محاكمة سبعة شيكاغو (IMDb)

لا يهم اسم الفيلم كثيراً، المهم هو موعد ومكان عرضه.

لا يهم اسم الفيلم كثيراً، ما يهم هو هل ستشاهده أم لا؟

لا يهم اسم الفيلم كثيراً، لقد كُتب وصُور وعُرض بالفعل.

لا يهم اسم الفيلم كثيراً، فقد شاهدته واستمتعت به أو ربما كرهته بالفعل.

ربما يكون هذا هو مختصر الفكرة التي يرغب فيلم محاكمة سبعة شيكاغو في عرضها.

في واقع الأمر لا يهم هذا كثيراً، المهم أن الفكرة موجودة في الفيلم.

لقد ترشح الفيلم لخمس جوائز في جوائز الغولدن غلوب Golden Globe لهذا العام، وحاز عن استحقاق آرون سوركين Aaron Sorkin كاتب ومخرج الفيلم جائزة أفضل سيناريو، بالإضافة إلى ترشحه لست جوائز أوسكار Oscar من بينها جائزة أفضل فيلم. والفيلم يحكي قصة محاكمة حقيقية شهيرة باسم محاكمة سبعة شيكاغو The trial of the Chicago seven وهو ذاته اسم الفيلم، حاكمت هذه المحاكمة ثمانية زعماء معارضين ذوي ميول يسارية على اختلافها بتهمة عبور حدود ولايات أمريكية بغرض التآمر على الدولة، وكما لاحظت عزيزي القارئ فـ"محاكمة سبعة شيكاغو" حاكمت ثمانية أشخاص وليس سبعة، هكذا يستهل الفيلم فكرته الأساسية بعنوانه المباشر والبسيط الذي يكفي وحده للتعبير عن كل ما يرغب الفيلم في التعبير عنه.

الفن والتاريخ

قبيل مناقشة الفيلم، وبسبب الهيمنة غير المسبوقة لوسائل الإعلام على الوعي العام، أشعر أنه من الضروري الإشارة إلى موقع الفيلم والإعلام من الثقافة. الفيلم كما هو واضح من النوع التاريخي، وتقديم الفيلم لنفسه بهذا الوصف يضع المشاهد في موقع من يشاهد تاريخاً حقيقياً ويعتمد على الأحداث التي يرويها الفيلم كأنها ما حدث بالفعل، لكن على الرغم من أن الكثير من أحداث الفيلم نُقلت بدقة فإنني أرى بشكل شخصي أنه يجب إيضاح أن الدقة التاريخية للفيلم ليست، ولا يجب أن تكون، محل اهتمام كبير، ولا يجب أن تكون القنوات الإعلامية على اختلاف أنواعها مصدراً للثقافة.

الفيلم كما هو واضح من النوع التاريخي، وتقديم الفيلم لنفسه بهذا الوصف يضع المشاهد في موقع من يشاهد تاريخاً حقيقياً (IMDb)

نلاحظ في الفيلم، وفي أمثاله من الأفلام التاريخية، وجود عدد من التفاصيل التي يمكن الجزم بخطئها، وسنلاحظ أيضاً عدداً هائلاً من التفاصيل التي يمكننا الجزم أنه لا توجد طريقة تتيح لنا أو لصنّاع الفيلم معرفة ما إن كان هذا ما حدث بالفعل أم لا. كأن يحكي الفيلم قصة اختلاء شخصية بنفسها والتفكير لوهلة في ما مر به حتى اغرورقت عيناه بالدموع، لكنه قاوم البكاء وعاد مرة أخرى إلى ما كان يقوم به. فهذا النوع من التصوير والحكاية لا يمكن اعتماده بوصفه تاريخاً، وهذه هي طبيعة صناعة الأفلام وإنتاج الأعمال الفنية بصفة عامة. تمثل الأفلام وغيرها من الأعمال الفنية وسيطاً لمناقشة فكرة، وما يهم في هذه الحالة هو مناقشة جودة الوسيط ذاته كأن نناقش جودة التصوير مثلاً، ومناقشة الفكرة التي يرغب صانع العمل الفني في إيصالها.

يعرض الفيلم، على سبيل المثال، مشهداً يقوم فيه اثنان من النشطاء بحضور جلسة المحاكمة وهما يرتديان زي القضاة، ممَّا يتسبب في ضحك الحضور وإزعاج القاضي، لذلك يطلب منهم القاضي خلعه، وعندما يقومان بذلك يُفاجأ الجميع بكونهم يرتديان زي الشرطة تحته فيزداد الضحك. لكننا ببحث سريع عن هذا الحادث سنجد أن النصف الأول من القصة حقيقي، فقد حضر هذان الناشطان بزي القضاة بالفعل لكن لم يكن أسفل منه سوى ثياب مدنية عادية. نفهم من هذا أن المخرج يرغب في تأكيد كيفية رؤية هذين الناشطين للمحاكمة بوصفها محاكمة هزلية وقيامهما بالسخرية منها، وبالبحث سنجد أن هذا صحيح، لكن لا يجب أن نرى أحداث الفيلم بوصفها نقلاً لحقائق.

بساطة المنطق وإرباك الواقع

يبدأ الفيلم بمونتاج يجمع عدداً من المشاهد المختلفة للأبطال الثمانية الذين سيخضعون للمحاكمة فيما بعد، كل واحد من هؤلاء الأبطال يخاطب جمهوره أو أهله أو أصدقاءه عن أهمية الذهاب إلى شيكاغو للتظاهر أمام المؤتمر الذي يعقده الحزب الديمقراطي، مطالبين بإيقاف الحرب على فيتنام، فيقول أحد الأبطال: "يجب ألَّا نقوم بأية أعمال.."، ثم ينقطع المشهد فجأة لينتقل إلى شخص آخر يقول: "..عنيفة، ولكن في حالة مواجهة الشرطة يجب أن.."، ثم يتوقف المشهد وينتقل فجأة إلى شخص آخر يقول: ".. نغني بسعادة". بعد فترة من المشاهدة يصبح هذا التنقل العنيف مربكاً، فلم يعد من الممكن التيقن من موقف كل واحد من المتهمين، مَن مِنهم يرغب في الغناء ومَن يرغب في التظاهر ومَن مِنهم معترض على المشاركة أصلاً، يفقد هذا التتابع العنيف الكلام معناه وقيمته، بل ربما يُشعِر المشاهد بالإزعاج وبعدم أهمية متابعة ما يقال، وهو ما يمثل الواقع بالفعل، فمع تباين نيات الشخصيات فإن ما حدث قد حدث.

يرى أحد الأشخاص أن التفاعل العنيف مع الشرطة سيضر بالفكرة التي يحملونها لأن ذلك يصورهم مجموعةً إرهابية (IMDb)

يرى أحد الأشخاص أن التفاعل العنيف مع الشرطة سيضر بالفكرة التي يحملونها لأن ذلك يصورهم مجموعةً إرهابية، وهو منطق سليم ومتماسك بالفعل، إلا أن شخصاً آخر يعتقد أنه يجب أن يتظاهر الجميع بشكل سلمي، ولكن إن بدأت الشرطة بالعنف أصبح العنف من قبل المتظاهرين حقاً ودفاعاً عن النفس، وهو أيضاً منطق متماسك وسليم، كذلك المنطق القائل إن الثورة يجب أن تكون ثقافية تغير من أفكار الناس وليس من خلال مواجهات مع أجهزة الدولة لأنها ستنتهى إلى العنف لا محالة، لكن كل هذه الأفكار السليمة المتسقة منطقياً لا يمكنها إلزام الواقع بشىء، والواقع غير مضطر إلى التزام أي مسار يرغب فيه أي من الأطراف المشاركة.

يتبع هذا المشهد المتفرق مشهد بسيط ومباشر يحدث بعد عام من هذه الأحداث، يحكي فيه المدعي العام لمحامٍ أنه بسبب خلاف سياسي مع خليفته في المنصب فهو يرغب في محاكمة مجموعة من النشطاء السياسيين، مستخدماً قانوناً يجرّم عبور حدود الولايات الأمريكية بغرض التآمر ضد الدولة. يتضح لنا أن المحاكمة ليس لها معنى حقيقي بل مجرد وسيلة لرد الإهانة للمدعى العام السابق، وعندما يعرض المدعي العام على المحامي القانون الذي يرغب في استخدامه يوضح المحامي أن هذا القانون هو قانون عنصري وضِع في الماضي لتقييد حركة مجموعة من النشطاء السياسيين ذوي الأصل الإفريقي، لكن المدعي العام يقاطعه قائلاً لا يهمنا ما هو سبب وضع القانون ما يهمنا أنه موجود ويمكننا استخدامه، هكذا يعبّر آرون سوركين مرة أخرى ولكن بشكل أكثر مباشرة عن فكرته، لا يهم ما يقال ولكن ما يمكن فعله.

لا يحتاج المقام إلى ما يقال

يعتمد إخراج الفيلم على التنقل بين مشاهد من واقع ما حدث بالفعل وبين الرواية التي يحكيها الشهود الموالون للشرطة، أو الحكومة والشهود الموالون للمتهمين، وبين مشاهد من عرض مسرحي يقوم به آبي هوفمان أحد المتهمين ليحكي فيه روايته عن الأحداث، لنجد تطابقاً في الرواية في جميع الحالات، لم يكن الانتقال بين المشاهد المختلفة في الفيلم للمقارنة بين الروايات المختلفة لنفس الحدث، ولكن لتأكيد أن الحدث واحد، والجميع يروي نفس القصة، لكن رواية الأحداث لا تؤثر على الواقع، فالواقع الفعلي يسير بقوة دفع مختلفة، وهي الضغينة السياسية التي أقامت القضية في المقام الأول، هكذا لا يهم كثيراً ما يقوله المتهم أو الشاهد، ولا محامي المتهم أو المدعي، ما يهم هو ما يحدث لا ما يقال، وما يحدث هو استخدام الدولة لأجهزتها في معاقبة مجموعة من الأشخاص.

