم محسوب على شخصيات مرتبطة بأجهزة أمنٍ فلسطينية غادرت البلاد بطريقة غير مفهومة، أو غادرت البلاد بعد الإفراج عنها من السجن بضغوط من الإدارة الأمريكية السابقة.

والسؤال المشروع الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن حلّ هذه المعضلة وضمان عدم تسريب العقارات المقدسية للجماعات الاستيطانية؟

وهذا السؤال لم يفتأ المقدسيون يحاولون منذ زمن طويل الإجابة عنه والتّعامل معه، فقد شهد منتصف عام 2016 توقيع العائلات المقدسية على وثيقة شرف سُمّيت باسم"وثيقة عهد القدس وميثاقها"، اتُخذت فيها عدة إجراءات عمليّة التزمت بها العائلات المقدسيّة مثل الامتناع عن رفع أيّة قضايا أو نزاعات تتعلق بعقارات القدس أمام القضاء الإسرائيلي، إضافةً إلى نبذ كل شخص يتورط في بيع أو تسريب عقارات للاحتلال ومنعه مِن الدفن في مقابر المسلمين بالمدينة المقدسة.

وأما في حالة تسريب العقارات الأخيرة في سلوان، فقد تداعت عائلات متعددة في سلوان إلى إصدار بيان مشترك بعد يوم واحد من تسريب العقارات أعلنت فيه، "هدر دم كلّ شخص باع شبراً من أرض سلوان وساهم ولو بالإشارة في بيع أرضٍ أو بيتٍ"، إضافةً إلى المقاطعة الاجتماعية الشاملة للمتورطين في هكذا صفقات.

هذه العملية تشير بوضوح إلى الخيار الأمثل لحلّ هذه المعضلة، وهي رفع الغطاء العائلي عن أي شخص يتورط في تسريب عقارات، وعدم توفير الحماية له أمام أي عقوبة قد ينالها جراء هذا الفعل، إضافةً إلى عزل ونبذ هذا الشخص اجتماعياً بشكل جماعي.

كما أنّ الطرق الملتوية التي تقوم بها الجمعيات الاستيطانية لحماية وكلائها وعملائها عند تسريب أي عقار يفرض على المقدسيين اتخاذ إجراءٍ قاسٍ يتمثل في الاكتفاء بوجود الشبهة لمقاطعة الشخص المعني بمثل هذا الفعل ورفع الغطاء عنه، وعدم المطالبة بأدلة دامغة لتثبيت تهمة التسريب، وهذا الأمر، وإن كان في ظاهره قاسياً جداً، يشكّل رادعاً لجميع مالكي العقارات في القدس، لا للعاملين في تجارة العقارات فقط، للتأكد بنسبة 100% من هوية الجهة التي يمكن أن يُباع لها أي عقار في القدس وعدم اتخاذ الوسطاء غطاءً لتسريب العقارات.

كما يمكن تثبيت مرجعية مؤسسية شعبية يشترط موافقتها وختمها قبل أي عملية بيع للتأكد مِن هوية أي مشترٍ، ويمكن أن تكون المرجعية المرشحة لهذا الدور هي الهيئة الإسلامية العليا في القدس لِما تتمتع به من مكانةٍ ومصداقيةٍ عاليةٍ ودقةٍ شديدةٍ في التأكد مِن هوية أي مشترٍ أو بائع لأي عقار في القدس، وينبغي أن لا ينسى المقدسيون دائماً أنّ التشدد في هذا الأمر مطلوبٌ مهما كانت دعاوى الأطراف الأخرى، وذلك لأن مَن أمِنَ العقوبةَ أساء الأدب.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي