يمكن أن يكون التلفاز جزءاً من طفولة صحية، وما دام لم يتم إساءة استخدامه فهو يؤدي دورا كبيرا في تربية الأطفال وبنائهم القيمي والثقافي والسلوكي، نظرا لقدرته على اجتذاب الأطفال بما يحويه من الحركة والموسيقى واللون، وإغناء ميولهم للتخيل والمغامرة.

تقول أم زيد والدة أحد الأطفال إن قضاء طفلها معظم ساعات النهار أمام شاشة التلفاز قد جعله انعزالياً يرفض اللعب مع أقرانه أو الاستجابة لندائها، كما أن لغته التعبيرية ضعيفة مقارنة بأخته عندما كانت في مثل سنه.من هنا ندرك أن وضع الطفل في عمر مبكر جداً (دون السنتين) أمام شاشة التلفاز لساعات طويلة بمفرده يحرمه من اكتساب الخبرات الضرورية في هذه المرحلة العمرية التي تعتمد بالأساس على استخدام الحواس والنشاط الحركي، كما يحد من قدرته على اللعب والتفاعل الاجتماعي مع الآخرين واكتشاف البيئة من حوله. فاللعب والغناء والقراءة والتحدث مع الطفل أهم بكثير من أي برنامج تلفزيوني.

وفي دراسة شملت مجموعة من الأطفال الذين وضِعوا أمام شاشة التلفاز في مرحلة المهد (تبدأ من الميلاد وتمتد إلى نهاية العام الثاني) كانت النتائج أن هؤلاء الأطفال أظهروا تأخراً في النمو اللغوي والنمو المعرفي، مع تأخر بسيط في اكتساب بعض المهارات الاجتماعية في مرحلة الطفولة المتوسطة، أي بداية مرحلة المدرسة الابتدائية .

وبحسب الجمعية الأمريكية لطب الأطفال فإن الوقت الذي يوصي به الخبراء يومياً لأطفال مرحلة ما قبل المدرسة (2ـ5 سنوات) أمام الشاشة هو ساعة يومياً، تحت إشراف أحد الوالدين لمساعدتهم على فهم ما يرونه، وساعتان يومياً لمن هم أكبر سناً.

يمكن أن يكون التلفاز جزءاً من طفولة صحيّة، وما دام لم يتم إساءة استخدامه فهو يؤدي دوراً كبيراً في تربية الأطفال
يمكن أن يكون التلفاز جزءاً من طفولة صحيّة، وما دام لم يتم إساءة استخدامه فهو يؤدي دوراً كبيراً في تربية الأطفال (Getty Images)

تحويل مشاهدة التلفاز إلى تجربة تعليمية للأطفال

في الوقت الذي يستمتع فيه الأطفال بمشاهدة برامج معينة أُعدت خصوصاً لفئتهم العمرية على شاشة التلفاز، ويستغرقون في حالة كبيرة من التركيز في أثناء المشاهدة، فإن فهمهم لما يحدث على الشاشة يكون ضئيلاً غالباً، خصوصاً للأطفال في المراحل الأولى وحتى سن الثامنة، ولذلك يرى خبراء التربية أنه من الأفضل للأهل الجلوس مع أطفالهم في أثناء مشاهدة التلفاز، ومحاولة استثمار المحتوى وتعزيزه عبر اتباع بعض الأساليب كالمحادثة، وأسلوب الجواب والسؤال، وهو الأمر الذي من شأنه أن يحول مشاهدة التلفاز من مجرد فعل للتسلية إلى تجربة تعليمية غنية.

اقرأ أيضاً:
ما قبل المدرسة.. إرشادات لتهيئة طفلك لدخول رياض الأطفال

وفي السياق ذاته، يمكن استثمار مشاهدة الأطفال للتلفاز لتطوير مهارات التفكير النقدي لديهم من خلال طرح أسئلة بسيطة عليهم حول ما يشاهدونه، مثل: كيف تعتقد أن النهاية ستكون؟ ومن هي شخصيتك المفضلة؟ ولماذا؟

قد تبدو هذه الأسئلة بسيطة ولكنها تجعل الأطفال قادرين على اتخاذ القرار، وبناء خيارات ذكية في حياتهم. ففي الوقت الذي باتت ثقافة الوحدة تنتشر بفعل التكنولوجيات الرقمية الحديثة، فإن بناء تجربة تفاعلية وتشاركية مع الأطفال سيكون له انعكاسات إيجابية غاية في الأهمية على شخصياتهم، وبناء تصوراتهم عن الحياة.

كما أن القصص المرئية عبر التلفاز تساعد على تكوين عادة القراءة لدى الأطفال شريطة أن يكون الاختيار ملائماً. ويوجد عديد من البرامج التلفزيونية المُعدة لمرحلة ما قبل المدرسة تساعد الأطفال على تمييز الحروف الأبجدية، وكيفية كتابتها وتمييز أصواتها وكذلك الأرقام، ومن خلال أفلام الرسوم المتحركة الناطقة باللغة العربية الفصيحة يتمكن الطفل من إثراء مفرداته اللغوية الفصيحة التي لا يجدها غالباً في محيطه الأسري.

الإفراط في الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشة قد يؤدي إلى تقليص وقتهم في اللعب، والحركة وممارسة النشاطات الاجتماعية
الإفراط في الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشة قد يؤدي إلى تقليص وقتهم في اللعب، والحركة وممارسة النشاطات الاجتماعية (Getty Images)

وتُعد البرامج الوثائقية وعروض الطبيعة مسلية وتثقيفية للأطفال، فهي تسمح لهم باستكشاف الأماكن أو الحيوانات التي لا يمكنهم رؤيتها على أرض الواقع، ومن المُلاحظ أن الأطفال دائماً يميلون بطبيعتهم الفطرية إلى التقليد والمحاكاة، لذا يمكن استغلال ذلك بالبحث عن قصص أفلام بها شخصيات إيجابية يقلدها الطفل.

مخاطر ترك الأطفال أمام شاشات التلفاز لوقت طويل

عادة ما يشعر العديد من الآباء بالذنب بشأن الوقت الذي يقضيه أطفالهم في مشاهدة التلفاز. وفي الحقيقة هذا أمر يدعو للقلق إذ إن الجلوس أمام التلفاز لساعات طويلة مقترن بكثير من المشكلات منها:السمنةالناجمة عن قلة الحركة، فضلاً عن الإفراط في تناول الطعام في أثناء مشاهدة التلفاز، بالإضافة إلى إعلانات الأطعمة السريعة المغرية والمفضلة عند الأطفال، وكلما زادت الساعات التي يشاهد فيها الأطفال التلفاز أصبحت لديهم مواعيد نوم غير منتظمة.

اقرأ أيضاً:
هكذا تساهم القصص في تنشئة الأطفال وتجميل عوالمهم

كما أن الإفراط في الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشة قد يؤدي إلى تقليص وقتهم في اللعب، والحركة وممارسة النشاطات الاجتماعية. هذا بالإضافة إلى أن الأطفال أكثر عرضة لإظهار السلوك العدواني، وتقليدالمشاهد العدوانيةالتي يشاهدونها، ويبدؤون بالتعامل مع من حولهم على أساس تلك السلوكيات ظناً منهم أنها صحيحة، وهذا ما يلاحظه الآباء غالباً بمجرد انتهاء الطفل من مشاهدة التلفاز، خاصة أن برامج العنف هي التي تهيمن في الوقت الحاضر على المحتوى التلفزيوني.

إذ أظهرت نتائج الدراسات أن الأطفال الذين يمضون وقتاً طويلاً أمام شاشات التلفاز أكثر عرضة للسلوك العدواني من أولئك الذين يمضون وقتاً أقل في المشاهدة.

وتؤكد عديد من الدراسات وجود علاقة مباشرة بينضعف القدرة على التركيز عند الأطفال والتعثر الدراسيوبين مدة جلوسهم اليومي أمام التلفاز، فكلما قل عدد ساعات مشاهدة التلفاز كان هناك فرصة لتركيز أفضل.

الدراسات أثبتت أن مشاهدة التلفاز لساعات طويلة قد تؤدي إلى انعزال الطفل عن أسرته، إذ يفضل الجلوس أمام الشاشة على التواصل معهم
الدراسات أثبتت أن مشاهدة التلفاز لساعات طويلة قد تؤدي إلى انعزال الطفل عن أسرته، إذ يفضل الجلوس أمام الشاشة على التواصل معهم (Getty Images)

أما عن تأثير مشاهدة التلفاز لعدة ساعات يومياً على العلاقات الأسرية، فإن الدراسات أثبتت أن مشاهدة التلفاز لساعات طويلة قد تؤدي إلىانعزال الطفل عن أسرته،إذ يفضل الجلوس أمام الشاشة على التواصل معهم، بالإضافة إلى أن التجربة التلفزيونية لا تعزز النمو اللفظيلأنها لا تتطلب أي مشاركة لفظية من جانب الطفل، بل تقتصر على الاستقبال السلبي وحده. ولتفادي هذه المشكلة يُمكن مشاركة الطفل في أثناء المشاهدة وتشجيعه على تكرار الكلمات ووصف الأحداث في جمل بسيطة مكررة.

مقترحات تساعد في الحد من وقت الشاشة عند الأطفال

يمكن الحد من الوقت الذي يقضيه الطفل أمام التلفاز من خلال وضع بعض القواعد الأسرية وإجراء تغييرات صغيرة في روتين الطفل بشكل ثابت منها:

أولاً: من الضروري وضع شاشات التلفاز خارج غرفة نوم الأطفال، والحرص على وضعها في مكان واضح ومشترك لجميع الأسرة، وتحديد وقت للمشاهدة اليومية بحيث لا يتجاوز الساعة إلى الساعتين بعد عمر السنتين، ولا يتزامن مع أوقات تناول الطعام أو أوقات النوم، واختيار البرامج المناسبة للطفل من حيث المحتوى.

ومن الضروري توفير النموذج الإيجابي من الأب والأم، وذلك بعدم تعلق أحدهما بمشاهدة التلفاز لأن الأطفال دائماً ينجذبون نحو السلوكيات الصادرة من والديهم، فعلى سبيل المثال الأب الذي اعتاد تخصيص وقت للقراءة سوف يقلده أطفاله في ذلك. ومن الطرق النافعة في تقليل وقت مشاهدة التلفازإيجاد البديل المناسب للأطفال وتشجيعهم على الأنشطة الأخرى كالرسم، والتلوين، وممارسة الرياضة.

ومن الممارسات الخاطئة التي يجب تجنبها استخدام أوقات التلفاز كعقوبة أو مكافأة، فهذه الممارسات تعزز أهمية التلفاز في عقول الأطفال. ومن المفيد للحد من قضاء ساعات طويلة أمام الشاشة جعل عطلة نهاية الأسبوع خالية من التلفاز، ولتكن خارج المنزل، أو القيام بنشاط مشترك بين أفراد الأسرة.

المصدر: TRT عربي