رئيس حركة حماس في الخارج خالد مشعل في لقائه على شاشة العربية (Others)

قبل الدخول في محتوى ما تحدث به أبو الوليد على شاشة "العربية"، يمكن الحديث عما حملته إطلالته هذه من دلالات مرتبطة بالتوقيت، لعل أولها أنها تأتي بعد شهور قليلة فقط من انتخابه زعيماً لحماس في إقليم الخارج. صحيح أن الرجل أجرى عشرات المقابلات، وظهر في عديد من المناسبات منذ انتخابه، لكن ظهوره على "العربية"، وما تمثله، قد لا يقلّ أهمية عما سبق من إطلالات مشعل التليفزيونية.

ثانية هذه الدلالات الزمانية لهذه المقابلة التليفزيونية المفاجئة أنها قد تخدم توجهات الحركة عموماً، ومشعل خصوصاً، وهو يقود الحركة في الخارج، والحديث يدور تحديداً عن علاقات الحركة الخارجية، لا سيما في الدول العربية والإسلامية، والسعودية دولة محورية ومركزية، واللافت أن مشعل يسعى لتطبيق سياسة "صفر مشكلات" مع الإقليم، بدأها في تعزيز العلاقة مع تركيا، رئاسة وحكومة وشعباً، مروراً بإرسال رسائل إيجابية باتجاه إيران، بعد فتور علاقتهما عقب خروجه من دمشق، وصولاً إلى جملة تصريحات في عدد من وسائل الإعلام العربية والإسلامية والدولية ذات الطابع الإيجابي، وانتهاءً بالسعودية التي لم يُخفِ مشعل رغبته في أن تستضيف قيادة حماس، أسوة بباقي الدول التي زارتها في الآونة الأخيرة.

ثالثة هذه الدلالات مرتبطة بالمقطع الذي حذفته قناة العربية من المقابلة، المتعلق بمطالبة مشعل للسعودية بإطلاق سراح عشرات من أنصار حماس والمحسوبين عليها في المملكة منذ أكثر من عامين، وفي حال تحققت مطالبة أبو الوليد، بجانب جهود باقي قادة الحركة، بطيّ صفحة هذا الملفّ، فسيشكل ذلك رصيداً للرجل ورفاقه في جهد دبلوماسي وشخصي حثيثَين لم يتوقّفا طوال الفترة الماضية.

الدلالة الرابعة التي حملتها مقابلة مشعل مع العربية أنها تجري في وقت يجري فيه ترميم العلاقات القطرية-السعودية، والقطرية-المصرية، والمصرية-التركية، كأننا نشهد عصر "المصالحات" الإقليمية، وربما تسعى حماس لأن تكون جزءاً منها، لا سيما وأن مشعل يرتبط بعلاقات شخصية وثيقة جدًّا مع الأمير تميم والرئيس أردوغان.

لعل الدلالة الخامسة تتناسب عكسياً مع سابقتها، وتتعلق بالتنافر الجاري أمام مرأى العالم وبصره بين الرياض وأبو ظبي، حول مسائل عديدة، آخرها الخلاف حول موضوع النفط، وقرارات السعودية المتلاحقة باتجاه الإمارات، مما دفع عديداً من الأوساط الإعلامية والسياسية الخليجية تحديداً، إلى الربط بين الحدثين، مقابلة مشعل وهذا التوتر، كأن الرياض أرادت من هذه المقابلة التي أجرتها قناة "العربية" (السعودية)، من قلب دبي (الإماراتية)، أن تذكّر الأخيرة بأن لديها أوراق ضغط إقليمية، تتعلق بالقضية الفلسطينية، وفي صدارتها العلاقة مع حماس.

ربما لا تتسع هذه السطور لشرح كل ما جاء في مقابلة مشعل ذات الـ26 دقيقة، لكنها برقيات خاطفة يجدر التوقف عندها، لعل أُولاها أنها جاءت بمبادرة من "العربية" ومن يقف خلفها، من سياسة ودعم وقرار، وهي لفتة تستحق التأمل، لمحاولة تخمين جملة الأهداف والأغراض التي أرادها صانع القرار في القناة، ومن يوجهها، من ظهور مشعل على شاشتها، سواء باتجاه محاولة طي صفحة خلاف الماضي بين حماس والسعودية، أو محاولة الأخيرة العودة إلى الساحة الفلسطينية، بعد غياب لافت خلال السنوات الأخيرة، أفسح المجال لدول أخرى لتعبئة الفراغ الشاغر.

برقية ثانية مرتبطة بالأولى جاءت على لسان أبي الوليد، الذي أكثر من توجيه الإشادات بالموقف التاريخي للسعودية من القضية الفلسطينية، والدعم الذي حظيت به من المملكة: سياسياً ومالياً، وهي إشادة تحمل رغبة لم يُخفِها الرجل في عودة الرياض إلى سابق عهدها، حاضنة للقضية الفلسطينية، بجانب شقيقاتها من العواصم العربية، ولعل ذلك ما أراده صاحب قرار إجراء المقابلة مع مشعل، بدليل أن "العربية" في فواصلها الإخبارية وتغريداتها على حساباتها على شبكات التواصل، أكثرت من تكرار إشادات مشعل بالمملكة، بعدما واجهت في السنوات الأخيرة غضباً شعبياً وجماهيرياً فلسطينياً، في ظلّ التسريبات التي تحدثت عن موافقة سعودية على صفقة القرن الأمريكية.

