مبعوثة الأمم المتحدة إلى العراق بلاسخرت في اجتماع مع علي ولايتي مستشار المرشد الإيراني (Others)

جولة على مواقع التواصل الاجتماعي العراقي ومجموعات واتساب التي تضمّ نخباً إعلامية وسياسية وعلى البرامج الحوارية بالفضائيات العراقية تعطينا تصوراً كأن بلاسخارت اقترفت "خيانة" أو بحدّ أدنى تجاوزت صلاحيات مهمتها بالعراق، حسب وصف دأب عليه الدكتور يحيى الكبيسي في لقاءاته التلفزيونية، تعليقاً على هذه الزيارة المليئة بالغموض، بل ويضيف في مقالة له بصحيفة القدس العربي في 4 فبراير/شباط الماضي: "إن قرارَي مجلس الأمن رقم 1770 و2522 لا يتضمنان أي تفويض للممثل الخاص للأمين العام أو ليونامي يتيح له زيارة دول المنطقة أو التباحث معها بأي حال من الأحوال"، عادّاً هذا التحرُّك المريب لممثلة الأمين العام للأمم المتحدة نوعاً من اعتراف هذه المنظمة الدولية بالوصاية الإيرانية على العراق.

ما زاد من الدلالات السلبية لصورة جلوس بلاسخارت مع علي أكبر ولايتي هو تصريحات الأخير حول موضوع اللقاء، ففي البيان الذي وزّعته "يونامي" ذكرت أن "الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس بلاسخارت زارت طهران يومَي 31 يناير/كانون الثاني و1 فبراير/شباط، وعقدت محادثات مع مسؤولين إيرانيين حول القضايا الإقليمية، وذلك ضمن جهود دعم الاستقرار بالعراق".

وأضاف البيان: "الممثلة الخاصة كانت قد زارت عدداً من دول المنطقة بما في ذلك إيران من قبل. وتأتي هذه الزيارات تعزيزاً لتفويض بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2522 (2020)، الذي يتضمن تيسير الحوار والتعاون الإقليميين، بما في ذلك حول قضايا أمن الحدود والطاقة والتجارة والبيئة والمياه والبنية التحتية والصحة العامة واللاجئين".

ونقلت التغطيات الخبرية عن ولايتي، مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، بحثه خلال لقائه بلاسخارت العلاقات الإيرانية-العراقية، كما شدّد على ضرورة "عدم تدخل الأجانب والدول الأجنبية بشؤون العراق".

هذا الجزء الأخير من تصريح ولايتي هو ما أثار في الحقيقة ردود الفعل والتعليقات المستهجنة بين العراقيين، لما يكشفه من نبرة فوقية للإيرانيين في التعامل مع العراق، عزّزها شعور الأمم المتحدة بضرورة التحاور مع إيران في سبيل "استقرار العراق"، وكذلك إنجاح الانتخابات البرلمانية القادمة.

وسرعان ما تصاعدت الدعوات لاستبدال بلاسخارت، وأنها تقوم بدور مشبوه لا يتناسب مع "الحياد" المفترض لممثلية الأمم المتحدة في العراق، ولكن هذه ليست المرة الأولى التي سمعنا فيها هذا الكلام، فقد سبق لقاء بلاسخارت/ولايتي، لقاءً صاخباً مطلع أكتوبر/تشرين الأول العام الماضي أجرته بلاسخارت مع "أبو فدك المحمداوي" رئيس أركان هيئة الحشد الشعبي والشخصية الأقوى في "كتائب حزب الله".

وفُهم اللقاء خارج الكلام الإعلامي الدبلوماسي الذي أشيع بعد اللقاء وساطة بين الأمريكان والمليشيات التي كانت تستهدف السفارة الأمريكية وقوافل المؤن العسكرية، للترتيب لهدنة قبيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

في كلّ الأحوال فإن تحرّكات بلاسخارت تتجاوز على ما يبدو الصورة النمطية لوظائف بعثة الأمم المتحدة في العراق في وعي الشارع العراقي. هذا الشارع الذي كان يطالب على مدى أكثر من عام بدورٍ أكبر للأمم المتحدة في العراق، بل وصلت إلى المجاهرة عند بعض المتحمّسين بطلب "الوصاية الدولية" على العراق.

كذلك فإن واحداً من المطالب الأساسية لحركة الاحتجاج التي انطلقت في تشرين 2019 هو "إشراف أكبر" على الانتخابات المبكّرة في العراق من قبل الأمم المتحدة، ومراقبة عملية التصويت لمنع التزوير، الذي يعتقد الكثيرون أن الأحزاب الحاكمة ستلجأ إليه بلا شكّ لتعويض خسارة رصيدها في الشارع الانتخابي العراقي.

