يبدو أن الصراع السوري بلغ عتبة جديدة من التوازنات والآفاق، ويمكن القول إن منطقة خفض التصعيد الرابعة "إدلب وريفها" تمثّل تكثيفاً عالياً على مستوى انزياح التحالفات، التي بدت غير منسجمة بالمعنى الاستراتيجي منذ تشكُّلها المؤقت.

هذه التحالفات بين تركيا من جهة، والضامنين الآخرين "روسيا وإيران" من جهة أخرى، عبّرت عن إطار تعاون مؤقت لمصالح متناقضة ومختلفة الأهداف بين الضامنين الثلاثة.

ولعل خطاب الرئيس أردوغان الأخير كشف عن هذه التناقضات بين المصالح العليا للدولة التركية من جهة ومصالح كلٍ من الدولة الروسية والدولة الإيرانية من جهة أخرى. فحين قال الرئيس أردوغان: "نحن الآن نُصدرُ تحذيرنا الأخير، سواء في بلدنا أو في روسيا أو في الاجتماعات الميدانية، لم نتمكن من الوصول إلى النتيجة المطلوبة حتى الآن".

الأهداف المطلوبة لتركيا من العلاقات مع الضامنين الآخرين يمكن تحديدها بضرورة أن يكون الضامن مسؤولاً عن استقرار وخفض تصعيد القتال في منطقة ضمانه، وهذا ما يجب أن يحدث في إدلب، ولكن الروس والإيرانيين فعلا عكس ذلك تماماً، إذ ساهما بعمليات عدوانية ضد المدنيين السوريين في إدلب، مما أحدث تهديداً صريحاً للأمن القومي التركي.

هذا التهديد لقي رد فعلٍ حاسم من الحكومة التركية، إذ حشدت قوات من جيشها في منطقة الضمان الرابعة، وعبّر الرئيس أردوغان عن قلقه حيال العدوان على إدلب، حين قال: "ليس فقط لضمان أمن حدودنا، بل في الوقت نفسه ليبقى 83 مليون مواطن تركيا بأمان في منازلهم".

إن الضامنَين الروسي والإيراني لم يحاولا تفهُّم المصالح الأمنية للدولة التركية، بل وضعا نصب أعينهما مصالحهما على حساب تركيا، وكذلك على حساب تدمير بيوت السوريين ومنشآتهم وقتل الآمنين منهم، وهذا يتناقض مع بنية اتفاقات أستانا وتفاهمات سوتشي، وكذلك يعمل على خلق تهديدات جدية على مستوى الأمن القومي التركي.

إن وصف الرئيس أردوغان عمليات الجيش التركي ضد عدوان النظام السوري وحلفه الإيراني الروسي، بأنها صراع ملحمي في سوريا وأن الجيش التركي يريد "إنهاء عدوان النظام السوري، الذي يقتضي انسحابه إلى حدود اتفاق سوتشي"، هو وصف لرؤية تحمل مدلولات رؤية استراتيجية.

فالأمر لا يتعلق بتفكيك بعض الفصائل التي تصنفها روسيا بأنها إرهابية، مثل هيئة تحرير الشام أو الفصائل ذات المرجعية الراديكالية، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى خلق أزمة خطيرة تهدّد أمن الدولة التركية، من خلال تدفق الباحثين عن النجاة من محرقة النظام وحلفه، وهذا ما لم تجره روسيا في حساباتها، وهو يتناقض فعلياً مع حجم العلاقات والتنسيق بين البلدين.

إن تركيا ووفق خطاب الرئيس أردوغان يهمها ترسيخ أمنها القومي، وهذا لن يحدث في ظل استمرار عمليات العدوان التي يشنها النظام السوري على محافظة إدلب. ولهذا قال الرئيس أردوغان إن "بلاده أنهت استعداداتها لتنفيذ الخطط العملية، وإن هذه العمليات أصبحت مسألة لحظة، وتركيا لن تترك إدلب في أيدي النظام ومن يشجعونه الذين لم يفهموا حتى الآن مدى إصرارنا".

أردوغان لم يكن غامض التوجُّه حيال مصير إدلب، فقد حدّد بدقة ماذا يريد الأتراك أن يحدث في هذه المنطقة، وما يريده أردوغان واضح وبسيط، وهو جعل إدلب منطقة آمنة لأربعة ملايين سوري من سكانها ومن النازحين إليها من مناطق أخرى، هُجّروا منها بالقوة، وعلى أرضية التغيير الديمغرافي في البلاد.

هذه الرؤية التركية ليست رؤيةً متخيلة أو مجرد رؤية رغبوية، بل هي رؤية ترتبط باستراتيجية تركيا نحو حل الصراع السوري وطريقة حله القائمة على قرارات الشرعية الدولية.

هذا الحل لا يتناسب مع مطامع روسيا بفرض أجندة حلها على السوريين، من خلال إعادة تأهيل نظام الاستبداد الذي تحميه في دمشق. لا، بل إن الأمر يصل إلى حدود التناقض بين الرؤيتين التركية والروسية، وهو ما يجعل الروس يدفعون الأمور إلى مستوى متقدم من تأزيم الصراع، وهو أمرٌ ينقل هذا الصراع إلى عتبات أوسع، ويسمح بتوسُّعه دولياً.

وللدلالة على هذا الوضع، قال أندريه فيدوروف نائب وزير الخارجية الروسي السابق: "إن الوضع شمالي سوريا يصبح أكثر خطورة يوماً بعد آخر، وما يحدث هناك هو صدام بين روسيا وتركيا"، وهذا الكلام يكشف عن عمق التناقض بين منحيين لرؤية الصراع في سوريا، منحىً روسي يعمل على نسف القرار الدولي 2254، ومنحى تركي يعمل على خلق الشروط الموضوعية لتنفيذ هذا القرار.

إذن، صار واضحاً مستوى التناقض بين رؤيتَي موسكو وأنقرة حيال حل الصراع السوري ومن ضمنها الحل في إدلب، وهذا يفرض على الأتراك الدفاع عن أولويات مصالحهم الأمنية المهددة بخطر قادم من أوضاع الحرب في إدلب الذي تقف خلفه روسيا.

ولعل طلب الأتراك من الأمريكيين تزويدهم بمنظومة الدفاع الجوي باتريوت يشكّل خطوة في اتجاهات مختلفة، الأول يتمثل في سبر جدية الموقف الأمريكي من مساندة تركيا كدولة حليفة لها في حلف شمال الأطلسي، والثاني دفع الروس قدر الإمكان إلى إعادة حساباتهم حيال الصراع السوري، وتفهُّم المصالح التركية وحقوق السوريين الذين يمارس نظام الأسد بحقهم الإبادة والتهجير، والثالث دفع أوربا إلى استشعار خطر السياسة الروسية على أمنهم نتيجة تهجير ملايين السوريين.

الأمريكيون تقدموا بخطوات حيال مساندة تركيا، بهدف استعادتها إلى حلفها التقليدي مع الغرب، وهذه الخطوات تتمثّل في رفع العقوبات عن صادرات تركيا من الحديد الصلب إلى الولايات المتحدة، وكذلك استعادة تركيا حقوقها في برنامج الطائرة المتطورةF-35 بوصفها شريكاً في إنتاجها، ورفع سقف التبادل التجاري بين البلدين إلى مئة مليار دولار، كذلك صنّف الأمريكيون الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر كعدو، فهل تضمن الولايات المتحدة إلى النهاية هذه الإغراءات، وتستميل تركيا خارج الحلف الروسي الشرقي.

أما الروس فهم بسياستهم التي تتناقض مع المصالح التركية يعملون فعلياً على نسف العلاقات مع تركيا ويغرقون شيئاً فشيئاً في لعبة استعداء قطاع دولي واسع يرفض سياساتهم في سوريا، ولعل حجم تبادلهم التجاري مع تركيا والبالغ 30 مليار دولار سنوياً قد يتعرض إلى التآكل نتيجة تناقض سياستَي البلدين، وهذا يزيد من أعباء الاقتصاد الروسي الذي يتعرض إلى عقوبات واسعة من الغرب الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية.

وفق هذه الرؤية يمكن القول إن الروس معنيون بإعادة إنتاج رؤيتهم للحل السياسي في سوريا، والاهتمام بمصالح تركيا الضامن الثالث في أستانا وسوتشي، فإذا لم يفعلوا ذلك فهم مقبلون على مواجهات قد تأكل كل استثماراتهم العسكرية والسياسية في سوريا، التي عملوا من أجلها منذ قيام الثورة السورية، وضد مصالح شعب السوري.

إذاً لا لبس بعد الآن بعد خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يصرّ على جعل إدلب منطقة آمنة، وعلى الدفع بتنفيذ القرار الدولي 2254 الذي يذهب بسوريا إلى نظام حكم جديد، يحقّق للسوريين أمنهم وكرامتهم الوطنية، ويحقق الاستقرار في الشرق الأوسط برمته، فهل وصلت دلالات هذا الخطاب أم لا يزال الروس يقرأون التطورات بعيداً عن واقعها الحقيقي؟

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي