شاع في السنوات الأخيرة استخدام مصطلح النرجسية بكثرة خصوصاً مع هوس الكثيرين المفرط بنشر صور السيلفي على مواقع التواصل الاجتماعي، وعادة ما يتم ربط ذلك بالثقة الزائدة، ولكنّ علماء النفس يرون أنّ الأمر قد يكون عكس ما يظهر تماماً.

في حال تأكيد الإصابة باضطراب الشخصية النرجسية، فخلف هذا القناع من الثقة الزائدة تكمن ثقة هشة بالنفس تهتز بمجرد انتقاد بسيط.

اضطراب الشخصية النرجسية هو أحد الأنواع المتعددة لاضطرابات الشخصية، وهو حالة نفسية يتملّك المريض بها شعور مبالغ فيه بأهميته، فضلاً عن حاجة عميقة إلى زيادة الاهتمام والإعجاب، واضطراب العلاقات، وانعدام التعاطف مع الآخرين، ما يسبب مشاكل في عدة مجالات حياتية، مثل العلاقات أو العمل أو المدرسة أو الشؤون المالية.

ماذا يُظهر مريض النرجسية؟

يشرح الطبيب النفسي جون جروهول الباحث والكاتب الأعراض المختلفة التي تظهر على المصاب بالنرجسية المرضية. يُذكَر أنّ جروهول هو المؤسس والرئيس التنفيذي ورئيس تحرير موقع Psych Central المعني بالصحة النفسية، وتشمل الأعراض التي تحدّث عنها ما يأتي:

*شعور زائد بأهمية الذات، فعلى سبيل المثال يبالغ المريض في إظهار إنجازاته ومواهبه، كما يتوقع المريض من الآخرين الاعتراف به على أنّه متفوق دون وجود إنجازات مكافئة لذلك.

دائماً ما ينتظر الشخص النرجسي إعجاب الآخرين المفرط به
دائماً ما ينتظر الشخص النرجسي إعجاب الآخرين المفرط به (Getty Images)

*يُظهر المصاب انشغالاً كبيراً بأوهام النجاح اللامحدود أو القوة أو التألق أو الجمال أو الحب المثالي.

*لدى المريض إيمانٌ عميقٌ بأنّه شخص مميز ونادر، وهذا يدفعه إلى الميل لإقامة علاقات مع أناس مميزين بحسب وجهة نظره. ويصل به الحال إلى افتراض أنّ هؤلاء الأشخاص أمثاله من يمتلكون القدرة على فهمه فقط.

اقرأ أيضاً:
جروح الطفولة القديمة.. كيف تؤثر على حياة الإنسان وعلاقاته بالآخرين؟

*دائماً ما ينتظر الشخص النرجسي إعجاب الآخرين المفرط به.

*الإحساس الكبير بالاستحقاق، فعلى سبيل المثال يكون لدى المريض توقعات غير معقولة بشأن معاملته بشكل خاص، أو بشأن الامتثال التلقائي لأفكاره وتوقعاته.

*استغلال الآخرين من أجل المصلحة الخاصة دون الشعور بالخجل أو الذنب.

*يفتقر النرجسي إلى القدرة على التعاطف مع الآخرين، ولا يظهر أيّ رغبة في معرفة مشاعر الآخرين أو احتياجاتهم.

*غالباً ما يشعر النرجسي بالغيرة والحسد تجاه الآخرين، أو يخامره شعور بأنّه موضع حسد من الآخرين.

*التصرف بغطرسة وعجرفة بشكل متكرر.

يبالغ المريض بالنرجسية في إظهار إنجازاته ومواهبه، كما يتوقع المريض من الآخرين الاعتراف به على أنّه متفوق دون وجود إنجازات مكافئة لذلك
يبالغ المريض بالنرجسية في إظهار إنجازاته ومواهبه، كما يتوقع المريض من الآخرين الاعتراف به على أنّه متفوق دون وجود إنجازات مكافئة لذلك (Getty Images)

يقول جرهول إنّه عند ملاحظة وجود خمسة أعراض على الأقل من السابق ذكرها لدى الشخص فمن الممكن تأكيد إصابته باضطراب الشخصية النرجسية، ولكن يجدر التنبيه هنا إلى أن التشخيص هو حكم المتخصص النفسي فقط، فضلاً عن وجود فرق بين "النرجسية العادية" و"النرجسية المرضية".

فالنرجسية العادية بحسب شرح الطبيبة النفسية سميثا بهانداري الحاصلة على شهادة البورد الأمريكي في الطب النفسي للبالغين والأطفال والمراهقين، قد تعود بالفائدة على صاحبها، فقد تبني احتراماً للذات وتمنح شعوراً بالسعادة، إلى جانب تقليل احتمالية الإصابة بالاكتئاب أو الوحدة أو الإحباط، وغالباً ما يكون النرجسيون العاديون متحدثين ممتازين وأصحاب بصيرة أفضل، وقد يكون هذا هو السبب في أنّهم يحصلون على أجور أعلى في عالم الشركات.

كيف تعامل النرجسي مع جائحة فيروس كورونا المستجد؟

يشير شون جروفر المعالج النفسي في مقال نشره موقع Psychologytoday إلى أنّ الشخص النرجسي قد يميل إلى عدم اتّباع القوانين الخاصة بارتداء الكمامات، وقد لا يلقي اهتماماً فيما يخص الحفاظ على مسافة التباعد الاجتماعي.

اقرأ أيضاً:
التقليلية كأسلوب حياة صحي.. لماذا علينا الاكتفاء بالقليل؟

عدم الالتزام هذا قد يكون نابعاً من حقيقة أنّهم لا يفكرون في الخطر الذي قد يقع على الآخرين، إلى جانب اعتقادهم بأنّهم مستثنون ممَّا هو طبيعي وعادي بالنسبة إلى الآخرين، وهذا ما أشارت إليه بالتفصيل دراسة تم نشرها مؤخراً في مجلة Personality and Individual Differences العلمية.

أسباب اضطراب الشخصية النرجسية

بالرغم من إشارة المختصين إلى عدم القدرة على تحديد أسباب معينة للإصابة باضطراب الشخصية النرجسية، شأنّه شأن أغلب الاضطرابات النفسية، فإنّه توجد عديد من العوامل المتراكبة معاً التي قد تحفز الإصابة، مثل العوامل البيئية المتمثلة في أغلب الأوقات بمشاكل مرتبطة بالطفولة مثل أنماط التربية المفرطة في الحماية أو الإهمال، كالثناء أو الانتقاد المفرط من قبل الوالدين.

في حين قد تؤدي العوامل الوراثية والعصبية دوراً كذلك فيما يخص الصلة بين المخ والتفكير والسلوك، وتشير بعض الدراسات إلى أنّ خطر الإصابة يرتفع لدى الذكور، وغالباً ما تظهر المشكلة لدى المراهقين أو في مرحلة مبكرة من البلوغ.

التعامل الأمثل مع الشخص النرجسي

تصف راماني دورفاسولا المتخصصة النفسية والبروفيسورة في جامعة ولاية كاليفورنيا الأمريكية في حديث لها مع المؤسسة الأمريكية للطب النفسي، علاج اضطراب الشخصية النرجسية بالأمر الجدلي في طب النفس، إذ لا توجد أدوية معينة موافَق عليها من قبل إدارة الغذاء والدواء (FDA)، فكل الخيارات الدوائية التي يلجأ إليها الأطباء ما هي إلا لعلاج المشاكل المرتبطة بالنرجسية المرضية كأدوية القلق والاكتئاب، ويتركز العلاج الأولي على وضع خطط علاج نفسية مختلفة.

ولكن قد يتساءل البعض عن كيفية التعامل مع الأشخاص النرجسيين المحيطين بنا، وفيما يأتي نصائح المتخصصين والباحثين:

*تجنب الانخداع بالصورة الساحرة التي يضعها النرجسي لنفسه، فالانجذاب نحو الصورة الملمَّعة والأحلام الكبيرة التي يرسمها النرجسي لنفسه قد تؤثر على ثقة الشخص بنفسه، وعلى الشخص محاولة التركيز على أحلامه وحياته الخاصة، وتذكير نفسه على الدوام أنّ رغباته ومشاعره الخاصة لن يتمّ أخذها بعين الاعتبار، فكل ما يريده النرجسي هو إشباع الأنا لديه عن طريق انصياع وإعجاب المحيطين به له.

يُظهر المصاب بالنرجسية انشغالاً كبيراً بأوهام النجاح اللامحدود أو القوة أو التألق أو الجمال أو الحب المثالي
يُظهر المصاب بالنرجسية انشغالاً كبيراً بأوهام النجاح اللامحدود أو القوة أو التألق أو الجمال أو الحب المثالي (Getty Images)

*عدم أخذ الأمور بشكل شخصي، فمحاولات النرجسي الدائمة في التقليل من شأن الآخرين يجب ألّا تؤثر في نظرة الشخص لنفسه، فنظرة النرجسي لمن حوله فارغة وغير واقعية. ويكون هذا بمحاولة الشخص معرفة نفسه جيداً دون الالتفات أبداً لرأي النرجسي، وحين التعرض للانتقاد من الجيد عدم مجادلة النرجسي رغم أن الغريزة الإنسانية تدفعك إلى الدفاع عن نفسك، ولكن سوف ينتهي الأمر باستهلاك نفسك في حديث عقيم رغم عقلانية حجتك وصحتها. باختصار أخبر النرجسي أنك لا توافق على رأيه ودع الأمر كذلك دون مجادلة.

*الاهتمام بالنفس ومحاولة الحصول على قسط جيد من النوم والراحة نظراً لأنّ التعامل مع النرجسيين أمر مرهق في العادة، ومن الجيد أن ينخرط الشخص في علاقات أخرى مع أشخاص يعرفون كيفية تعزيز العلاقات الصحية، كما يفيد القيام بالأنشطة المختلفة في تخفيف التوتر والضغط النفسي.

*وضع حدود في التعامل مع الشخص النرجسي، نظراً لأنّ النرجسي دائماً ما يتخطى الحدود في العلاقات المختلفة مع وجود إحساس لديه بالاستحقاق، ويجب أن يكون ذلك بوضع خطة والعزم على اتّباعها في حال عدم الرغبة في خسارة الشخص النرجسي، ومن المهم التركيز في أثناء وضع الحدود على حديث الشخص بهدوء عن مشاعره التي تتولد تجاه سلوك النرجسي بشكل دقيق وواضح بدلاً من الحديث عن نياته ودوافعه، ويجب على الشخص الاستعداد لأيّ تغير في مسار العلاقة إذ قد يقوم النرجسي بوضع اللوم على الشخص لمحاولته إعادة السيطرة على التحكم بحياته الخاصة.

*قطع العلاقة نهائياً مع النرجسي هو الحل الأخير في حال عدم القدرة على تحمّل الأذى الناتج عن هذه العلاقة، ويجب على الشخص أن يكون صادقاً مع نفسه وواضحاً فيما يخص الأسباب التي يودّ قطع العلاقة من أجلها وتذكير نفسه بها، تجنباً للحظات الشكّ إن كان هذا القرار صحيحاً أم لا، وأفضل تكتيك لذلك هو عدم توجيه أي تهديدات أو إشارات إلى احتمالية قطع العلاقة تجنباً للوقوع في شباك وعود النرجسي اللامعة والكاذبة من جديد، فالاقتناع التام بأنّ النرجسي لن يتغير يجعل اتخاذ هذا القرار وتطبيقه أسهل.

المصدر: TRT عربي