أنْ يخطئ الشخص، فهذا أمر مفروغ منه وطبيعي. لكن لماذا يرتكب الكثيرون منا نفس الأخطاء مراراً وتكراراً على الرغم من وعيهم بأنها أخطاء يجب عليهم تجنّبها والابتعاد عنها ومعرفتهم المسبقة، ربما، لعواقبها السلبية وتبعاتها غير المحمودة؟

ينطبق تكرار الأخطاء على الكثير من الأمور، بدءاً من التجاوزات الصغيرة مثل الإكثار من الطعام غير الصحي أو سلوكيات التسوق غير المدروسة، نشتري أشياء لا نحتاجها على الرغم من أننا اتخذنا قراراً أننا لن نفعل ذلك مجدداً. أو مثل التورّط في علاقة نعرف أنها ستنتهي بطريقة سيئة. إضافة إلى السلوكيات الخطرة والعنيفة مثل الإدمان وتعريض النفس لعنف شخص آخر، وهكذا.

لا بد أنك مررت بموقف مشابه لهذه الأمثلة، وسألت نفسه أثناءه أو بعده: لماذا أكرر ما اتخذتُ قراراً بعدم تكراره قبل مدة؟ لماذا لا أستطيع ضبط نفسي وأمنعها عن هذا الآن؟ يقدّم لنا علم النفس إجابات محتملة لهذه الأسئلة.

التحيّزات المعرفية: عقلك يميل إلى السهولة والكسل

قد نظن في كثير من الأحيان أننا واعون لقراراتنا وسلوكياتنا، لكنّ الحقيقة هي أن الإنسان معرّض دوماً للانزلاق نحو القرارات السريعة وغير الواعية. هذه واحدة من الطرق التي يعمل بها الدماغ. فهو يميل إلى أسلوب متحيز في الأفكار والسلوكيات والأفعال يمنعه من التفكير بوضوح فيما يفعله أو من اتخاذه لقرارات دقيقة وصحيحة.

في علم النفس الإدراكي، تُعرف هذه الآلية باسم "الانحيازات الفكرية"، وهي مجموعة من الأساليب التي يلجأ إليها الدماغ وتؤدي إلى أخطاء في التفكير والسلوكيات نتيجة ميلنا إلى كسل في التفكير والتعامل مع العالم من حولنا، ما يؤدي إلى وقوعنا في فخ الأخطاء وتكرارها. يعتمد ذلك على الكثير من العوامل بطبيعة الحال. أهمها أن الدماغ لا يميل دوماً إلى التفكير العميق في كل قرار سيأخذه، فهو يبحث عن الأبسط ويعتمد على اختصارات عقلية تمكّنه من التصرف بسرعة من دون بذل جهد عقلي أو صرف مزيد من الوقت على ذلك.

هذا الكسل المعرفي مفيد لنا أحياناً، نظراً إلى الكم الهائل من المعلومات التي نتعرّض لها يومياً فقد يكون من الأسهل علينا اللجوء إلى الاختصارات. إلا أنها قد تؤدي أيضاً إلى أخطاء في التفكير والقرارات. علاوة على ذلك، يمكن أن تساهم الضغوط الاجتماعية والدوافع الفردية وعواطفنا الذاتية على معالجة تلك المعلومات وتوقعنا في فخّ الأخطاء.

قد نظنّ في كثيرٍ من الأحيان أنّنا واعين لقراراتنا وسلوكيّاتنا، لكنّ الحقيقة هي أنّ الإنسان معرّضٌ دومًا للانزلاق نحوَ القرارات السريعة وغير الواعية
قد نظنّ في كثيرٍ من الأحيان أنّنا واعين لقراراتنا وسلوكيّاتنا، لكنّ الحقيقة هي أنّ الإنسان معرّضٌ دومًا للانزلاق نحوَ القرارات السريعة وغير الواعية (Getty Images)

واحدة من تلك الانحيازات تُعرف باسم "الانحياز التأكيدي"، وهو ميلنا إلى البحث عن المعلومات والوصول إلى الاستنتاجات التي تؤكد الأفكار الموجودة لدينا مُسبقاً، بدلاً من البحث عن المعلومات الجديدة غير المتحيزة التي يمكن لها أن توصلنا إلى الحقيقة.

خذ هذا المثال لتتضح الفكرة أكثر: لنفترض أنك دخلت حواراً مع صديقك الذي يدخن بشراهة عن آثار التدخين ومخاطره. ربما ستسمع جواباً مثل: "أدخن منذ فترة طويلة ولم يحدث لي شيء" أو: "أبي يدخن منذ سنين وهو بخير وبصحة جيدة". في هذه الحالة استنتج صديقك أن التدخين ليس مضرّاً من خلال استخدام أحد الأدلة المحدودة التي تتوافق مع سلوكه لمواجهة أية حقائق أخرى تؤكد على نطاق واسع أن التدخين مضر ويهدد الصحة.

الكثير من التحيزات المعرفية نقع فيها، منها أيضاً "تحيز الجماعة" وهو ميلنا إلى موافقة كل ما له علاقة بالمجموعة التي ننتمي إليها بغض النظر عن مدى صحته. أو "تحيز اللحظة الحالية" وهو تركيزنا على اللحظة الراهنة من دون التفكير في المستقبل. وهذا يرجع أساساً إلى عجز الشخص عن تخيّل نفسه في المستقبل وتغيير سلوكياته وفقاً لتخيّله. ستخبر نفسك بأنك ستستمتع باللحظة الآنية فيما ستُرجئ تفكيرك بالتغيير إلى وقت لاحق.

