يبلغ عدد النساء المغتصَبات خلال الحرب على البوسنة ما بين 20 و50 ألف امرأة (Dado Ruvic/Reuters)

أيَّدت المحكمة الدَّولية بلاهاي أمس حكمها الصادر ابتدائياً بالسجن المؤبد في حق "جزار حرب البوسنة"، راتكو ميلاديتش، بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب هي الأفظع في حق مسلمي البوسنة خلال الحرب (ما بين 1992 و1995)، على رأسها مسؤوليته في حصار سربرينيتسا التي ارتُكبت فيها مجزرة الإبادة العرقيَّة الكبرى على الإطلاق في تاريخ البشريَّة.

ميلاديتش مطلوب للعدالة منذ 1995، حين وجّهَت إليه المحكمة الدَّوليَّة تهم ارتكاب إبادة عرقية وجرائم حرب ضد الإنسانية، ورصدت للإدلاء بمعلومات تفيد في القبض عليه جوائز مالية ضخمة، قبل العثور عليه سنة 2011 بقرية صغيرة شمال صربيا حيث كان متخفِّياً عن الأنظار، وينال جزاءه بالسجن المؤبَّد سنة 2017.

تعود القضية من جديد إلى واجهة الأخبار عبر مستجدِّها الطارئ، لتفتح معها الجراح القديمة لفظاعات كابدها مسلمو البوسنة. ومع تأييد الحكم، لربما يجبر ذلك ذكرى المآسي هناك بإعادة ولو قليل من الحق لأصحابه، بلقاء المجرم عقاب ما فعل. والحقيقة أن ذكرى تلك الويلات لا يمكن أن تُمحى، بخاصة وهي حيّة بأعيُن ترى، وأفواه تتكلّم، وأرجل تمشي على الأرض.

والمقصود هنا أبناء المغتصبات خلال الحرب، اللاتي يبلغ عددهن ما بين 20 و50 ألف امرأة، أولئك الأطفال "الذين لم يولدوا عن حب بل عن كراهية" كما تحدِّثنا واحدة منهم، مقدِّمة لنا شهادة عن جراح حيَّة لدمويَّة التطهير العرقي الذي كان الاغتصاب أداة من أدواته، ومأساة تمشي على قدمين مذكِّرة العالم بأبشع ما يمكن أن يكون عليه.

آينا.. الجراح الحيَّة

"قبل 27 سنة حُكم على أمي أن تعيش مصير الاغتصاب في أثناء الحرب، الذي نتج عنه حمل الذي هو أنا"، تقول آينا يوزيتش، الناشطة البوسنية رئيسة منظمة أبناء مغتصبات الحرب، في شهادة تقدمها لـTRT عربي. آينا التي تبلغ من العمر الآن 27 عاماً، هي إحدى أبناء من كنَّ ضحايا للاعتداءات الجنسيَّة خلال حرب البوسنة، والتي على عكس عدد كبير من أقرانها الذين عاشوا نفس المصير، قررت أمها الاحتفاظ بها، لتستمرَّ في الحياة وجهاً لوجه مع "أبشع لحظات حياتها".

وتتابع المتحدِّثة ساردةً قصَّة مأساة والدتها: "لسنوات طويلة بقيت أمي محكومة بعيش المأساة وهي تتكرر في مجتمع يلومها على الاستمرار في الحياة بعد ما وقع، ويرى فيها وصمة عار عليه ويلقي بالذنب عليها"، في إشارة إلى المجتمع البوسني الذي تصفه بأنه " غير مستعد لتقبُّل ضحايا سنوات الحرب الدامية من المغتصبات، يرفضهن وإن كن أمهات أو أخوات أو زوجات أو قريبات أو صديقات"، إذ "لم يكن هناك أدنى اعتراف أو جبر ضرر، بل تُرك كل شيء للأرقام، كما تُرك العار يعمّق جراحه في حياة ضحايا حرب ورّثَت 50 ألف امرأة وفتاة ورجل مغتصَب ومغتصَبة! ".

ولمدة 15 سنة لم تكن آينا تعلم بحقيقة مجيئها لهذا العالم، وذلك كان خيار الأم التي فضَّلت أن تُخفي عن ابنتها القصة كي تنجّيها من تاريخ غير مشرّف بالنسبة إلى مجتمعها، ومن لوم قد يظلُّ عالقاً معها طول الحياة. تقول آينا عن تلك اللحظة: "اكتشفت الحقيقة يوم أجبرتني الدراسة على ترك عائلتي والعيش في مدينة أخرى، حياتي الجديدة كانت طبيعية إلى أن أتت اللحظة التي فشلت فيها في الإجابة عن أبسط الأسئلة، الذي كانت الأصعب في حالتي: (آينا، ما اسم والدك؟)، وقتها علمتُ أنني أتيت إلى الوجود عن طريق أبشع الجرائم التي ارتُكبت في حق جسد إنسان، ونتاجاً لأقسى تجربة مرت بها والدتي".

وتسترسل في سردها: "كانت أنغام الموسيقى التي طالما عشقتها تتحول في مخيلتي إلى صرخات أمي المبحوحة وهي تُستباح. كنت أسمع آلامها في تلك الليالي المدبوغة بسواد الخوف". هذا الإحساس الذي تَخلَّل قلبها على شكل "خوف من أن أمي لا تحبني، ما دمت تذكاراً لأكثر آلامها بشاعة"، كان في الأخير إحساساً خاطئاً، حين صارحت أمها واكتشفت أنها " لطالما أحبتني ورأت في ولادتي أجمل حدث في حياتها".

وتختتم الناشطة البوسنية قائلة: "ما مررن به لم يكن هينًا! أمي كانت من دخلها القليل جداً تزور كل عيادات الدعم النفسي، وتتعاطى كل أنواع الأقراص المهدئة، إضافةً إلى مصاريف رعايتي، طارقة عدداً لا يُحصى من الأبواب، مستجديةً وسائلة هل مِن جهة حكومية تعترف بطفلتها، وفي كل مرة كانت مساعيها تخيب"، فيما رفضت آينا الإفصاح عن الخلفية العرقية لوالدها، معتبرة أنه "لا شعوب سيئة، بل أفراد سيئون"، مؤكدةً أن "الاغتصاب صدمة للجميع، ولا يمكن النظر إليه نظرة عرقية".

الاغتصاب أداة حرب.. ولا حلّ يجبر معاناة الضحايا

الآن آينا ترأس جمعيَّة لأطفال ضحايا الاغتصاب، وتعمل على النطاقين الدولي والمحلي من أجل التعريف بقضيتهم، وتحريك مياهها الراكدة. فحتى الآن لم يتحقق أي ردّ اعتبار فعليّ لمغتصبات الحرب، اللاتي يبلغ عددهن 20-50 ألف ضحية من الجنسين، 800 منهم فقط يتلقين تعويضات أو ردّ اعتبار مادي لا يتعدى 20 دولاراً شهرياً، في غيابٍ لأي برنامج وطني لجبر هذا الضرر اجتماعياً واقتصادياً.

كما يورد تقرير سابق لمنظمة العفو الدوليَّة، أن العدالة في هذه القضية عرفت عراقيل جمة، لأنه منذ 2004 لم يستمع القضاء البوسني إلا إلى 1% من ضحايا الاغتصاب، ولم تعالج المحاكم البوسنية سوى 123 قضية في هذا الصدد، فضلًا عن طول مدة المحاكمات وضعف جدواها، وأن عديداً من الضحايا لم يعشن ليشهدن ردّ اعتبار قضائياً على ندرته، الأمر الذي يُشيع وسطهن حالة انعدام ثقة في القضاء وينسف عملية جبر الضرر القزميَّة تلك برمتها.

وبعد الاجتياح الصربي للبوسنة، عزلت القوات الصربية النساء البوسنيات عن الرجال، واحتُجز كل جنس على حدة في مراكز اعتقال خاصة، لم تكن سوى البنايات الحكومية من مدارس ومستشفيات ومجمعات رياضية، حوَّلتها القوات إلى معتقلات جماعية. وفي حين كان الرجال يُعذَّبون ويُقتلون، كانت النساء يُترَكن لأغراض جنسية. وكانت النسوة المحتجَزات من فئات عمرية متعددة، منهن مَن لم تتعدَّ سن الثانية عشرة. وفي ظروف مأساوية يطبعها قلة التغذية والنظافة العامة، وانعدام المرافق الصحية، كُنّ يُغتصبن ويُعذَّبن بطرق وُصفت بـ"البشاعة"، ومَن كانت ترفض الامتثال للأوامر قُتلت مباشرةً أمام أنظار الأخريات لتكون عبرة، وكثير منهن لم يستطعن تحديد عدد المرات اللاتي تَعرَّضن فيها للاغتصاب لكثرتها.

ويتفق كل من تقرير المحكمة الدولية وتقارير منظمة العفو الدولية، على أن النساء المسلمات في البوسنة كُنَّ الأكثر عرضة لهذه الجرائم، ومثّلن النسبة الغالبة من المحتجزات داخل مراكز الاغتصاب تلك، مما يُظهِر أن الاغتصاب لم يكن عرضاً جانبياً للحرب، بل أداة أساسية للتطهير العرقي الذي كانت تنهجه القوات الصربية في البوسنة والهرسك.

TRT عربي