يعتمد إخراج الفيلم على التنقل بين مشاهد من واقع ما حدث بالفعل وبين الرواية التي يحكيها الشهود الموالون للشرطة (TRT Arabi)

نلاحظ هذه الفكرة على مستوى القصة نفسها فالمحاكمة أقيمت ضد النشطاء السياسيين الذين تزعموا المظاهرات وهم سبعة نشطاء، لذلك سميت محاكمة سبعة شيكاغو، إلا أن المحاكمة ضمت ثمانية أشخاص، أحدهم هو بوبي سيل Bobby Seale وهو من لم يشارك في المظاهرات أو يدعو لها وإنما حضر لإلقاء محاضرة ثم رحل، حتى إن المحامي الذي يمثل المتهمين السبعة لم يكن يمثل بوبي الذي حضر من دون محاميه الخاص لمرضه، لكن القاضي لم يهتم لعدم وجود تمثيل قانوني للمتهم واستمرت المحاكمة بشكل طبيعي رغم عدم منطقية ذلك، وتستمر القصة بهذا الأسلوب يقال فيها ما يقال، ويحاول المتهمون التملص من التهم وإثبات براءتهم دون أن يؤثر أي من هذا على مجرى المحاكمة.

أبدع آرون في تأكيد فكرته تلك في كتابته للمشاهد نفسها، فسنلاحظ أن وقتاً طويلاً نسبياً من بداية المحاكمة يُقضى في نطق القاضي لأسماء المتهمين والمحامين نطقاً خاطئاً أو الخطأ في الاسم نفسه، ليقوم المعني بالذكر بذكر الاسم أو النطق الصحيح، فيعود القاضي إلى ذكر الاسم مرة أخرى، مؤكداً مرة أخرى أن الأسماء لا تهم، وبينما يحدث كل هذا الخلط في الأسماء يقاطع القاضي المدعي حتى يؤكد وجود شخصين مختلفين يدعيان هوفمان، القاضي ذاته والمتهم آبي هوفمان، وهو الأمر الذي يرد عليه آبي ساخراً بقوله: "لا أظن أن أحداً سيخلط بيننا"، مؤكداً عدم أهمية الاسم فكل واحد منهما يمثل نقيضاً متطرفاً للآخر. ولن يتوقف آرون عند المشاهد المهمة أو المركزية للقضية والتي يمكن تتبعها تاريخياً بل سيستمر في عرض فكرته كلما تسنى له الأمر.

لاحقاً سيتمكن المدعي من التخلص من اثنين من المحلفين يعلنان ميلهما تجاه المتهمين، وسيقوم القاضي باتخاذ إجراء عزل لجنة المحلفين بالكامل حتى لا يمكن التواصل معهم، وهي مشكلة مفصلية تضر بقضية المتهمين، لذلك سيعبر المتهمون عن سخطهم الشديد ممَّا تؤول إليه الأحداث. وبينما يحدث ذلك يستخدم أحدهم ألفاظاً نابية، وسيقول آخر دعونا نستخدم لغة نظيفة، وهو التعليق غير المهم والذي لا يهتم به أي من المتحدثين. يبدو أن آرون قام بإدماج هذا التعليق الهامشي غير التاريخي وغير المهم في سير المشهد فقط لتأكيد فكرته أن الكلام لا يهم.

تكمن جودة العمل الفني في اختياره لفكرة محددة ومناقشتها ثم تأكيدها وعرضها بقوة من مختلف الزوايا وجميع الاحتمالات الممكنة، وهو ما لم يدخر آرون وسعاً في فعله. وقد استطاع الفيلم أن يعرض فكرته على جميع مستويات الفيلم، بدءاً من الكتابة على مستوى المشاهد المنفردة، مروراً بتكوين القصة الكاملة حتى إخراج الفيلم في شكله المتكامل. لقد قام آرون بالتعبير عن فكرته بأسلوب شديد الاتساق والقوة في فيلم تتضاءل فيه جميع جوانبه بجانب قوة نصه، وعلى الرغم من احتوائه على عدد من نجوم التمثيل وقيامهم بأداء ممتاز في الفيلم فإن كل هذه العوامل لا يمكنها أن تنافس تأثير النص الذي كتبه آرون على تماسك وجودة المنتج النهائي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً