وكعادة المجتمعات التي تنظر إلى التهديدات من منظور وجودي، لم يُنظر في إسرائيل إلى السابع من أكتوبر بوصفه مجرد فشل استخباراتي أو عسكري، بل باعتباره حدثاً أصاب إحدى أكثر نقاط الوعي الإسرائيلي حساسية، وهي الخوف من الانهيار وفقدان القدرة على البقاء.
وفي هذا السياق يأتي كتاب "نهاية دولة إسرائيل؟!" الذي يحاول تفسير الإخفاق من زاوية مختلفة، تنطلق من علم النفس، وبصورة خاصة من علم النفس عبر الثقافات.
قد يبدو الربط بين الإخفاق الاستخباراتي والحديث عن "نهاية دولة إسرائيل" مبالغاً فيه للوهلة الأولى، لكن المؤلف يرى أن الأزمة أعمق من مجرد خطأ في التقدير الأمني. فبحسب أطروحته، تعيش النخب الإسرائيلية منذ قيام الدولة عام 1948 خللاً نفسياً وثقافياً انعكس على طريقة فهمها لخصومها، وأن استمرار هذا الخلل من شأنه أن يفاقم التهديدات التي تواجه إسرائيل ويقوض قدرتها على البقاء.
مؤلف الكتاب عوفر غروزبارد طبيب نفسي وباحث في علم النفس عبر الثقافات، خدم في جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب أكتوبر 1973، ودرس علوم الحاسوب في معهد "التخنيون"، قبل أن يتخصص لاحقاً في العلوم السياسية وعلم النفس. وفي أغسطس/آب 2021 استُدعي للعمل في لواء الأبحاث التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، في محاولة للاستفادة من خبرته في توظيف علم النفس في العمل الاستخباراتي.
ولم تمضِ سوى ثلاثة أشهر على انتهاء عملية "سيف القدس" حتى بدأ غروزبارد عمله في "أمان"، إلا أن تجربته لم تستمر سوى نحو ستة أشهر، إذ غادر المنظومة بعد خلافات متكررة مع مسؤوليها حول منهجية التفكير وآليات تحليل سلوك الخصم.
وبعد هجوم السابع من أكتوبر استعاد غروزبارد تلك التجربة ليبني عليها تفسيره للإخفاق الإسرائيلي، ويصوغ أطروحته في هذا الكتاب. وتمزج هذه الأطروحة بين مفاهيم علم النفس والاجتماع والسياسة، وبين تصورات ثقافية تحمل في كثير من مواضعها نزعةً جوهرانية وعنصرية في توصيف الشعوب والثقافات، إذ يقيم المؤلف تفسيره على ثنائية حادة بين "الغرب الفردي الحديث" و"الشرق التقليدي الجمعي"، ويجعل منها مدخلاً لتفسير سلوك الخصوم وأسباب الإخفاق الإسرائيلي. ومنه ينطلق إلى تشخيص النخب الأمنية والعسكرية عبر مفاهيم العمى الثقافي، والكبت النفسي.
فيما يلي محاولة لعرض أبرز الأفكار التي يتضمنها الكتاب وينظّر لها مؤلفه، دون التعرض لها بالنقد، فليس من الضروري الإطالة في مناقشة هذه البديهيات، ولا سيما أن أدبيات نقد الاستعمار وأفكاره أصبحت اليوم غزيرة ومتنوعة، بقدر ما تبرز الحاجة إلى فهم الكيفية التي ينظر بها الإسرائيلي إلى من حوله، وإلى النزعة العنصرية التي تهيمن على المخيال الإسرائيلي.
فالمؤلف في نهاية المطاف يحسم الكيفية التي ينبغي أن يعيش بها الفلسطيني، مستدعياً كثيراً من إرث الاستعمار والعنصرية الغربية؛ من الدعوة إلى مكافحة ما يسميه "التحريض" إلى تبرير الحكم العسكري، وصولاً إلى ترسيخ الخوف الممنهج بوصفه أداة لإدارة الفلسطينيين.
ويعبر هذا الطرح، المتعري من أي منظور قيمي، عن الروح الإسرائيلية الجديدة، تلك التي، بقدر ما تُظهر جبروتاً وقوةً وبطشاً، تكشف أيضًا عن خوف وقلق وسوداوية تجاه ما هو قادم. وهي لا تجد سبيلًا إلى البقاء إلا في "العدوانية"، ولا ترى في العيش تحت السيف وفي ظله إلا أسلوباً للحياة. لكن يبقى السؤال: إلى متى، وإلى أي مدى يمكن لهذا النهج أن يضمن البقاء والاستمرار؟
العمى الثقافي
يعد مفهوم "العمى الثقافي" الفكرة الأساسية التي يقوم عليها الكتاب. ويقصد به غروزبارد حالة يعجز فيها أبناء ثقافة معينة عن فهم طريقة تفكير أبناء ثقافة أخرى، لأن كل طرف ينظر إلى العالم من خلال منظومته الثقافية الخاصة. لذلك، يرى أن امتلاك المعلومات عن الخصم لا يكفي، إذا كان المحلل يفسرها بعقلية مختلفة عن عقلية الطرف الآخر.
ويقسم المؤلف العالم إلى نموذجين رئيسيين. الأول هو الغرب الحديث، الذي يقوم على الفرد، ويضع "الأنا" في مركز التفكير، ويهتم بتحقيق الذات واتخاذ القرارات انطلاقًا من المصلحة الشخصية. أما النموذج الثاني فهو المجتمع التقليدي الجمعي، الذي يضع الجماعة في المقام الأول، ويغلب عليه التفكير بمنطق "نحن" بدلاً من "الأنا".
ويرى غروزبارد أن الاختلاف بين هذين النموذجين لا يقتصر على العادات أو القيم، بل يشمل طريقة التفكير واتخاذ القرار وفهم الواقع. فابن المجتمع الغربي، بحسب المؤلف، يميل إلى البحث عن الاستقرار والسلام لأنه يركز على حياته الفردية، بينما يرى أن الفرد في المجتمع التقليدي ينظر إلى نفسه بوصفه جزءاً من جماعة، وأن علاقته بالعالم تتحدد من خلال هذه الجماعة، حتى إن من يقف خارجها قد يُنظر إليه على أنه خصم أو عدو.
وانطلاقاً من هذا التصور، يفسر غروزبارد الإخفاق الإسرائيلي في فهم حركة حماس. فهو يرى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قرأت سلوك الحركة بعقلية غربية، وافترضت أنها تتخذ قراراتها وفق حسابات الربح والخسارة، بينما كانت حماس، بحسب رأيه، تتحرك وفق منظومة ثقافية ونفسية مختلفة، وهو ما أدى إلى سوء تقدير نواياها قبل السابع من أكتوبر.
"كبت العدوانية"
يقدم غروزبارد مفهوم "الكبت عن العدوانية" بوصفه أحد المفاهيم الرئيسة في تفسيره للإخفاق الإسرائيلي. ويرى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى إبعاد الأخطار المستمرة عن وعيه، لأن البقاء في حالة خوف واستنفار دائمين أمر يفوق قدرته النفسية. ومع مرور الوقت، يبدأ المجتمع في إقناع نفسه بأن الخطر تراجع أو أصبح تحت السيطرة، حتى لو كانت الوقائع تشير إلى غير ذلك.
ويذهب المؤلف إلى أن هذه الظاهرة لم تقتصر على الأفراد، بل تحولت في إسرائيل إلى حالة من الكبت الجماعي، أصابت المجتمع والقيادة السياسية والمؤسسة الأمنية على حد سواء. فبدلًا من الاعتراف باستمرار عدوانية الخصوم، ترسخت قناعة بأن حركة حماس أصبحت مردوعة، وأن حزب الله لا يريد مواجهة، وأن إيران ستتجنب التصعيد، رغم وجود مؤشرات متكررة تناقض هذه التقديرات.
ويربط غروزبارد هذا المفهوم بطبيعة المجتمع الغربي الحديث، الذي يرى أنه أصبح أكثر تركيزاً على الفرد وحقوقه وتحقيق ذاته، الأمر الذي أضعف، بحسب رأيه، قدرته على رصد العدوانية وفهمها. ويقابل ذلك بالمجتمعات التقليدية الجمعية، التي تعتبر أن الحياة داخلها تقوم على الاحتكاك المستمر بالجماعة، مما يجعل أفرادها أكثر قدرة على إدراك العدوانية ورصدها واستخدامها.
ولا يكتفي المؤلف بالحديث عن الكبت، بل يرى أن "العقلنة" الزائدة ساهمت في تفسير الوقائع بطريقة تحافظ على الشعور بالاطمئنان. ووفقاً لهذا التصور، فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لم تكن تفتقر إلى المعلومات، وإنما أعادت تفسيرها باستمرار بما ينسجم مع قناعتها بأن خصومها لا يريدون الحرب.
ليخلص إلى أن التحدي الحقيقي أمام القيادة السياسية والعسكرية هو منع الكبت عن العدوانية، وعدم السماح للرغبة في الاستقرار والطمأنينة بأن تحجب إدراك الأخطار القائمة.

لواء الأبحاث
يخصص غروزبارد الفصل الأخير من الكتاب لتجربته الشخصية داخل لواء الأبحاث التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان"، حيث عمل قرابة ستة أشهر بين أغسطس/آب 2021 ويناير/كانون الثاني 2022. وينتقل في هذا الفصل من التنظير إلى التطبيق، محاولاً تفسير الإخفاق الاستخباراتي من خلال البنية البشرية والتنظيمية للوحدة المسؤولة عن تقدير نيات الخصوم.