في واحدة من الدراسات، طلب الباحثون من المشاركين اختيار قائمة الطعام التي سيأكلونها في ذلك اليوم، والقائمة التي سيختارونها للأسبوع القادم. اختار 74% من المشاركين قائمة تحوي أطعمة صحية للأسبوع القادم. ولكن عندما كان اختيار الطعام لليوم الحالي، وقع اختيار 70% منهم على الشوكولاتة وغيرها من الأطعمة غير الصحية. هذا يُخبرنا بأننا نتعامل مع قراراتنا وكأنها تتعلّق فقط باللحظة الحالية من دون أن نفكّر بأثرها على المستقبل القريب أو البعيد.

كيف تتخلص من تحيزاتك؟

في حديثها مع TRT عربي ترى الباحثة في علم النفس نور نجيب أن الانحيازات المعرفية هي مجموعة من طرق التفكير في العالم وفهمه. لكنها قد لا تشير إلى الحقيقة في كثير من الأحيان. فكل شخص منا لديه رؤيته الخاصة عن العالم التي تستند إلى مفاهيمه وأفكاره وتجاربه المسبقة. وهذا ما يجعله معرّضاً للوقوع في فخ تكرار تلك الانحيازات والأخطاء التي ترتبط بها.

لنفترض أنك تعي أن تدخينك أو أكلك الشره أو هوسك بالشراء هي جميعها أخطاء تريد التوقف عنها، لكن بمجرد أن يمارسها أصدقاؤك فستشعر بضغط نفسي وانجرار لممارستها تماشياً معهم.

نور نجيب، باحثة في علم النفس

وتشير نجيب إلى أن الكثير من المدرسين والممارسين لعلم النفس يحذّرون من جميع الانحيازات، لكنْ ربما أكثرها خطراً هي الانحياز للجماعة، وهي رغبتنا في أن نكون جزءاً من مجموعة نحصل منها على التأكيد الذاتي. وتضرب نجيب مثالاً: لنفترض أنك تعي أن تدخينك أو أكلك الشره أو هوسك بالشراء هي جميعها أخطاء تريد التوقف عنها، لكن بمجرد أن يمارسها أصدقاؤك فستشعر بضغط نفسي وانجرار لممارستها تماشياً معهم.

سألنا نجيب: "كيف يمكن للشخص أن يعي انحيازاته ويحاول تجنّبها"، فأشارت إلى أن الخطوة الأولى تتضمن تجميع المعلومات عن سلوكياتك وأفعالك الخاطئة التي تريد تصحيحها أو التخلص منها. ثم حاول تأمُّل الانحيازات التي تجعلك تقوم بها، هل تقوم بها لأنك تؤمن بفكرة مسبقة عنها؟ أو لأنك تتعامل معها كأنها لحظية فقط؟ أو لأنك تنساق مع عائلتك وأصدقائك وزملائك؟

لاحقاً يأتي دور المحاولة. تنصح نجيب بضرورة محاولة البحث عن أفكار وتقديرات جديدة تتعلّق بأخطائنا والتفكير العميق في المستقبل على أنه جزء من حاضرك. فكل ما تقوم به الآن سينعكس على مستقبلك بشكل أو بآخر، وفكرتك أنك تستطيع التخلص من أخطائك وقتما تشاء قد تزيد حدّة تلك الأخطاء ما دمت لم تباشر العمل عليها في الوقت الحالي.

من جهة ثانية، يُضيف الطبيب النفسي والمعالج السلوكي سامي سعد لـTRT عربي أن العديد من النظريات تبحث في طرق تغيير السلوكيات الخاطئة وفي أسباب انتكاساتها وتكرارها. واحدة من أهمها تعود إلى سبعينيات القرن الماضي تُسمّى نموذج نظرية التغيير أو transtheoretical model.

يقوم مبدأ هذا النموذج، وفقاً لسعد، على ست مراحل من التغيير قبل أن يصل الشخص إلى المرحلة الأخيرة من التغيير الفعلي. أما المراحل فهي: مرحلة ما قبل التأمل، مرحلة التأمل، مرحلة الإعداد، مرحلة العمل، مرحلة الالتزام، ثم مرحلة الانتكاس. يُشير سعد إلى أن العلاج السلوكي يعتمد هذه المراحل ويضعها تحت الاختبار دوماً. ويمكن لأي شخص الخضوع لها وحده لكن على أن يعي أن عليه مراجعة الكثير من أفكاره وافتراضاته وطحنها حتى يستطيع الوصول إلى التغيير الذي يرغب فيه ويصل إلى نقطة لا يستمر فيها السلوك الخاطئ، أي لا يحدث فيها انتكاس.

إذن تكمن الخطوة الأولى في أي تغيير في قدرتنا على التأمل والاستعداد لتغيير السلوكيات الخاطئة وعدم تكرارها من خلال استيعاب مساوئها ومخاطرها وإعادة النظر في منافعها وتبعاتها. ثم العمل على التغيير شيئاً فشيئاً لكن بوعي ذاتي عميق ومراقبة للنفس وفي أحيان كثير مع حاجةٍ إلى الدعم والمساندة من آخرين تثق فيهم حولك.

المصدر: TRT عربي