انتخابات إسرائيل والسلطة.. خلل الواقع والاتفاقيات
أجرت إسرائيل انتخابات الكنيست للمرة الرابعة خلال عامين وسط خلافات وتشققات في أحزابها، فيما يستعد الشعب الفلسطيني بعد نحو شهرين لإجراء الانتخابات التشريعية المتعطلة منذ 15 عاماً والتي يخيم عليها الاحتلال بقيوده وممارساته.
الانتخابات الإسرائيلية (Others)

أول ما يلفت الانتباه في هذا الأمر أن الاحتلال يجري انتخاباته الداخلية في أجواء ديمقراطية داخلية بحتة، ووسط تنوع وتعدد حزبي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وما بين أحزاب تنادي بترحيل الفلسطينيين من أرضهم، وأحزاب عنصرية تزعم تفوق العنصر اليهودي على غيرهم من (الجوييم)، إلى أحزاب تنادي بتسوية سياسية قائمة على أساس الأرض مقابل السلام.

وفي المقابل، يجثم هذا الاحتلال على صدور الفلسطينيين ويحاول هندسة انتخاباتهم، كاستحقاق داخلي لا دخل له به أصلاً، بما يروق له ويتساوق مع برنامجه الاستيطاني الاحتلالي، كما أنه يرفض حركة عريضة في الشارع الفلسطيني تقاوم احتلاله، ويصمها بالإرهابية ويضغط على السلطة المتهادنة معه لمنع حماس من الوصول أو المشاركة في الحكم، ويعمد إلى اعتقال بعض مرشحيها والضغط على الآخر وتهديده بعدم الترشح، فيما يشكل تناقضاً كبيراً بين ما يدعيه من ديمقراطية ويمارسه على الأرض، ويجعله طرفاً متحكماً فيها دون أي رادع من المجتمع الدولي (إن صحت هذه التسمية أصلاً).

كما أنه يضيق على فلسطينيي القدس في الانتخابات ويقطع أوصال الأراضي الفلسطينية، بما يؤثر على العملية الانتخابية الفلسطينية برمتها.

فهل يمكن أن يوصف كيان الاحتلال بأنه ديمقراطي فيما هو يحتل أراضي الغير بالقوة ويفرض عليهم جبروته وقوته؟! وهل يمكن في المقابل أن تكون هناك انتخابات ديمقراطية بالمعنى الحقيقي للكلمة تحت الاحتلال وسطوته؟!

إذا تعلق الأمر بالانتخابات كإحدى ممارسات الديمقراطية وليس كلها، فقد أجرت حماس انتخاباتها الداخلية بشفافية وممارسة ديمقراطية حقيقية تضاهي ما يجري في كيان الاحتلال، وتحرمه من فرصة التباهي بأنه واحة ديمقراطية في المنطقة، بينما هو ليس أكثر من كيان استيطاني إحلالي عنصري حتى في ممارساته مع فلسطينيي 48 الذين يضمهم تحت كيانه ويمارس التفرقة العنصرية بحقهم، كما يعتدي بوحشية على ديمقراطية وانتخابات الفلسطينيين في الأراضي التي يحتلها!

تطرف إسرائيلي مقابل ليونة فلسطينية

وقد أثبتت السنين الماضية، ومنذ اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين على يد متطرفين عام 1995، اتجاه الشارع الإسرائيلي نحو مزيد من التطرف والتشدد، تمثل في تشكيل العديد من الأحزاب اليمينية والدينية المتطرفة وازدياد حصتها في التمثيل الحكومي، فيما سارت الرسمية الفلسطينية باتفاقيات سياسية كرست الاحتلال والتحول إلى محاربة المقاومة، ومحاولة جر القوى الفلسطينية بما فيها قوى المقاومة نحو مهادنة الكيان تحت اسم الانتخابات والتحول إلى العمل السياسي.

وتشكل الأحزاب اليمينية والدينية المتشددة نحو نصف عدد أحزاب الكيان البالغة 13 حزباً سياسياً خاضت انتخابات الكنيست الأخيرة، حيث حصلت هذه الأحزاب على نحو نصف الأصوات، فيما توزع النصف الآخر بين أحزاب للجنرالات أو الساخطين على نتنياهو أو أحزاب اجتماعية عمالية بالإضافة إلى حزب يسار الوسط (العمل) وحزب ميريتس اليساري، فضلاً عن حزبين عربيين، فيما يسود التطرف السياسي والديني معظم التشكيلات السياسية الإسرائيلية.

ومن الملفت في الانتخابات الأخيرة أن الموضوع الفلسطيني لم يهيمن على المنافسة الانتخابية كما كان الأمر في الدورات السابقة، وذلك بعد هيمنة التطبيع على مسار الصراع، ما جعل تأثير الفلسطينيين بمقاومتهم العسكرية في غزة أو برفضهم للاستيطان والمصادرة وتهويد القدس معدوماً أو غير واضح على الأقل.

وكان فساد نتنياهو طاغياً على برنامجه السياسي الذي حقق نجاحات بالتطبيع وإعادة السلطة إلى طاولة المفاوضات. وذلك على العكس من اهتمام الفلسطينيين بتداعيات الاحتلال عليهم وكيفية الخلاص منها، وتعويل البعض على سقوط نتنياهو، رغم أن ذلك لا يعني أبداً سقوط نهج التشدد والتطرف في المواقف الإسرائيلية من قضايا الصراع. وهذا بحد ذاته أحد أوجه الخلل في معادلة الصراع لم يكن واضحاً في السنوات السابقة.

ويسيطر الزعيم الليكودي اليميني بنيامين نتنياهو وتياره المتشدد على الساحة الإسرائيلية، ويبدو أنه سيحتفظ بهذا التسيد بسبب عدم وجود زعيم منافس له في المعسكر المضاد الذي لا تجمعه أية مشتركات، ما يجعله قادراً على قيادة المرحلة القادمة وتشكيل الحكومة.

وفي المقابل،جرّت السلطة الفلسطينية بعد توقيعها اتفاق أوسلو الساحة الفلسطينية نحو منهج التساوق مع الكيان، ومحاربة المقاومة التي اعتبرتها نقيض المفاوضات السياسية،كمنهج لانتزاع الحقوق من الاحتلال. كما ساهمت مع الاحتلال في حصار قطاع غزة ومقاومته، ورفضت حتى أن تستثمر هذه المقاومة في انتزاع تنازلات من الكيان.

كل ذلك تم طمعاً في موافقة العدو على دولة في الضفة والقطاع، وهو منهج لم ينجح في انتزاع موافقة إسرائيلية عليها، بل استمر الكيان في التمدد استيطانياً، وأنكر الحق الفلسطيني في القدس، ورفض عودة اللاجئين، واستمر في ممارساته القمعية ضد الفلسطينيين.

كما حالت السلطة الفلسطينية وتنظيمها فتح دون الاتفاق على برنامج وطني قائم على المقاومة، وأصرت على تأجيل ذلك إلى ما بعد الانتخابات التي ستجري تحت حراب الاحتلال.

خلل زاده التحالف مع الاحتلال!

وبطبيعة الحال، لم ولن تتمكن حكومة الاحتلال من إنهاء الشلل الإسرائيلي في تشكيل الحكومات وتحقيق الاستقرار لها منذ عامين، لأنها تحترم ديمقراطيتها الداخلية، فيما مارست السلطة قوتها لإضعاف المقاومة والتصدي لبرنامجها على الأرض، بما في ذلك اعتقال مؤيديها وتسليم أسماء المقاومين للاحتلال، وإغلاق مؤسسات المجتمع المدني التي تخدم صمود الفلسطينيين، وتجريم الأذرع العسكرية للمقاومة وبتدخل مباشر وغير مباشر من الاحتلال، الأمر الذي يسلط الضوء على الفجوة الكبيرة بين الحياة السياسية عند المحتل والحياة السياسية عند الشعب الواقع تحت الاحتلال.

إن الخلل في ميزان القوة بين الفلسطينيين والاحتلال لم يكن مرده القوة العسكرية الغاشمة للاحتلال فقط، وإنما دخول طرف فلسطيني في تحالف معه ضد المقاومة. فهذا من جهة يجعل هذا الاحتلال رخيصاً وغير مكلف، ومن جهة أخرى يعزز تفوق الكيان في هذه المرحلة، مع أنه عايش فترات صعبة أيام انتفاضتي 1987 و2000 بشكل دفعه إلى التفكير في التخلص من عبء احتلاله للضفة والانسحاب من غزة، التي بدورها قدمت نموذجاً يُحتذى لمقاومة المحتل وتشكيل قوة رادعة لعدوانه، كان يمكن استثمارها للضغط على العدو في الضفة والقدس، ولكن ذلك لم يحصل بسبب مشروع السلطة المهادن للكيان!!

وإذا كانت انتخابات إسرائيل لن تسفر عن استقرار في التشكيل الحكومي، فإن الانتخابات الفلسطينية وعلى نحو أخطر لن تحل الانقسام ولن تسفر عن برنامج وطني مشترك للتصدي للاحتلال.

بين أزمة وأزمة

والخلاصة أن هناك أزمة أو أزمات لدى الطرفين، الاحتلال والشعب الرازح تحته.

وفيما تظل الأزمة الحكومية الإسرائيلية في إطار دولة قائمة ومتمددة، تتميز باتفاق معظم الأطياف فيها على رفض الدولة الفلسطينية، والتنكر لحقوق الفلسطينيين في القدس، والتمسك باستمرار الاستيطان والضم، فضلاً عن التمتع بدعم أكبر قوة في العالم لها، فإنالأزمة الفلسطينية تظل أخطر وأعمق منها، لأنها تتعلق بالانقسام السياسي حول مشروع التحرير والدولة، حيث لا يتوقع أن تحل الانتخابات هذا الخلاف، بل يمكن أن تعمقه في ظل الخذلان العربي والإسلامي، بما يضع مشروع التحرير على المحك.

وفي ظل الخلل الكبير بين قوة غاشمة محتلة ومتسلحة بأفتك الأسلحة وأعمق التحالفات الدولية، وشعب أعزل من السلاح والدعم من أقرب المقربين، فإنقدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة مخططات الاحتلال تظل كبيرة عبر التوافق على برنامج وطني قائم على المقاومة والتمسك بالثوابتومواجهة محاولات تفكيك وتذويب قضيته، بالاستعانة بالمخزون النضالي للشعب وقوة وإرادة التحدي، وإطلاق انتفاضة ومقاومة جديدة تجعل كلفة الاحتلال عالية، وتعزز الانقسام في صفوفه، وتحفز المحيط الشعبي العربي والإسلامي للتضامن والتغيير.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي