لوحة تصور معركة إيسلي (1844) (Others)

دخل الاستعمار الفرنسي الجزائر سنة 1830، بعد أن كشر أنياب مطامعه في ذلك منذ الحقبة البونابارتية، مستغلًا وهن البايات ومتذرعًا بـ "حادثة المروحة" الشهيرة، ليشن حملته الكاسحة على البلاد بجيش قوامه 37 ألف مسلحين بأحدث العتاد، وأسطول بحري يدكّ بالمدفعية المواني الجزائرية.

فيما لم يبقَ أصحاب الأرض ساكنين إزاء هذا الانتهاك، هكذا قامت قومة الجزائريين في حركات مقاومة، أبرزها التي قادها الأمير عبد القادر ودامت لخمسة عشر عاماً ضد المحتلّ. في خضم ذلك لم يجد الأمير المذكور من عزوة وسند إلا في أشقائه بالمغرب، وسلطانها الذي احتضنه وسلّحه، الأمر الذي أثار عليه هجوم الفرنسيين، الذين لاقاهم في موقعة إيسلي فعاد منكوباً، وكانت تلك فاتحة دخول الأجنبي إلى بلاد "المغرب الأقصى".

أواصر الجهاد ضد الاستعمار بين الجزائر والمغرب

فلما اشتدّ وطيس الحرب على الأمير عبد القادر، ونقض قوات الاحتلال الفرنسي هدنة تلو هدنة، عائثين في القرى تقتيلاً واستباحة، لم يلقَ الأمير الثائر سوى الاستغاثة بالسلطان المغربي آنذاك عبد الرحمان ابن هشام، الذي لم يجد عنده إلا السند والدعم الذي يجب للشقيق على شقيقه.

وليست هي المرة الأولى التي يستنجد فيها أهل الغرب الجزائري بالسلطان المغربي، فقبلها بسنوات قلائل قدم أهل تلمسان على السلطان المغربي بفاس طالبين منه المدد في فتنة وقعت بينهم وبين الحكم المركزي، بل وهجروا تلك الأراضي ليستوطنوا شرق المغرب، بمدينة وجدة ونواحيها، مقدمين البيعة للسلطان عبد الرحمان. يصف الناصري تلك الواقعة في "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى" قائلًا: "لم يبقَ لباشا الترك من يتكلَّم معه، فضلاً عن أن يتأمَّر".

غير أن السلطان ارتأى رفض البيعة وإصلاح ذات البين، بعد أن أكرم وفادة أهالي تلمسان وأغدق عليهم بالرزق لمعيشهم اليومي حتى "كان عطاؤه إياهم كالراتب المفروض، وعالج داءهم مع الترك إلى أن خصبت بلادهم ورخصت أسعارهم فتراجعوا حينئذ إلى أوطانهم، وكتب السلطان إلى الباي في شأنهم بالعدل وحسن السيرة" حسب نفس المصدر.

أما الأمير عبد القادر فقد "ذكر أكثر من مرة في مراسلاته مع العاهل المغربي قيمة الإمدادات المتنوعة التي وردت إليه من فاس ونوه بها، بل أكد أنه حمل لواء الجهاد للدفاع عن بيضة المسلمين كخليفة للملك العلوي"، حسبما يقول كتاب "تاريخ وجدة أنكاد في دوحة الأمجاد" لصاحبه الدكتور عبد الحميد العلوي. وبالتالي فإن تمويل جيوش الأمير عبد القادر من سلاح وخيول حرب وعتاد كان من المغرب، "بل كان بفاس مبعوث من الأمير عبد القادر يتولى دور السفير لدى المخزن السلطاني" حسب الكتاب نفسه.

ما قبل المعركة

كل هذا الود بين الأخوين سلطان المغرب وأمير الجزائر، والعهد بينهما على الجهاد ومقاومة الغزاة، لم يترك للفرنسيين الذين أحسوا بقوة هذه اللحمة وتهديدها لبقائهم، من بد للانتظار أكثر مكتوفي الأيدي. وتزامن ذلك مع تقهقر المقاومة الجزائرية سنة 1843 إلى شرق المغرب، وتحصن الأمير عبد القادر وجنوده في جبال بني زناسن المحيطة بمدينة وجدة المغربية، معتمدين في الإعداد لهجمة عكسية على إمدادات السلطان المغربي الآنف ذكرها.

فلم يحتج القادة الفرنسيون من ذريعة أخرى لاختراق الحدود المغربية ومطاردة المجاهدين الجزائريين على أراضيها، مما استنفر حمية السلطان المغربي، وأيقظ غيرته إثر هذا الاعتداء، فبعث بمحلته بقيادة ابنه محمد متوجهاً إلى الشرق في جيش تقول مصادر التاريخ إن تعداده بلغ 22 ألفاً بين فارس ومقاتل. وأعلن الجهاد كاتباً لولي عهده بالأمر: "فلتكتب لعمال الثغور وعمال القبائل الموالية لها بإظهار القوة الإسلامية والجيوش الإيمانية وعمارة السواحل بالخيل والرماة، فإن ذلك مما يقوّي سواد المسلمين ويفتّ في أعضاد الكافرين" (المصدر: إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، عبد الرحمان بن زيدان).

في المقابل، عمدت فرنسا إلى التمويه والمناورة فقصفت ثغرَي طنجة والصويرة المغربيين من البحر، كما أعدت هي الأخرى جيشاً، غير أن تعداده كان يساوي نصف تعداد المحلة السلطانية. وتقدمت القوات الفرنسية في نصفها من تلمسان إلى مدينة لالة مغنية، التي تبعد عن وجدة الحدودية بنحو 30 كيلومتراً، فأقامو فيها قاعدة أمامية محصنة بخندق عرضه أربعة أمتار ونصبوا عليها ثمانية مدافع، وكانت مهمة تلك القاعدة استطلاع تحركات المغاربة.

في 16 أبريل/نيسان 1844، أمر السلطان قائد محلته بوجدة بمواجهة العدوان الفرنسي بحزم وقوة، وعدم المفاوضة في أمر الأمير عبد القادر. فيما استمرت القوات الفرنسية في مهاجمة القرى المغربية ونهب محاصيلها، مما أثار تذمُّر الأهالي وزاد حنق السلطان. وبعث القائم بأعمال فرنسا في الجزائر، الماريشال بيجو، لعامل وجدة يخبره: "سيكون لي الحق في التدخل في أرض سيدك لإحراق المدن والقرى والمحاصيل الزراعية (...)، وسأكتفي بدخول وجدة لأقنع القبائل المهاجرة (الجزائرية) بأنها في قبضتي في كل مكان، وبأنني قادر على إرجاعها إلى الطاعة بشتى الوسائل" (المصدر: مراسلات خاصة ووثائق الماريشال بيجو).

أواسط يوليو/تموز 1844 توجهت المحلة السلطانية بقادة ولي العهد محمد بن عبد الله، من مراكش إلى وجدة في الشرق، حاملةً خلال مرورها بالحواضر والقبائل متطوعين إلى أن بلغ تعدادها 22 ألفاً. غير أن التعليمات الموجهة إليه كانت بعدم التسرع، لكون السلطان في مباحثاته مع حكومة باريس على وشك عقد اتفاق بموجبه يحلّ النزاع مقابل عزل الماريشال بيجو ومعاقبة القادة الذين هاجموا الفرنسيين، دون أن يتضمن الاتفاق تسليم المهاجرين الجزائريين.

نكبة إيسلي

في 6 أغسطس/آب 1844 راسل الماريشال بيجو الأمير المغربي قائلًا: "إنها المرة الأخيرة التي ألتمس منك رداً شافياً، وصريحاً حول إبعاد عبد القادر من المنطقة. وإن لم أتوصل بالرد الشافي في ظرف أربعة أيام فسأتقدم بجيشي لأطالب به" (المصدر: مراسلات خاصة ووثائق الماريشال بيجو).

لم يرد الأمير على ذلك المطلب، وفي يوم 14 آب/أغسطس 1844 تقدمت جيوش الماريشال بيجو في جنح الظلام نحو وجدة، وعسكرت على مرتفع يطلّ على وادي إيسلي، يبعد نحو 5 كيلومترات عن المدينة، حيث كانت تتمركز طلائع الجيش المغربي. إثر تقابل الجيشين قرر الفرنسيون شنّ هجوم سريع على المغاربة في قعر الوادي، فانقضّ الفرسان المغاربة وسط التكبير والتهليل لمنعهم من الوصول إلى ذلك الموقع.

غير أن فرق العدو تقدمت نحو منطقة من الأرض تتكاثر فيها الحواجز الطبيعية احتماء من كرات الفرسان، الذين صاروا لكثرة عددهم وحماستهم وإقبالهم على الشهادة، يتصادمون، فاختلّ تنظيم الهجوم وضعفت نجاعته في إصابة العدو بخسائر. كما أن الجيش المغربي تضمن جزءاً نظامياً وآخر غير نظامي، فشلت القيادة العسكرية في التنسيق بينهما مما جعل خطوطها أكثر عرضة للتخلخل مع هجومات الفرنسيين وتغطية المدفعية الثقيلة التي هاجموهم بها.

في المقابل كانت المدفعية المغربية جد قديمة، فلم تزد أي قيمة مضافة على قوة الفرسان الضاربة، وهذا ما يظهر أن تطور السلاح والتكتيك الحربي الفرنسي كان حاسماً في المعركة، أمام تقليدانية الحرب المغربية واعتمادها على أعدادها التي فاقت العدو. كما لعب تمركز القوات المغربية دوراً، إذ بقي معسكرهم في مكان مكشوف، سهل الاستهداف، وبالتالي تَشتَّت تركيز الجيش المغربي بين خوض الاشتباك مع العدو وحماية المعسكر.

لم تدُم المعركة إلا ساعتين، وانكسر الجيش المغربي منهزماً، وفرّ ولي العهد في حماية حاشيته. بعدها بأشهر كان السلطان يوقع معاهدة لالة مغنية، التي بموجبها رحل الأمير عبد القادر عن المغرب، ومهدت للتوغل الأوروبي في البلاد إلى حين إعلان الحماية الفرنسية عليها سنة 1912.

TRT عربي
الأكثر تداولاً