ثالثة هذه البرقيات تتعلق بما أظهره مشعل من جرأة لافتة، وإصرار واضح، على تأكيد تمسك حماس بعلاقاتها الخارجية، تحديداً مع تركيا وإيران، اللتين لا تشهد علاقتهما بالسعودية أحسن أحوالها، الأمر الذي يؤكّد ما ذهبنا إليه في صدر هذه السطور بالحديث عن رغبة حماس بـ"تصفير مشكلاتها" في الإقليم، وجاء ذلك واضحاً صريحاً على لسان مشعل، لا يحتمل التأويل، ومفاده أن الحركة ماضية في علاقاتها مع مختلف دول المنطقة، دون أن يكون ذلك على حساب دول أخرى، ولعل ذلك المنطق السليم في إدارة العلاقات الخارجية لأي دولة، فما بالنا والحديث يدور عن حركة مقاومة محاصَرة، ومضيَّق عليها، وليس لديها ترف في اتصالاتها وعلاقاتها السياسية؟

صحيح أن هذه البرقية لن تنزل برداً وسلاماً على صانع القرار السعودي، لكن استدراك مشعل بإدانته أي اعتداء على الدول العربية، مجيباً بذلك عن سؤال محدَّد عن هجمات الحوثيين على السعودية، قد يعادل الكفة لدى الرياض، التي ربما رغبت في سماع كلام أكثر مجاملة من مشعل، لكن الرجل، المعروف بدبلوماسيته الهادئة، ومفرداته المنتقاة بعناية، معنيّ بأن لا يرمّم علاقات حركته مع طرف، ويوترها مع طرف آخر، كأن لسان حاله يقول للسعودية وغيرها: "نحن هكذا، اقبلوا بنا كما نحن، حريصون على علاقات جيدة وقوية مع الجميع، لكننا في الوقت ذاته لا نعمل عند أحد، مهما علا شأنه، وزاد دعمه".

برقية رابعة مرتبطة بشخصية مشعل بذاته، فهو يبدأ عهده القيادي الجديد بهذه المقابلة التي أثارت جدلاً كبيراً، داخلياً وخارجياً، صحيح أنها لم تحُز على رضا قواعد حماس، باعتبار أن قائدهم منح "العربية" امتيازاً قد لا تستحقه، بسبب حملاتها القاسية على الحركة، لكن القائد، في نظر مشعل، لا يسعى لإرضاء الجميع، ولا يقدم برامج "ما يطلبه المشاهدون"، لكنه في الوقت ذاته لا يصدم قناعاتهم، ولعل ما لديه من معطيات حول حيثيات المقابلة، وما سبقها من ترتيبات ليست للنشر، على الأقلّ حالياً، تجعل خطوته لاحقاً، محطّ رضا وموافقة المتحفظين اليوم، رغم أن ما لدى كاتب السطور من معلومات يؤكّد أن مشعل أجرى مشاورات مع قيادة حماس لإجراء هذه المقابلة.

الخلاصة المهمة في هذه المقابلة أنها ليس بالضرورة أن تفتح أبواب السعودية أمام حماس خلال أيام قليلة قادمة، رغم أن هذا ما يأمله مشعل ورفاقه في قيادة الحركة، لكنها على الأقلّ قد توقف حالة التشويه والتشهير التي تعرضت لها الحركة من قبل "العربية" وباقي الوسائل الإعلامية السعودية، التي دأبت على ذلك خلال العامين الأخيرين، وقد تسهم في فكفكة الملفات العالقة بينهما، لا سيما سجناء حماس في المملكة، وهو ملف يؤرق حماس كثيراً، والأهمّ من ذلك كبح جماح تيارات داخل المملكة تحاول اللحاق بركب التطبيع مع إسرائيل، لا سيما مع أفول عهدَي ترمب ونتنياهو.

هذا بعض من تطلعات مشعل من مقابلته على العربية، ولعل حماس لديها المزيد من الطموحات بعيدة المدى، دون أن يكون لديها أحلام وردية تعقب هذه المقابلة، لكنها بالتأكيد معنية أكثر من سواها بأن تكون السعودية بثقلها العربي ووزنها الإقليمي أكثر تفهماً لعلاقات الحركة الإقليمية، وأقلّ هجوماً عليها، مما يمنح حماس أريحية في نسج المزيد من علاقاتها بعيداً عن تحسُّب غضب هذا الطرف أو ذاك، وإدارة هذه العلاقات بـ"مبضع جراح" ماهر، يراكم الإنجازات، ويقفز على العثرات، لما فيه مصلحة القضية الفلسطينية، أولاً وأخيراً.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً