يبدأ الإنسان في خوض تجاربه في الحياة منذ لحظة الولادة، بدءاً بتجاربه مع والديه وعائلته، ثمّ مع زملائه في المدرسة وأقرانه في الشارع، يعيش طفولته وفق نمطٍ معيّن لم يختره، ثمّ يتكوّن لديه جرحٌ أو أكثر يحمِلها معه طيلةَ حياتِه ويعيش بها إلى الأبد.

ترتبط سلوكاتُ الإنسان واختياراته وتجاربه في الحياة إلى حدّ كبير بطفولته الأولى. يبدأ الأمر في رؤية الطفل لوالديه وتصرّفاتهما وعلاقتهما مع بعضهما البعض، ثمّ يتطوّر ليتحوّل إلى جرحٍ كبير، ينتج مشاعرَ سلبية تجاه الحياة والأشياء مثل الخوف والندم والشعور بالذنب وانعدام الشعور بالأمان.

يعيش الكثيرون مع جروحهم ويتصرّفون مع الآخرين وفقها دون أن يدركوا ذلك. يختارون طرقاً معيّنةً في الحياة بناءً على هذه الجروح، يجذبون إليهم أشخاصاً ويختارون شركاء حياة معينين دون أن يعرفوا أن اختياراتهم وتصرّفاتهم هذه نابعةٌ من هروبهم من جروحهم العميقة أو محاولة حماية أنفسهم منها، وليس من حقيقة ذواتهم.

الجروح والأقنعة

في كتابها "اشف جراحك واعثر على ذاتك الحقيقية"، تطرّقت الكاتبة الكندية المتخصصة في العلاج النفسي والتنمية الذاتية ليز بوربو، إلى بعضِ المشاكل التي يواجهها الإنسان في حياته وربطتها بخمسة جروح كبرى: الرّفض، التخلّي، الإذلال، الخيانة والظلم.

ترتبط سلوكاتُ الإنسان واختياراته وتجاربه في الحياة إلى حدّ كبير بطفولته الأولى
ترتبط سلوكاتُ الإنسان واختياراته وتجاربه في الحياة إلى حدّ كبير بطفولته الأولى (Getty Images)

تشرح الكاتبة أنّ "الرغبة في إخفاء هذه الجروح عن الذات أو عن الآخرين، تجعل كلّ واحدٍ منا يرتدي قناعاً ما حسب جرحه الخاصّ، فالشخصُ الذي يعاني من جرح الرفض يرتدي قناع الهارب، والذي يعاني من جرح التخلّي يرتدي قناع المتعلّق بالآخرين بشكلٍ مرضيّ، والذي يعاني من جرح الإذلال يرتدي قناع المازوشي، والذي يعاني من جرح الخيانة يرتدي قناع المتحكّم، أما الذي يعاني من جرح الظلم فإنه يرتدي قناع الصلابة".

تقول الكاتبة إن ارتداء هذه الأقنعة يصبح ضرورياً لحماية النفس من أن يضع أحدهم يده على هذا الجرح. "يشبه ذلك أن جرحاً قديماً في اليد نتجاهله ونهمل علاجه، ونفضّل بدلاً عن ذلك ارتداء قفّاز حتى لا نراه. القفّاز هنا يعادل القناع، ولكنْ، هل الحلّ هو أن نخبّئ جروحنا حتى نتوقّف عن التألّم؟ طبعاً لا!"

كيف تسبب جروح الطفولة مشاكل في العلاقات مع الآخرين؟

تجيب بوربو: "القفّاز يخبّئ الجرح الموجود في اليد، لكنّه لا يحميها، ففي كلّ مرّة سيلمس فيها شخصٌ يدَك ستشعر بالألم"، تؤكد بوربو، "يُشبه ذلك أن يلمس أحدٌ يدَك لأنه أحبّك، لكنّك لا تشعر بأيّ شيءٍ سوى الألم. في هذه الحالة، هل الشخص الذي اقترب منك له نية إيذائك؟ طبعاً لا، أنتَ تتألم لأنك قرّرت ألّا تعتني بجرحك كما يجب، والآخرون غير مسؤولين عن ألمك".

ربطت المعالجة النفسية وخبيرة التنمية الذاتية ليز بوربو المشاكل التي يواجهها الإنسان بخمسة جروح كبرى: الرّفض، التخلّي، الإذلال، الخيانة والظلم
ربطت المعالجة النفسية وخبيرة التنمية الذاتية ليز بوربو المشاكل التي يواجهها الإنسان بخمسة جروح كبرى: الرّفض، التخلّي، الإذلال، الخيانة والظلم (Amazon)

إلقاء نظرة على واحدٍ أو بعضٍ من هذه الجروح، سيجعلنا نفهم طبيعةَ تأثيرها على الإنسان وتصرّفاته وردود أفعاله وعلاقاته مع الآخرين. فجرح الرفض مثلاً يرافق الإنسان منذ الطفولة وحتى الكِبَر ويحكم سلوكياته وتصرّفاته مع الآخرين ومشاعره تجاههم. إنه يعيش حياته وهو يشعر طيلة الوقتِ أنه مرفوض وغير مرغوبٍ في وجوده.

"هذا الشخص يشعرُ أنه مرفوضٌ في ذاته وفي حقّه في الوجود. الطفلُ الذي يأتي إلى الحياة دون أن يكون مرغوباً فيه يمكن أن يعيش جرح الرفض. البنتُ التي تولَد في الوقت الذي يريد والداها إنجاب ذكر قد تعيشُ وهي تعاني جرح الرّفض أيضاً والعكسُ صحيح... وما دام الجرح لم يُشفَ بعد، يعودُ لينشط من جديد في كلّ مرّة بسهولةٍ تامّة"، تقول بوربو في كتابها.

يلجأ الأشخاص الذين يعانون من جرح الرّفض إلى الهرب كوسيلةٍ لحماية أنفسهم من الشعور بالرّفض من جديد. يهربون باستمرار، حتى من الأشخاص الذين يحبّونهم. "ومنذ طفولتهم، يكون هؤلاء الأشخاص ميّالين إلى خلق عوالم خيالية يهربون إليها، وهو ما يفسّر كونَهم أطفالاً مهذّبين وصامتين ولا يتسبّبون في الفوضى والمشاكل"، تشرح بوربو.

الطفلُ الذي يأتي إلى الحياة دون أن يكون مرغوباً فيه يعيشُ جرح الرفض. البنتُ التي تولَد في الوقت الذي يريد والداها إنجاب ذكر قد تعاني من جرح الرّفض أيضاً والعكس صحيح
الطفلُ الذي يأتي إلى الحياة دون أن يكون مرغوباً فيه يعيشُ جرح الرفض. البنتُ التي تولَد في الوقت الذي يريد والداها إنجاب ذكر قد تعاني من جرح الرّفض أيضاً والعكس صحيح (Getty Images)

في حديثها لـTRT عربي، تحكي نجوى (39 عاماً)، كاتبة وصحافية، قصّتها مع جروح الطفولة، وخاصّةً مع جرح الرّفض. لم يكن موضوع اكتشاف هذا الجرح سهلاً بالنسبة لها، لأنّ حياتَها كانت خاليةً من المشاكل الكبيرة التي يمكن أن تجعل الشخص يشعرُ باليأس والإحباط.

ومع ذلك، تقول نجوى، "كنت أشعر بألمٍ ما طيلة الوقت، خاصّةً تجاه أفراد عائلتي، ألم ناتج عن شعورٍ مستمرّ بالذنب تجاههم، وعندما ذهبتُ إلى معالجةٍ نفسانية، اكتشفت أن هذا الشعور بالذنب غير صحّي، وناتج عن جروحٍ أعانيها منذ الطفولة. فعلاً، فلقد شعرتُ دائماً أن أمي لا تحبّني كفاية، وأن حبّها ليس خالصاً لذاتي، وإنما مشروطاً بالأشياء الجيّدة التي أقوم بها، وهكذا نما لديّ شعورٌ بأنّني مرفوضة".

وعن تأثير جرح الرّفض على حياتِها، تردِف نجوى: "طوّرتُ ميكانيزمات دفاعية لاواعية، وأصبحت قادرةً على أن أرفضَ شخصاً قبل أن يرفضني. عندما أعجَبُ بشخصٍ ما، أهرب، أي أن مجرّد التفكير في أنني لن أعجبه يجعلني أبعده عني حتى قبل أن يقترب".

الأطفال المصابون بجرح الرفض يكونون ميّالين إلى خلق عوالم خيالية يهربون إليها، وهو ما يفسّر كونَهم أطفالاً مهذّبين وصامتين
الأطفال المصابون بجرح الرفض يكونون ميّالين إلى خلق عوالم خيالية يهربون إليها، وهو ما يفسّر كونَهم أطفالاً مهذّبين وصامتين (TRT Arabi)

وتتابع: "أدركتُ أيضاً أنني طيلة حياتي، لم أستطع طلب مساعدةٍ من أحد، لأن جرح الرفض كان يجعلني أظن أن المساعدةَ إذا لم تأتِ من شخص دون أن تُطلَب، فهذا يعني أنه لا يريد أن يساعدني، وبالتالي فإن هذا الشخص لا يحبّني".

الشعور الدائم بالهَجر

لا يشعر الأطفال بالهجر حين يتمّ التخلّي عنهم فعلاً من طرف آبائهم، إذ قد ينتُج شعورٌ لديهم أنه جرى التخلّي عنهم في حالاتٍ أخرى كثيرة، مِثل أن تنشغل عنهم أمّهاتهم وآباؤهم بأمورٍ أخرى كالعمل أو إنجاب طفلٍ آخر أو عندما يتمّ تركهم مع المربّيات أو حتى عندما يموت أحد آبائهم.

الأشخاص الذين يعانون جرح الهجر يلجؤون في غالب الأحيان إلى ارتداء قناع أيضاً لتفادي رؤية جرحهم، فيصبحون أشخاصاً متعلّقين بالآخرين معتمدين عليهم بشكلٍ مرضي، خاصة في العلاقات العاطفية.

سلمى (29 عاماً)، محامية وحقوقية، نشأت في كنفِ عائلةٍ محبّة ومكافحة، واستطاعت أن تنجح في تحقيق أحلامها العمَلية، وفي الزواج من الرجل الذي تحبّه، لكنّها مع ذلك، شعرت دائماً أنّها وحيدة، وأن الآخرين يتخلّون عنها باستمرار، حتى أقرب الناس إليها والذين لا تشكّ في حبّهم لها أبداً.

لا يشعر الأطفال بالهجر حين يتمّ التخلّي عنهم فعلاً من طرف آبائهم، إذ قد ينتُج شعورٌ لديهم أنه جرى التخلّي عنهم في حالاتٍ أخرى كثيرة
لا يشعر الأطفال بالهجر حين يتمّ التخلّي عنهم فعلاً من طرف آبائهم، إذ قد ينتُج شعورٌ لديهم أنه جرى التخلّي عنهم في حالاتٍ أخرى كثيرة (Getty Images)

"بدأت القصّة منذ الطفولة. فبعد ولادتي بسنةٍ ونصف، جاءت أختي إلى العالم، تلاها سبعة إخوةٍ آخرون. كانت أمّي منشغلةً دائماً بالمسؤوليات الكثيرة الملقاة على عاتقها بسبب إنجابها لأطفالٍ كثيرين، مريضةً وضعيفة وحزينة على الدوام. نما لديّ شعورٌ بأنني طفلةٌ متخلّى عنها، ليس لأن أمي لا تريدني، بل لأنها غير قادرة على أن تكون حاضرةً من أجلي على الدوام"، تروي سلمى لـTRT عربي.

وتتابع سلمى: "عندما كبُرت، تحوّلت إلى شخصٍ معتمدٍ عاطفياً على الآخرين، وأصبحت أشياءُ صغيرة قادرةً على أن تسبّب لي الألم، وتجعلني أعيش إحساس الهجرِ من جديدٍ في كلّ مرّة. أشياءُ بسيطة كأن أكون في محادثةٍ هاتفية مع شخصٍ ممن أحبهم، ويضطرّ هذا الشخص إلى الانسحاب لسببٍ أو لآخر، أو أن أكون في مكانِ ما مع شخصِ ما، ويضطرّ هذا الشخصُ للمغادرة بسبب مشاغل معيّنة.. لا أستطيع في مثل هذه الحالات أن أمنع نفسي من الشعور من أن الآخرين يتخلّون عني باستمرار".

"الإنسان لا يعيش بالحليب وحدَه"

بدوره، لم يُغفل علم النفس مسألة تأثير الطفولة على حياة الإنسان اللاحقة. إذ اشتغل محللون نفسيون كُثر في بدايات القرن العشرين على العلاقة بين الاهتمام والرعاية التي ينبغي أن يحظى بها الأطفال خلال طفولتهم والاختلالات العاطفية والاجتماعية التي يتعرّضون لها لاحقاً في حياتهم، فطوّروا نظريةً سُمّيت بالـAttachment theory أو نظرية التعلّق.

أجرى الطبيب النفساني الأمريكي هاريهارلو في النصف الثاني من القرن العشرين مجموعة من التجارب المثيرة للجدل على القردة لدراسة تأثير انفصالهم عن أمهاتهم
أجرى الطبيب النفساني الأمريكي هاريهارلو في النصف الثاني من القرن العشرين مجموعة من التجارب المثيرة للجدل على القردة لدراسة تأثير انفصالهم عن أمهاتهم (Getty Images)

وتشرح نظرية التعلق تأثير علاقة الطفل بأبويه على نموه العاطفي والاجتماعي، باعتبار الآباء مركز عالم أبنائهم الاجتماعي.

وفي هذا السياق، أجرى الطبيب النفساني الأمريكي هاري هارلو في النصف الثاني من القرن العشرين مجموعة من التجارب المثيرة للجدل على القردة لدراسة تأثير انفصالهم عن أمهاتهم، وفهم مدى أهمية الرعاية والشعور بالدفء والأمان في السنوات الأولى من الطفولة في التوازن النفسي.

وخلُصَ هارلو إلى أنّ الإنسان "لا يعيش بالحليب وحده، لأن الحبّ عاطفة لا تمنحها زجاجة حليب مجرّدة من العواطف".

ما السبيل إذن إلى شخصيةٍ متوازنة، بلا جروحٍ ولا ألم؟

ليس هناك حلّ سحريّ لشفاء جروح الطفولة. لكنّ خبراء التنمية الذاتية والمعالجين النفسيين اقترحوا بعض الطرق للبدء في معالجتها.

في هذا الإطار، أكدت المعالجة النفسية ليز بوربو على ضرورة تعرّف كل شخصٍ على الجرح الذي يعاني منه، وتقبّله بالخصوص، كخطوةٍ أولى للشفاء. "غير أن تشخيص الجرح ليس كافياً لشفائه طبعاً، يجب الاعتراف أيضاً أن الأقنعة التي ارتديناها طيلة حياتنا ساعدتنا على حماية أنفسنا من الألم"، تردف بوربو في كتابها.

الخطوة الثانية بالنسبة لبوربو، هو أن "نتوقف عن الشعور بالذنب لأننا توجهنا باللوم نحوَ آبائنا فيما يتعلّق بجراحنا، وأن نغفر لأنفسنا ذلك، حتى نستطيع أن نغفر لآبائنا تخلّيهم عنا، أو رفضهم لنا، أو ظلمهم لنا في لحظةٍ ما من لحظات حياتهم".

المصدر: TRT عربي