قد يقول المراقب حسن الظنّ إن الهدف الأساسي لعمل الأمم المتحدة في العراق هو تبريد الصراعات وتعزيز الاستقرار، ولكن هذا قد يتعارض مع مطالب "التغيير" الذي تسعى إليها القوى المعارضة لأحزاب السلطة الكبيرة، ما خلق ويخلق بكلّ تأكيد أشكالاً من الصراع وعدم الاستقرار. خصوصاً أن هذه الأحزاب استخدمت أذرعها المسلّحة بكلّ وحشية لفضّ الاحتجاجات الواسعة وملاحقة الناشطين، بل وتصفيتهم، ما يكشف عدم تكافؤ هائل بين طرفي الصراع، وقد عبّر ناشطون عن مرارتهم من برود الأمم المتحدة أو حيادها في مشهد الصراع هذا إلى حدود التواطؤ مع القتلة، كما يعّبر ناشطون بكتاباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي.

إن النظر إلى دور أكثر فاعلية للأمم المتحدة في العراق على أنه طوق نجاة وعتلة من عتلات التغيير السياسي المفترض بالانتخابات القادمة قد يكون أمراً مبالغاً فيه. فهذه المنظّمة الدولية تحرص على علاقة إيجابية مع القوى النافذة بالمشهد السياسي العراقي، وأن تستمر بعملها ولا تتحوّل إلى عدو لهذه القوى.

وبالتالي فإن مطالب المتظاهرين ومن خلفهم قطاعات واسعة من المواطنين اليائسين والمحبطين من الأوضاع العامة السيئة في البلاد لن تكون أولوية ملحّة عند الأمم المتحدة، فضلاً عن الصعوبات الفنّية في أي دور أكثر سعة للمنظمة الدولية في مراقبة الانتخابات مثلاً، فنشر عشرات الآلاف من المراقبين على صناديق الاقتراع، كما يعبر الكثير من المعلّقين هي مسألة شبه مستحيلة، وستكتفي الأمم المتحدة بنوع الحضور في بغداد وتقديم "المباركة" على نتائج الانتخابات أياً كانت هذه النتائج، حتى لو اخترقتها عمليات تزوير واسعة.

على الجانب الآخر فإن للأمم المتحدة وممثلة أمينها العام جنين بلاسخارت مهمات أخرى، ربما تتجاوز صلاحيات التوصيف الأممي لدورها بالعراق، وهي أن تكون ناقل رسائل بين الجانبين الإيراني والأمريكي، خصوصاً مع وجود إدارة ديمقراطية جديدة بالبيت الأبيض تسعى لفكّ مغاليق العلاقة المسدودة بين الجانبين، بما يتعلق بالملف النووي لإيران ونشاطها الإقليمي ذي الطبيعة العسكرية والاستخبارية في الشرق الأوسط.

إن تصريح ولايتي حول رفض إيران التدخل الأجنبي في العراق، رغم المفارقة فيه بعدم الانتباه إلى أن إيران مشمولة بعنوان "التدخل الاجنبي" كما يفترض، يكشف أيضاً قلقاً من أن تؤدي انتخابات بحدّ أدنى من النزاهة إلى إزاحة حلفاء إيران من النفوذ والسلطة في العراق كحالهم اليوم. فتوجد أدلة تكفي لتأكيد أن عاملين أساسيين حملا حلفاء إيران على حيازة ثاني أكبر كتلة برلمانية بانتخابات 2018، أولهما العزوف الواسع للناخبين عن المشاركة في التصويت، والثاني عمليات التزوير واسعة النطاق.

وبعكس هذه المعادلة: إن التحريض على مشاركة أوسع بانتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2021 [ربما تؤجَّل إلى ربيع 2022] وتقليل احتمالات التزوير إلى حد أدنى، سيؤدي لا محالة كما يؤكد الكاتب والإعلامي سرمد الطائي إلى تقليل حصّة حلفاء إيران بالبرلمان الجديد بشكل حاد يتناسب مع شعبيتهم الفعلية "المحدودة" في الشارع الانتخابي العراقي.

ولكن إن وُجد حماسٌ كافٍ لمشاركة القوى الطامحة للتغيير في التصويت ودعم تلك القوائم الانتخابية الجديدة المنبثقة من ساحات الاحتجاج، فإن إنجاح الانتخابات يقع على عاتق القوى والمنظمات المدنية العراقية، للمشاركة في الرقابة على الانتخابات وحث الناس على المشاركة وعدم رمي المهمة على أدوار متخيّلة غير واقعية لبعثة الأمم المتحدة في العراق.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي