الشابة التي سبحت من أجل إنقاذ حياتها وقيادة قارب للاجئين يوشك على الغرق في عُرض البحر، تتنافس في الألعاب الأولمبية، وهي أصغر سفيرة للنوايا الحسنة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

يتنافس نحو 29 رياضياً في الفريق الأولمبي للاجئين في 12 رياضة في أولمبياد طوكيو هذا الصيف. وإحدى هؤلاء المتنافسين يسرى مارديني، وهي سباحة سورية شابة لم تكن رحلتها إلى اليابان مجرد قصة نجاح، بل وقصة أمل.

ففي عام 2015، أي بعد أربع سنوات من اندلاع الحرب في سوريا، أدركت مارديني أنه ليس لديها خيار آخر سوى مغادرة منزلها الواقع في منطقة داريا بضواحي دمشق إلى الأبد.

ورغم أن والدها عزت، السباح الذي شارك سابقاً في المنتخب الوطني للسباحة، ووالدتها المعالِجة النفسية، كانا يتجنَّبان لفترة طويلة الفرار من البلاد، على الرغم من الحرب المستعرة، فإنه لم يعد بإمكانهما بعد ذلك مقاومة فكرة الرحيل.

وسط تبادل يومي لإطلاق النار، أصبح من المستحيل على كل من يسرى وشقيقتها الوصول إلى المسبح حيث درّبهما والدهما على السباحة.

ومما زاد الأمر سوءاً لمارديني وعائلتها، اعتقال والدها وتعرُّضه للتعذيب على أيدي جنود النظام، ودُمر بعد ذلك بيت العائلة وسُوِّي بالأرض، فقرّرَت العائلة تأمين نقل يسرى البالغة من العمر 17 عاماً وشقيقتها إلى تركيا للهرب، على الرغم من المخاطر التي يمثلها هذا القرار، لأنه كان من المستحيل ترتيب هرب جميع أفراد الأسرة في وقت واحد.

رغم أنها أهدرت لياقتها البدنية خلال الفترة التي لم تستطع فيها السباحة، فإن سنوات التدريب التي استمرت طوال ساعتين يومياً، كانت منقذ يسرى على متن قارب مزدحم بالمهاجرين.

فبعد نحو 15 دقيقة من مغادرة الساحل التركي على متن قارب للمهربين، تعطل محرك القارب، وتواصل ارتطامه بالأمواج، ورغم أن الجميع حينها تخلص من جميع أغراضهم، فإن القارب أوشك على الغرق، إذ إنه صُمّم ليتسع لسبعة أشخاص، لكن المهربين وضعوا على متنه نحو 20 شخصاً.

لم يكن أمام يسرى وشقيقتها خيار إلا النزول إلى المياه الباردة للمساعدة على إبقاء القارب ثابتاً قدر الإمكان. وسبحت الفتاتان لمدة ثلاث ساعات في عُرض البحر، لم يأخذا فيها إلا قسطاً صغيراً من الراحة ساعدهما على ذلك لاجئان آخران، وسحبوا القارب بحبل نحو جزيرة ليسبوس اليونانية.

وفي مقابلة مع مجلة فوغ قالت يسرى واصفة الحادثة: "استخدمنا أرجلنا وأذرُعنا، وأمسكنا الحبل بالذراع الأخرى، في الوقت الذي استمرت فيه الأمواج بضرب عيني بلا توقف"، وأضافت قائلة: "كان الجزء الأصعب في المغامرة، لسعة الماء المالح. لكن ماذا كنا سنفعل؟ فهل ندع الجميع يغرق؟ لقد كنا نسحب ونسبح من أجل إنقاذ حياتهم".

السباحة السورية يسرى مارديني إلى جانب شقيقتها سارة خلال حفل توزيع جوائز بامبي عام 2016 في برلين. (Reuters)

وبمجرد أن وطئت أقدامهم الأرض مرة أخرى، انتقلوا من اليونان إلى ألمانيا سيراً على الأقدام. وسرعان ما أدركت يسرى وسارة مدى سذاجة اعتقادهما أن الأموال القليلة التي تحملانها من سوريا ستكون كافية لإيصالهما إلى أوروبا.

فقضت الفتاتين بعد ذلك ستة أشهر في مخيم للاجئين في برلين، المكان الذي سمعتا فيه عن نادي سباحة يدرب الرياضيين الشباب، "Wasserfreunde Spandau 04"، وساعدهم حينها أحد المدربين على الحصول على أوراق للبقاء في ألمانيا.

كانت يسرى تحلم بأن تصبح قائدة طائرة، قبل أن يبدأ والدها تدريبها على السباحة. وهي الآن أصغر سفيرة للنوايا الحسنة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. إلا أن الشابة قالت بإصرار إنها تمثل في الدرجة الأولى وطنها سوريا. وأكدت أنها تمثل ملايين في جميع أنحاء العالم، مشدّدةً على أن اللاجئ إنسان عادي مثل أي إنسان أو مواطن في دولة ما.

وتشارك سارة شقيقتها يسرى في الطموح، لأن سارة كانت دخلت عالم السباحة قبل يسرى، وفازت ببعض الميداليات في سوريا أيضاً، وعلى الرغم من طموحها اختارت اليوم مساراً مختلفاً قليلاً.

وفي السياق ذاته قالت قالت سارة في قمة "One Young World" في 23 يوليو/تموز الجاري: "قررت العودة إلى ليسبوس، وأعتبر إنقاذ اللاجئين المعرضين للخطر، الذي نفّذته ذات مرة في رحلتنا المحفوفة بالمخاطر إلى أوروبا، هو الآن هدفي الأساسي".

وتعمل سارة الآن مع ERCI، وهي منظمة يونانية غير حكومية تساعد اللاجئين العرب على التواصل مع رجال الإنقاذ، والمشاركة في المراقبة الليلية للكشف عن القوارب الغارقة.

وبينما تصدرت يسرى عناوين الصحف عندما شاركت لأول مرة في الألعاب الأولمبية في عام 2016، تصدرت سارة عناوين الصحف عندما احتجزتها الشرطة اليونانية خلف القضبان لمدة أربعة أشهر بتهمة تهريب البشر.

تحمل اليوم يسرى علم الفريق الأولمبي للاجئين، وعلى الرغم من أنها لم تتأهل لنصف نهائي 100 متر فراشة للسيدات، فإن رسالتها لا تقلّ أهمية عن ذلك، وعلقت في هذا الإطار قائلة: "أبعث برسالة أمل إلى كل اللاجئين في العالم، يجب أن نحافظ على الأمل وأن نستمر في الحلم على الرغم من الصعاب في رحلتنا هذه".

TRT عربي
الأكثر تداولاً