في الوقت الذي كانت فيه الكثير من النساء مخبآتٍ ومسترخيات وراء أسوار الحريم، خرجت أخريات ليكشفن عن خبرتهنّ في تسيير الدولة، وشجاعتهن في قيادة الحروب والمعارك، فأصبحن قائداتٍ وسلطانات. لكنهنّ، مع ذلك، شُطّبن من التاريخ الرسمي، وتم اغتيالهنّ تاريخياً.

هنّ نساء شُطّبن من التاريخ الرّسمي، وإخفاؤهنّ يمثّل كل مظاهر الاغتيال التاريخي. منهنّ الملكة أروى، شجرة الدرّ، السلطانة راضية والسيّدة الحرّة... بعضهنّ تولّت مقاليد السلطة إرثاً، وأخريات أقدمن على قتل الورثة للاستيلاء على السّلطة. منهنّ من نجحت ومنهنّ من تعرّضت للفشل، لكنهنّ استطعن إدارة دولٍ بكاملها، خُضن الحروب، قُدن المعارك، وأبرمن المهادنات.

في الوقتِ الذي كانت فيه الكثيرُ من النّساء مخبآتٍ ومسترخيات وراء أسوار الحريم، يقُمن بأدوار تقليدية داخل فضاء منزلي مُغلق، استطاعت نساءٌ أخريات الخروج من هذا الفضاء ليكشفن عن خبرتهنّ في تسيير الدّولة، وشجاعتهنّ في قيادة الحروب والمعارك، وحنكتهنّ في تنظيم الاستراتيجيات الحربية، فنجحن بذلك في الوصول إلى السّلطة.

كان هذا الخروج من الفضاء الموكول إلى أغلب النّساء مجازفةً في حدّ ذاته، وكان اقتحامُ مجالٍ يُعتبر اختصاصاً للرّجال تحدّياً كبيراً بالنسبة إليهنّ، خصوصاً في تلك الفترات التي لم تكن النساء يتمتعن فيها بنفس الحقوق التي كان يمتلكها الرّجال. فحتى في عصرنا الحالي، حيث تمتلك النّساء الحقّ في الوجود في الفضاء الخارجي، والحق في التمدرس، وفي التصويت، وفي المشاركة في العملية السياسية، قليلاتٌ فقط من نجحن في الوصول إلى السلطة في العالم الإسلامي.

بينازير بوتو ليست الأولى

عندما تقلّدت بينازير بوتو منصب رئيسة الوزراء في باكستان عام 1988، اعتُبرت أول رئيسة وزراء مسلمة. فتعرّضت للكثير من الهجومات تحت ذريعة أن النساء لن يكنّ أبداً قادرات على تسيير بلدان بأكملها.

يرجعُ ذلك إلى الاعتقاد السّائد لدى الكثيرين بأنّ قيادة الدول كانت دائماً، في جميع بلدان العالم الإسلامي، طيلة خمسة عشر قرناً، كانت حكراً على الذكور فقط.

رئيسات مسلمات: بينازير بوتو وحاكمة تطوان 
رئيسات مسلمات: بينازير بوتو وحاكمة تطوان  (TRT Arabi)

لكنّ الواقعَ أنّ بينازير ليست أوّل امرأة تمسك مقاليد السلطة في البلدان الإسلامية. إذ أنّ نساءً كثيرات، قبل بينازير بوتو، طيلة التاريخ الإسلامي، تقلّدن السلطة، وأخريات كان لهنّ وزنٌ كبير وتأثيرٌ قوي على الحكّام، فكانوا يستمعون إلى آرائهنّ، ويأخذون باقتراحاتهن الاستراتيجية في تسيير البلاد.

"سلطانات منسيات"

في كتابها "سلطانات منسيات"، تتطرّق الكاتبة وعالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي، إلى حيوات ومسارات العديد من السلطانات في التاريخ الإسلامي. حاكماتٌ وملكاتٌ تجاهلهنّ التاريخ الرسمي للكثير من الدول. لكنّ البحث عنهنّ في كتب التاريخ، حسب عالمة الاجتماع المغربية، لم يكن صعباً، لأنهنّ كنّ مذكورات بغزارة. المشكل الوحيد الذي واجه الكاتبة هو تصنيفهنّ والتمييز بين اللواتي حكمن من بينهنّ وبين اللواتي مارسن السلطة بطرقٍ أخرى.

من النساء اللواتي حكمن في التاريخ الإسلامي، حسب المرنيسي، نجدُ السّلطانة راضية، وهي تُركية الأصل، تولّت السّلطة في دلهي لسنوات عديدة. حين عبر الرّحالة والمؤرّخ المغربي ابن بطوطة المنطقة التي حكمتها في القرن الرابع عشر، أي بعد حوالي مائة سنة من وفاتها، تحدّث عن كيف طبعت فترة حُكمها أذهان الكثيرين، وذلك بسبب مجهودها الكبير في النهوض بالبلاد، وعملها على تحقيق العدالة، وشجاعتها في قيادة الجيش.

شجرة الدرّ.. القائدة العسكرية

هي واحدةٌ من النساء اللواتي طبعن التاريخ بقوتهنّ وشجاعتهنّ وحكمتهنّ. تولّت الحكم في مصر سنة 648 هـ/1250 م. خلال فترة حُكمها، استطاعت فرض نفسها كقائدة عسكرية بحسّها الاستراتيجي.

بينازير بوتو ليست أوّل امرأة تمسك مقاليد السلطة في البلدان الإسلامية إذ أنّ نساءً كثيرات قبلها طيلة التاريخ الإسلامي تقلّدن السلطة وأخريات كان لهنّ وزنٌ كبير وتأثيرٌ قوي على الحكّام.

كانت زوجةً للملك الصالح نجم الدين أيوب، ثامن حاكم في الأسرة الأيوبية في مصر. بعد وفاةِ زوجها، واعتلائها العرش، جاءت ردود الفعل مستنكرة لتولّي امرأةٍ الحكمَ في البلاد، إلاّ أنها أثبتت عن جدارة قدرتها على ذلك.

في فترة حكمها التي دامت ثمانين يوماً فقط، وفي أوج الحملة الصليبية، حقّقت شجرةُ الدرّ للمسلمين نصراً كبيراً. فالفرنسيون لا يزالون يتذكّرون الهزيمة التي ألحقتها بجيشهم، وأسرَها للملك لويس التاسع عشر آنذاك.

عائشة الحرّة.. الرئيسةُ المنسية

بعد زواج زوجها بالجارية الإسبانية إيزابيلا، ونتيجة للإحباط العاطفي، أحسّت عائشة الحرّة بالخطر، فأقنعت النّخبة في غرناطة بالانقلاب على الملك "الخائن" وإزاحته عن العرش. "قرّرت التحرّك إذن، وهجرت القصر، ثمّ قامت بهجومها من الخارج حتى أسقطت زوجها، وأوصلت ابنها أبي عبد الله إلى العرش عام 887 هجرية"، تقول فاطمة المرنيسي في كتابها "سلطانات منسيات".

كانت عائشة معروفة لدى الإسبان باسم ماري بوعبديل. في دراسة له حول سقوط غرناطة، ذكر المؤرّخ المصري عبد الله عنان أنّ عائشة الحرّة لعبت دوراً كبيراً في الأحداث التاريخية المرتبطة بسقوط غرناطة، بالرّغم من صمت المصادر العربية عن ذكر اسمها.

وفي كتابه "نهاية الأندلس"، يؤكد المؤرخ نفسُه أنّ "تحليل الوثائق الإسبانية يُثبت أن عائشة كانت رئيسة مميزة، واستطاعت اتخاذ قراراتٍ بطولية في تلك الفترة المأساوية".

حاكمة تطوان.. القرصانة

حاكمة تطوان المغربية الأندلسية وخير الدين بارباروس التركي
حاكمة تطوان المغربية الأندلسية وخير الدين بارباروس التركي (TRT Arabi)

بعد سقوط غرناطة، خرجت "الحرّة بنت علي الرّشيد" أو "حاكمةُ تطوان" من وراء أسوار الحريم للمساهمة في الأحداث الخطيرة التي كانت تعيشها البلاد آنذاك. اقتحمت المسرح السياسي بكلّ شجاعة، ونجحت في إثبات ذاتها داخله.

هي مغربية من أصل أندلسي. انتقلت أسرتها "بنو رشيد" للعيش في مدينة تطوان شمال المغرب بعد سقوط غرناطة. واتخذت القرصنة وسيلةً للدّفاع عن بلدها ومواجهة الهزيمة. أثبتت ذاتها عن جدارة في هذا المجال، فتم تنصيبُها حاكمةً لتطوان. تقول فاطمة المرنيسي في "سلطانات منسيات": "هذه الحاكمة تمّ تجاهلها من قبل المؤرّخين المسلمين، إلا أنّ المصادر الإسبانية البرتغالية اعتبرت هذه السيدة شريكةً أساسية في اللعبة الديبلوماسية في تلك الفترة".

من جهته، اعتبر المؤرّخ المغربي عبد القادر العافية في دراسته "أميرةُ الجبل الحرّة، بنت علي ابن رشيد"، أنّ حاكمة تطوان "كانت رئيسةً للقرصنة لا يُمكن أن يُنافسها أحدٌ في المنطقة، وكان أحدُ حُلفائها الشهيرين القُرصان التركي خير الدين المعروف ببارباروس الذي كان يعملُ لصالحها انطلاقاً من الجزائر".

ومع ذلك، لم يكن لهذه المرأة الشُجاعة الحق في لقب "الحرّة"، الذي كان يُعطى آنذاك للرئيسات، إلا بعد وفاة زوجها عام 1515.

غالية.. الأميرةُ الشجاعة

هي حنبلية من منطقة طربا قرب الطائف. عُرِفت بقيادتها لمعركة عسكرية في العربية السعودية في مكة في بداية القرن الثامن عشر، ضدّ العثماني محمد علي باشا.

لم تحمل النساء الحاكمات طيلة التاريخ الإسلامي لقب خليفة الذي كان يحمله الكثير من السلاطين والحُكّام الرّجال لكنّ ذلك لم ينقص شيئاً في درجة انخراطهنّ في العملية السياسية

مُنحت غالية لقب "أميرة"، وهو لقبٌ كان يُعطى آنذاك لقائد الجيوش. ولم تتمتّع غالية بهذا اللقب إلا بفضل جسارتها ومواهبها الاستراتيجية. وكان يُقال عنها، حسب كتاب "سلطانات منسيات"، أنه "لم يسبق للقبائل العربية التي تعيش في جوار مكّة أن كانت على هذه الدرجة من القوة التي كان عليها أعراب طربا.. كان على رأسهم امرأة تُدعى غالية".

حُرّات وسِتّات

لم تحمل النساء الحاكمات طيلة التاريخ الإسلامي لقب خليفة الذي كان يحمله الكثير من السلاطين والحُكّام الرّجال، لكنّ ذلك لم ينقص شيئاً في درجة انخراطهنّ في العملية السياسية، وفي ذكائهنّ في إدارة شؤون الدولة في العالم الإسلامي.

حسب فاطمة المرنيسي في "سلطانات منسيات"، فإنّ رئيسات الدولة في العالم الإسلامي حملن ألقاباً مختلفة، منها "ملكة وسلطانة وحرّة وستّ، بالنسبة للدول الناطقة بالعربية والأمازيغية، بينما حملت النساء المنخرطات في شؤون الدولة في الإسلام الآسيوي، وخاصّةً في الأسر الحاكمة التركية والمغولية، حملن لقب خاتون".

تاريخٌ ذكوري

عندما نطّلع على عدد النّساء اللواتي انخرطن في العملية السياسية في العالم الإسلامي، حيواتهنّ، مقاومتهنّ، وقيادتهنّ لجيوشٍ بكاملها، يُطرح سؤالٌ مهمّ حول سبب تغييبهنّ عن التاريخ الرّسمي للدول، وتجاهل المؤرّخين في العالم الإسلامي لهنّ.

زينب النفزاوية زوجة الأمير والقائد يوسف بن تاشفين 
زينب النفزاوية زوجة الأمير والقائد يوسف بن تاشفين  (TRT Arabi)

التفسير الأول والبديهي الذي يتبادر إلى الذهن هو أنّ أغلب المؤرّخين في العالم الإسلامي كانوا رجالاً، كتبوا التاريخ بعينٍ ذكورية. هذا الطّرح تسنده مونية الطراز، الباحثة المغربية في قضايا المرأة والدراسات القرآنية، إذ تعتبر أنّ "التاريخ الرسمي وغير الرسمي لم ينصف النّساء جملةً وفي كلّ الميادين، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية"، مؤكّدةً في تصريحها لـTRT عربي أنّ "التاريخ ليس إلا رجالاً مدونين نقلوا الواقع، لكنّهم في الغالب، كانوا يتأطرون بثقافة البيئة التي يعيشون فيها، وهي بيئةٌ لم تكن تعتبر المرأة أهلاً للقيادة والعلم".

وتسترسل الطراز "هذا الأمر لم يكن مقتصراً على العالم الإسلامي، بل يشمل كلّ الشعوب والأوطان التي كانت تنظر إلى المرأة نظرةً دونية ولا تساويهنّ بالرّجال، بل حتى ولو حقّقت امرأةٌ نجاحاً ما، نُظِر إليه كشيءٍ لا يستحقّ الذكر".

ويتفق محمد التهامي الحرّاق، الباحث المغربي في الإسلاميات والتصوف، مع هذا الطرح، مُعتبراً أنّ "التاريخ تناسى الأسماء النسائية لأنه كُتب بنفسٍ ذكوري، ولا نكاد نعثر على نساءٍ مؤرّخات بإمكانهنّ كتابة التاريخ من زاويةٍ نسائية".

ما الذي تغير؟

كيف استطاعت النساء أخذ السلطة في أوساطٍ كانت فيها هذه الأخيرة مهمّة الذكور؟ ولماذا فشلت النساء في العصر الحديث في الوصول إلى السلطة، بالرغم من وجودهنّ في المجال العامّ؟ ما الذي تغير؟

يُجيب التهامي الحرّاق في تصريحه لـTRT عربي "صحيحٌ أنّ شروطاً كثيرة تغيّرت اليوم، وأنّ التعليم أصبح متاحاً للإناث كما للذكور، وأنّ فرص التكوين أصبحت متكافئة، وأنّ الكثير من النساء أثبتن تفوّقهن ومنافستهنّ للرّجال في مختلف التخصّصات... بل حتى منطق الاقتصاص في الصراعات تغير، ولم يعد ماديا وعضليا، بل صار يحتكم إلى القانون والقضاء، وهي مؤسسات تشتغل خارج منطق الذكورة والأنوثة، إلا أنّه، في سياقنا، لم تستوعب المجتمعات العربية هذه التحولات بعد، إذ لم تستكمل تحديثها على شتى المستويات الثقافية والقانونية والاجتماعية، بالرغم من تبنّيها لمظاهر الحداثة المادية والمعمارية والتكنولوجية".

التفسير الأول والبديهي الذي يتبادر إلى الذهن لغياب السلطانات عن التاريخ الإسلامي هو أنّ أغلب المؤرّخين في العالم الإسلامي كانوا رجالاً كتبوا التاريخ بعينٍ ذكورية.

ويشرحُ الحرّاق "تملّك مجتمعاتنا للحداثة أداتي، لا تملّك ثقافي وفلسفي وأخلاقي وقانوني، لذلك لم تعرف بعضُها الذهاب بالتعامل الإنصافي مع المرأة إلى أقصى مداه، ولم تحقّق العدل الكامل في فرص التكوين، وبالتالي لم تقطع مع وأد الكفاءات، برفع الوصاية على النساء، والتعامل معهنّ على قدم المساواة مع المواطنين الذكور".

بالنّسبة لوصول النّساء إلى السلطة في وقتٍ كان مفروضاً عليهنّ البقاء وراء أسوار الحريم، فيعتبر المتحدّث نفسه أنّها "حالاتٌ استثنائية، نالتها نساءٌ استثنائيات في ظروفٍ هي كذلك أيضاً".

من جهتها، لا تعتبر مونية الطرّاز انخراط النساء في العملية السياسية قديماً بالأمر الغريب على الإسلام، لأنّ "القرآن الكريم تحدّث بالكثير من التمجيد عن ملكة سبأ، وعن رجاجة عقلها وحسن تدبيرها للأزمة السياسية، كما أنّ النساء بايعن النبي محمد مباشرةً، وعائشة زوجته شاركت في الحروب بعد وفاته، والكثيرُ من الشواهد تبين أن المشاركة السياسية للمرأة لا تعارِض الدين، وليست هناك أي دلائل تشير إلى منع المرأة من تقلّد أي منصبٍ في الدولة مهما علا وارتفع".

يقول الله تعالى في سورة النّمل "إنّي وجدتُ امرأةً تملكهم وأوتيت من كلّ شيء ولها عرشٌ عظيم". هكذا وصف الله ملكة سبأ في القرآن، بإنصافٍ وحياد. بينما أصرّ المؤرّخون المسلمون على دفنِ "البلقيسات الصّغيرات" اللواتي أتين بعدها، أو اكتفوا بذكرهنّ باحتشام.

لذلك، أصبحت النّساء في العالم الإسلامي اليوم، مطالباتٍ أكثر من أي وقتٍ مضى، بإعادة التنقيب في التاريخ، قراءته، وتحليله. ليكسّرن تلك الصورةَ النمطية التي وُضعت أمام أعينهنّ طيلة قرون، لإيهامهنّ أنهنّ غير قادرات على الحكم والتسيير والتدبير، وليثبتن للعالم أنّ ملكاتٍ وقائدات مرَرن من هنا... من العالم الإسلامي.

المصدر: TRT عربي