ويرى المؤلف أن المشكلة لا تكمن في نقص المعلومات أو ضعف القدرات التقنية، وإنما في طبيعة الأشخاص الذين ينتجون التقديرات الاستخباراتية. ويصف لواء الأبحاث بأنه مجموعة يغلب عليها الباحثون الشباب، ومعظمهم دون سن الأربعين، مع حضور محدود للنساء في المناصب القيادية، وغياب شبه كامل للتنوع الثقافي، ولا سيما أبناء المجتمعات غير الغربية، مثل الدروز والبدو والإثيوبيين والشرقيين القادمين من مناطق الأطراف.
وبحسب غروزبارد، فإن هذا التجانس العمري والثقافي ينعكس على طريقة التفكير داخل اللواء. فالباحثون، في رأيه، ينتمون في غالبيتهم إلى الثقافة الغربية الحديثة، ويتميزون بقدرات تحليلية عالية، لكنهم يفتقرون إلى القدرة على فهم البيئة الاجتماعية والثقافية التي ينتمي إليها الخصم. ويربط ذلك بطبيعة اختبارات القبول في الوحدات الاستخباراتية، التي تركز، بحسب قوله، على قياس التفكير التحليلي، بينما تهمل المهارات الاجتماعية والقدرة على فهم الآخرين والتعاطف معهم.
ويستشهد المؤلف بما يعتبره تشابهًا بين الطريقة التي خدع بها الرئيس المصري أنور السادات إسرائيل قبل حرب أكتوبر 1973، والطريقة التي خدعتها بها حركة حماس بقيادة يحيى السنوار قبل السابع من أكتوبر، إذ يرى أن الطرفين اعتمدا على سلسلة من الإجراءات التي خلقت شعوراً بالاطمئنان لدى إسرائيل، قبل تنفيذ الهجوم المفاجئ. ويعتبر أن هذا النمط من التفكير يعكس، في نظره، مهارات اجتماعية وقدرة عالية على المناورة والتلاعب، وهي قدرات يراها أكثر حضوراً في المجتمعات التقليدية الجمعية.
ولا يقتصر نقد غروزبارد على تركيبة الباحثين، بل يمتد إلى البنية التنظيمية للوحدة نفسها. فهو يصف لواء الأبحاث بأنه مجموعة مغلقة يعمل أفرادها معاً لسنوات طويلة في بيئة شديدة السرية، الأمر الذي يقلل، بحسب رأيه، من تداول الأفكار الجديدة ويعزز إعادة إنتاج القناعات السائدة. كما يرى أن الطبيعة الهرمية لشعبة الاستخبارات العسكرية، شأنها شأن المؤسسة العسكرية عموماً، تحد من حرية النقاش والتفكير النقدي، لأن الضباط يسعون إلى التقدم داخل السلم الوظيفي، وهو ما يجعلهم أكثر ميلاً إلى تبني الرأي السائد وأقل استعداداً لطرح تقديرات مخالفة، رغم أن عمل الاستخبارات، في نظره، يقوم أساسًا على التشكيك المستمر في المسلمات واختبار الفرضيات القائمة.

اختبار الواقع
لا يكتفي غروزبارد بتقديم تفسير نظري للإخفاق الإسرائيلي، بل يحاول أيضاً تقييم أداء القيادات السياسية والعسكرية من خلال ما يسميه "اختبار الواقع"، وهو مقياس يهدف إلى تقدير قدرة الشخصيات على فهم نيات الخصم واستشراف الأخطار قبل وقوعها.
وانطلاقاً من هذا المعيار، يقسم الشخصيات إلى ثلاث فئات: شخصيات ذات إدراك مرتفع للواقع، وأخرى متوسطة، وثالثة منخفضة.
ويرى أن أصحاب التقييم المرتفع هم الذين شككوا في الفرضيات السائدة، وحذروا مبكراً من تعاظم قوة حماس أو من محدودية سياسة الردع، بينما يضم أصحاب التقييم المتوسط شخصيات أصابت في بعض تقديراتها وأخطأت في أخرى.
أما الفئة الأكبر، وهي أصحاب التقييم المنخفض، فتشمل معظم رؤساء الحكومات وقادة الجيش والاستخبارات، إذ يرى أنهم وقعوا في "العمى الثقافي" و"الكبت عن العدوانية"، وافترضوا أن خصوم إسرائيل يتصرفون وفق منطق الربح والخسارة، وأنهم مردوعون ولا يرغبون في المواجهة.
ومن خلال هذا التصنيف، يسعى المؤلف إلى إعادة قراءة تاريخ صناعة القرار في إسرائيل، وربط مواقف الشخصيات المختلفة بمدى قدرتها، في نظره، على إدراك طبيعة التهديدات التي واجهتها الدولة عبر العقود.




















