كيف عبَّدت "الماشاف" طريق إسرائيل إلى أفريقيا؟
التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا لم يأتِ وليد اللحظة بل ثمرة نصف قرن من العمل المتواصل ضمن برامج التنمية الاقتصادية والمالية والإنسانية، في ظل إهمال شبه تام من الدول العربية لهذا التغلغل وانعكاساته السلبية على الأمن القومي العربي.
Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu shakes hands with Chad's President Idriss Deby, during their meeting in N'Djamena, Chad January 20, 2019. Kobi Gideon/Government Press Office/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS PICTURE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. (Reuters)

تصدرت أفريقيا موقعاً مهماً في الإستراتيجية الإسرائيلية، فمنذ تأسيس إسرائيل أدرك صانع القرار مدى أهمية القارة، وقرأ كيفية الانتشار فيها بشكل مختلف عن الأقاليم الأخرى. لم يكن الميدان السياسي والدبلوماسي الخطوة الأولى لتعزيز العلاقات الإسرائيلية الأفريقية، بل كان المجال التقني والاقتصادي الدعامة الأولى والأرضية الصلبة.فقد بنيت العلاقات الإسرائيلية الأفريقية على أعمدة مختلفة، من خلال التأسيس لمبدأ المساعدات الدولية كإحدى الأدوات الفاعلة في الانتشار الاقتصادي، تمهيداً لانتشار سياسي لاحق، فقد حاولت إسرائيل استخدام السلاح التنموي والتقني لكسب المعارك الجيوبوليتيكية عبر رجال الأعمال والتجار ووكالات التنمية، ولتحقيق هذا الهدف أسست إسرائيل مؤسسة ماشاف MASHAV، وهي الوكالة الإسرائيلية للتعاون الدولي للتنمية، لتصبح إحدى أكثر الوكالات التنموية الدولية تأثيراً في القارة الأفريقية.

لم يكن الميدان السياسي والدبلوماسي الخطوة الأولى لتعزيز العلاقات الإسرائيلية الأفريقية بل كان المجال التقني والاقتصادي الدعامة الأولى والأرضية الصلبة.

آمال وشنان

إن نجاح حكومة نتنياهو في التأسيس لمرحلة دبلوماسية جديدة مع أفريقيا ما هو إلا نجاح دام لأكثر من خمسين سنة من العمل التقني لوكالة التنمية الإسرائيلية، والتي مهدت الطريق اقتصادياً وتنموياً لمرور المشاريع السياسية والجيوبوليتيكية داخل أفريقيا، وتأتي هذه المشاريع في ظل فراغ كبير وغياب تام لأي مشروع أفريقي-عربي قادر على المنافسة. إن السياسة الإسرائيلية في أفريقيا هي انعكاس لما عبّر عنه رجل الأعمال الإسرائيلي إيان إزري عند زيارته لأفريقيا قائلاً "سيمر السياسيون الإسرائيليون بكل سهولة وحرية ومجانية عبر شبكة الطرقات المعبّدة اقتصادياً وتنموياً والتي بناها رجال الأعمال والتقنيون الإسرائيليون على مر السنين".

لقد بدأت مساعدات إسرائيل للبلدان النامية بعد عشر سنوات من تأسيسها، عندما كانت إسرائيل نفسها دولة نامية. وصفت مساعداتها الاقتصادية آنذاك بالقوة الثالثة التي تتموقع بين النموذجين الشيوعي والليبرالي، حيث حملت المساعدات الإسرائيلية صفة المرونة التي تقر بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، فضلاً عن استقلالها عن أية شروط سياسية.

وقد ارتبطت فكرة المساعدات الدولية مباشرة بالسياسة الخارجية الإسرائيلية استناداً إلى مبدأ واضح "المساعدات تعزز فكرة بقاء إسرائيل"، وقد أدى قلق إسرائيل بشأن عزلتها السياسية إلى البحث عن وسائل مختلفة لإيجاد حلفاء سياسيين خارج مجالها الإقليمي، حيث قدمت إسرائيل مساعدات للحصول على الصداقة والدعم السياسي، وعلى الرغم من عدم امتلاكها لموارد مالية كبيرة، فإنها راهنت على عاملين أساسيين هما: العامل التقني/التكنولوجي وعامل التدريب، لتقديم المساعدة للعديد من الدول الأفريقية.

كان نمط التصور الإسرائيلي للمساعدات الدولية مختلفاً عن باقي أنماط التصورات الدولية خاصة تجاه أفريقيا، فقد تبنت إسرائيل مقاربة مختلفة تماماً عن مقاربات المساعدات للدول الأخرى، فنجد مثلاً أن الدول العربية أو حتى بعض الدول الغربية اعتمدت مقاربة توزيعية فوقية للمال تمر عبر "القنوات الحكومية إلى الشعب"، خلافاً لذلك اعتمدت إسرائيل مقاربة بنّاءة تنطلق من الأسفل إلى الأعلى، كما تركز أنشطة مشاف MASHAV على المجالات التي تمتلك فيها إسرائيل ميزة وخبرة نسبية، قائمة أساساً على التعاون مع الشركاء المحليين وليس الدوليين، لتصل إلى القاعدة الشعبية والمجتمعات المحلية في البلدان المتلقية.

إن نجاح حكومة نتنياهو في التأسيس لمرحلة دبلوماسية جديدة مع أفريقيا ما هو إلا نجاح دام لأكثر من خمسين سنة من العمل التقني لوكالة التنمية الإسرائيلية الماشاف.

آمال وشنان

حاولت إسرائيل عبر مؤسسة مشاف MASHAV وشبكاتها التأسيس لشكل جديد من الروابط الاقتصادية، والتي تلعب دوراً إيجابياً في بناء صورة جديدة لإسرائيل، تساعدها على بناء تحالفات خارج "الإقليم الذي تصفه بالعدائي"، وعليه ركزت على مجالات أساسية مثل المشاريع التجارية المشتركة والبرامج التدريبية، حيث تدير مشاف أكثر من 200 برنامج تدريب سنوياً للمهنيين من الدول النامية. ومنذ تأسيسها قامت بتدريب أكثر من 260000 شخص من أكثر من 130 دولة.

كانت المشاريع الصغيرة والمتوسطة الطريق المختصر نحو تأثير أكبر، حيث تتكون المشاريع التجارية المشتركة من شركات وبرامج صغيرة ومتوسطة في مختلف البلدان الأفريقية، مملوكة بشكل مشترك لشركات إسرائيلية وهيئات حكومية محلية، حيث تمتلك الأخيرة الحصة المسيطرة. وعادة ما يتم توفير الموظفين الإداريين والتقنيين الرئيسين من قِبل إسرائيل، مهمتهم الأولى تدريب الموظفين داخل إسرائيل بلغات متعددة، وبعدها يتم تسليمهم مناصب داخل القطاعات التقنية مثل قطاعات المياه، الاتصال، الزراعة.. إلخ. تركز المشاريع على مصلحة بعيدة المدى، تتم دراستها من قبل لجنة مشاريع ما وراء البحار، حيث لا توافق اللجنة على أية مشروعات خارجية إلا إذا كانت مشروعة سياسياً ومعزِّزة للمصلحة الإسرائيلية.

ارتبطت فكرة المساعدات الدولية مباشرة بالسياسة الخارجية الإسرائيلية استناداً إلى مبدأ واضح "المساعدات تعزز فكرة بقاء إسرائيل".

آمال وشنان

وفي هذا الإطار تركز إسرائيل في تصميم برامجها وتنفيذها على ثلاث مؤسسات استشارية رئيسة هي مركز جولدا مايير الدولي للتدريب، حيث يقوم المركز بالإشراف على مجالات رئيسة منها شؤون المرأة والتعليم وتنمية المجتمع وتطوير الشركات الصغيرة، ومركز أهارون أوفري الدولي للتدريب الذي أنشئ بالتعاون مع وزارة التعليم والثقافة والرياضة، ويركز بشكل أساسي على التعليم العلمي والتكنولوجي ومشاريع المجتمع واستيعاب المهاجرين، كما يقوم مركز آخر وهو مركز التعاون الدولي للتنمية الزراعية CINADCO كشركة محترفة تابعة لـMASHAV وتنفذ سياسات التعاون الإسرائيلية مع الدول النامية في مجالات الزراعة والتنمية الريفية.

اضطلعت هذه المراكز تحت إشراف الماشاف MASHAV بالتغلغل الناعم في أفريقيا، والانخراط في عملية بناء القطاعات الحيوية للدول الأفريقية، مركزة على آلية مهمة وهي التغلغل عبر الميزة النسبية، وقد وجد الباحثون أن تركيز برامج التدريب والمساعدة الفنية في إسرائيل يختلف بشكل عام عن تركيز باقي البرامج الدولية، حيث صُممت البرامج الإسرائيلية للمساهمة بشكل أكبر في "بناء القدرات على مستوى القاعدة الشعبية" بدلاً من دعم تدفُّق رأس المال. كان أحد أهداف ماشاف الرئيسة بعد العودة إلى أفريقيا أن تصبح إسرائيل مركز تدريب دولي في المجالات التي كسبت فيها إسرائيل سمعة دولية تحت الغطاء التنموي وبرامج الدعم الدولي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي