في دمشق، حتى المقابر ضاقت بالموتى وقصمت ظهور الأحياء. قبورٌ بملايين الليرات، أخرى من طوابق، وأخرى يفوق ثمنها ثمنَ شقة للسكن قبل الثورة.

"ضاقت علينا مقابرنا، وما كنا نحتفي به كإرث تاريخي بينا نحن (الشوام) صار من الماضي. فاليوم ندفن أهالينا خارج العاصمة بعد أن صار الموت ترفاً، وأسعار القبور أغلى من شقق السكن قبل الثورة"، هكذا يختصر أبو محمد أحد سكان دمشق لـTRT عربي معاناتهم الحالية.

أما القصة فهي أبعد من دفن ميت أو إيجاد قبرٍ عابر، وإنما في مجموعةٍ من القوانين الجديدة التي يشتكي منها سكان العاصمة، وآلية تعامل مكتب دفن الموتى ومحافظة دمشق مع مقابرهم التاريخية كمقبرة باب الصغير والدحداح وحتى تلك التي في الأحياء مثل ركن الدين والمهاجرين.

سيف المصادرة

تحت أسماء عِدّة، يُضيَّق على سكان العاصمة وبالتالي يمنعون من دفن موتاهم إلا ضمن شروطٍ يحددها مكتب دفن الموتى. ووفقاً لصحيفة "صاحبة الجلالة"، فقد اشتكى أحد المواطنين من مصادرة القبر المملوك للعائلة بحجّة عدم امتلاكه وثائق رسمية تثبت الملكية، على الرغم من توارث العائلة للقبر منذ عشرات السنين، وهذا ما دفعه إلى دفن ولده في مقبرة أخرى وفي قبر والدته المتوفاة من عدة سنوات.

تحت أسماء عِدّة، يُضيَّق على سكان دمشق وبالتالي يمنعون من دفن موتاهم إلا ضمن شروطٍ يحددها مكتب دفن الموتى
تحت أسماء عِدّة، يُضيَّق على سكان دمشق وبالتالي يمنعون من دفن موتاهم إلا ضمن شروطٍ يحددها مكتب دفن الموتى (Getty Images)

يستند مكتب دفن الموتى في مثل هذه المصادرات إلى تعميمات صادرة من محافظة دمشق، ومنها القرار رقم 1020 الصادر عن المكتب التنفيذي لمحافظة دمشق بتاريخ 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 الذي ينصّ على "تقاضي رسوم تصل إلى 4 ملايين ليرة من أي شخص يحصل على قبر من غير ذوي القربى وفق حكم قضائي تبعاً للغرامة التي قُسِّمت على درجات حسب تصنيف المقابر".

وهنا تكمن المشكلة التي يعاني منها الأهالي في عدم امتلاكهم وثائق الملكية اللازمة، كونهم توارثوها بحكم العادات والشرع، من دون توثيق ولم تكن مطلوبة منهم سابقاً، إنما أوعز بالعمل فيها لإجبارهم على دفع النقود لرشوة المحاكم أو المكتب، ودفن ذويهم خارج مقابرهم.

قبور طابقية

من أجل تخفيف التكاليف الباهظة لشراء قبر في مقبرة "الدحداح" مثلاً، التي تصل إلى حوالي 4 ملايين ليرة سورية، يعمد بعض الأهالي إلى بناء قبر من طابقين يُمَكّنهم من دفن متوفىً آخر من العائلة.

وهذا الطابق له تكاليفه أيضاً، وهي ليست بالقليلة حتى على أولئك الذين كانوا يلقَّبون بالميسورين من أبناء العاصمة.

يعمد بعض الأهالي إلى بناء قبر من طابقين يُمَكّنهم من دفن متوفىً آخر من العائلة تفادياً للتكاليف الباهظة
يعمد بعض الأهالي إلى بناء قبر من طابقين يُمَكّنهم من دفن متوفىً آخر من العائلة تفادياً للتكاليف الباهظة (TRT Arabi)

وفي هذا الصدد، يقول أحد تجار سوق "باب السريجة" لـTRT عربي: "تعوّدنا على دفن موتانا في مقبرة "كفرسوسة"، لكنّ كلفة شراء قبر جديد تعادل مبلغاً كبيراً لا نقدر عليه في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، لذلك كان لا بد من بناء طابق ثانٍ وتقدَّر تكلفته بحوالي 300 ألف ليرة، لا تتضمّن ثمن الشاهدة".

أبو حسن، أحد سكان "حيّ الميدان" يقول بدوره لـTRT عربي، إن "التكاليف ارتفعت بسبب انهيار الليرة السورية، مواد البناء وأجور العاملين في إنشاء القبور الطابقية، وأيضاً سعر الشاهدة... وقد دفعتُ شخصياً 400 ألف ليرة سورية لإنشاء قبرٍ طابقي في مقبرة "كفر سوسة"، وهذا المبلغ كان يشتري بيتاً صغيراً قبل عشر سنوات".

قبور بالملايين

لا يصدّق الدمشقيون الأرقام التي بات عليهم دفعها ثمناً للموت بعد أن ضاقت بهم الحياة، والقبور التي كانت بمبالغ يقدر عليها الجميع باتت وفق مكان المقبرة واسمها، وتحتل مقبرة الدحداح المرتبة الأولى ويبلغ سعر القبر فيها ما بين 4 و7 ملايين ليرة حسب مصادر إعلامية محلية.

وكان موقع (اقتصاد مال وأعمال السوريين) قد نقل عن أحد المصادر المحلية نهاية 2018 بعض أسعار القبور حسب توزع المقابر في العاصمة: "إن ثمن القبر في مقبرة (باب صغير) على سبيل المثال يتراوح ما بين 700 ألف ومليون ونصف مليون ليرة، أما في مقبرة المسيحيين بباب شرقي فتكلفة القبر مليون و200 ألف ليرة، وسعر الدرج في المدفن يتراوح بين 200 ألف و250 ألفاً".

فساد برعاية القضاء

لا تجد محافظة دمشق اليوم أي عناء في صفقات الفساد المعللة قانونياً، ومن أجل هذا ابتدعت مايسمى باستثمار المقابر لبعض المتنفذين من القضاة والمحامين، وطرحت TRT استفساراً حول هذه المسألة مع أحد محامي دمشق (م.ر) الذي أكد ضلوع محامٍ في قضايا فساد المقابر وهي حسب تعبيره صفقات لكي يصمتوا: "هي مصالح متبادلة لشراء ذمم المحامين الذين يحصلون مقابل هذه الاستثمارات على مبالغ فلكية، وهم يدفعون أموالاً رمزية للحصول على موافقات ورخص للاستثمار من المحافظة، والأخيرة بهذه الرخص تقطع على المواطنين طرق الشكوى إلى القضاء".

ثمن القبر في مقبرة (باب صغير) على سبيل المثال يتراوح ما بين 700 ألف ومليون ونصف مليون ليرة
ثمن القبر في مقبرة (باب صغير) على سبيل المثال يتراوح ما بين 700 ألف ومليون ونصف مليون ليرة (TRT Arabi)

بدوره موقع دماس بوست نقل عن أهالي حي الشاغور الدمشقي تأكيدهم قيام هؤلاء المحامين ببيع القبر بين 1.2 و1.5 مليون ليرة، وكذلك إنشاء قبور بأعداد كبيرة في مقابر باب الصغير وآل البيت عند مداخلها وأبوابها الرئيسية.

قبور الريف ليست رخيصة

في ريف العاصمة تبدو الحال مقبولة إلى تاريخه على الرغم من ارتفاع الأسعار، وهذا فقط بالنسبة إلى أبناء العاصمة أما بالنسبة إلى أبناء الريف الذين ينتمون إلى فئات فقيرة من صغار الموظفين والفلاحين فالأمر بالغ الصعوبة، وبمقارنة بسيطة بين التكلفة قبل ثورة 2011 والوقت الحالي فقد تضاعفت تكاليف الدفن عدة أضعاف بعد أن كانت لا تشكل عائقاً، كون الريف يتميز بالتكافل الاجتماعي فيساهم الأقارب والجيران في تخفيف العبء عن أهل المتوفى.

اليوم وبعد الانهيارات الاقتصادية يشكل الموت عبئاً على أهالي الريف فتبلغ قيمة شراء القبر بين 70 و100 ألف ليرة، وهذا مبلغ كبير على من يتقاضى راتباً شهرياً لا يتجاوز 50 ألف ليرة أي حوالي 50 دولاراً.

يقول مجدي.ع مواطن من الريف الغربي لدمشق لـTRT: "أغلب المقابر هنا مملوكة للأوقاف أو بتبرعات من أصحاب الخير وهذا كان يسهل على الناس دفن موتاهم، فمن الممكن أن تترتب عليهم أجرة حفر القبر والمواد الأولية لبنائه وهذه عادة ما يتبرع بها أصحاب الخير، ولكن الحال اختلف اليوم وبسبب زيادة عدد القتلى وضيق المقابر افتتحت مقابر جديدة وهذا يعني مبالغ مالية لم تكن بالحسبان. اليوم تكلفة شراء القبر مع حفره وتجهيزه تقترب من 150 ألف ليرة".

نجها.. مقبرة النظام والمعتقلين

هذه الاسم يعرفه الدمشقيون والسوريون عموماً، فمقبرة (نجها) هي الأرخص في العاصمة إذ يدفن الدمشقيون موتاهم بقيمة لا تتجاوز 100 ألف ليرة منها 75 ألف ثمن شرائه، وأما بقية المبلغ فتكفي للبناء والشاهدة وفق أسعار المنطقة، وزينة القبر وفق الإمكانيات المالية لأهل المتوفى.

الأمر الأهم في حكاية المقبرة هو مثوى قتلى النظام في حروبه الممتدة منذ عقد تقريباً، وكذلك يدفن فيها المعتقلون الذين قضوا تحت التعذيب
الأمر الأهم في حكاية المقبرة هو مثوى قتلى النظام في حروبه الممتدة منذ عقد تقريباً، وكذلك يدفن فيها المعتقلون الذين قضوا تحت التعذيب (Getty Images)

لكن الأمر الأهم في حكاية المقبرة هو مثوى قتلى النظام في حروبه الممتدة منذ عقد تقريباً، وكذلك يدفن فيها المعتقلون الذين قضوا تحت التعذيب وفق روايات مختلفة عن أهالي المعتقلين.

كما أن عمال المقبرة كانوا قد اتهموا بنبش ودفن لجثث من دون شهادات وفاة وهذا ما نقلته صحيفة (الوطن) -المملوكة لرامي مخلوف رجل الأعمال قريب بشار الأسد- عن مدير أوقاف ريف دمشق.

انتقام القبور

آخر انتهاكات قوات النظام ومليشياته هي تلك الصور التي جرى تناقلها عن نبش المقابر في بلدات مدينة إدلب وريفها وقراها إذ لا تزال المعارك تجري بضراوة، وما أظهرته من حجم الحقد على السوريين الذين وقفوا في وجه تسلط النظام وأزلامه، ومدى استهتار هذه المليشيات بحرمة الموت والأعراف الإنسانية التي تحظر مثل هذه الأفعال الوحشية التي ترقى إلى مستوى جرائم الحرب.

المصدر: TRT عربي