بعد أن تصدّر الخلاف بينهما أعمدة الصحف والمجلات العالمية، يبدو أن المسؤول الأمني السابق بالاستخبارات السعودية سعد الجبري قرر أخيراً كسر حاجز الصمت والتحدث عما سمّاه بأسرار خفيّة عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

بينما لم تهدأ بعدُ الأزمة التي فجرتها حادثة مقتل المعارض السعودي جمال خاشقجي، بطريقة وحشية في مبنى السفارة السعودية، بمدينة إسطنبول التركية، وما صاحب ذلك من اتهامات بتورط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في هذه الجريمة، حتى طفت على السطح خلال الفترة الأخيرة، قضية الأمني السابق بالاستخبارات السعودية سعد الجبري، الذي طلب اللجوء إلى كندا عام 2017، فراراً من ملاحقة بن سلمان له وخوفاً على أمنه وحياته، حسب ادعائه.

ومنذ ذلك الحين، أثارت قضية الجبري، ضجة كبيرة في الأوساط الحقوقية ولدى الرأي العام الدولي. وسرعان ما تطوّر الخلاف واحتدّ، حتى وصل إلى أروقة المحاكم الأمريكية والكندية، حيث قرر الطرفان رفع دعاوى قضائية في إطار المعركة المحتدمة بينهما.

وفي ظهور مفاجئ، على شاشة "CBS الإخبارية" الأمريكية، فجّر المستشار السابق بالاستخبارات السعودية يوم الأحد 24 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، قنبلة يرجّح كثيرون أنها قد تزعزع حكم بن سلمان، إذ قرر الجبري كسر حاجز الصمت أخيراً وتحدّث في لقاء تلفزي عن بعض الحقائق وهدد بالكشف عن المزيد إن استمر تهديد بن سلمان لأمنه وحياته وحياة أفراد أسرته.

اختطاف وجرائم قتل

في مقابلة مع برنامج "60 دقيقة"، على قناة "CBS الإخبارية" الأمريكية، تحدث المستشار السابق بالمخابرات السعودية، سعد الجبري الذي لجأ منذ عام 2017 إلى الولايات المتحدة ومنها إلى كندا، لأول مرة حقائق وملفات سرية صادمة عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وكشفت القناة بعد المقابلة أنّ الجبري، سلّم مقطع فيديو مصور يتحدث فيه بشكل مطول عن المزيد من الحقائق المزلزلة، وطلب منهم نشره على نطاق واسع، إذا ما تعرّض للقتل.

وكان قد اتهم الجبري خلال لقائه التليفزيوني، محمد بن سلمان بالتخطيط لقتله والتخلص منه، وذلك عبر إرسال فريق اغتيال لتصفيته في منفاه بكندا، مثل الفريق الذي قام بإرساله لتنفيذ عملية اغتيال المعارض السعودي جمال خاشقجي بتركيا عام 2018، قائلا: "تلقّيت إنذاراً بعدم الاقتراب من أي مبنى دبلوماسي سعودي في كندا، وعدم الذهاب إلى القنصلية أو السفارة، وعندما سألت عن السبب، قالوا: لقد قطّعوا الرجل. لقد قتلوه، وأنت على رأس القائمة".

وفي السياق ذاته، كشف الجبري أن فريقاً مكوناً من ستة أفراد قدِموا إلى مطار أوتاوا في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2018، وكانت بحوزتهم معدات مشبوهة لتحليل الحمض النووي، وقدموا إفادات متضاربة أمام الجمارك، مما أدى إلى ترحيلهم على الفور.

وقد أكدت السلطات الرسمية الكندية، جزءاً من هذه القصة، إذ أعلنت في تصريح سابق: "نحن على دراية بالحوادث التي حاولت فيها جهات أجنبية تهديد أولئك الذين يعيشون في كندا، وهذا غير مقبول تماماً". ولا تزال القضية محل تتبع قضائي وأمني.

وعلى حد تعبيره، فإنّ ولي العهد السعودي يستمر في ملاحقته، بسبب ما يملكه من حقائق قد تهدد ملكه، وتدينه أمام المجتمع الدولي. حيث يدّعي الجبري أيضاً، أن بن سلمان كان قد طلب منه في السابق، تولي مهمة خطف مجموعة من المعارضين له والموجودين في أوروبا إلا أنه رفض تنفيذ بذلك.

وفي هذا السياق قال الجبري "إنّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مريض نفسي، وبلا رحمة، ولا يتعلم من الماضي".

ولم تتوقف شهادات الجبري وادعاءاته عند هذا الحد، إذ تحدّث عن تخطيط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، لاغتيال الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، وذلك ليتسلم والده العرش.

ويزعم الجبري، أنه خلال لقاء جمع بين رئيس الاستخبارات السعودية آنذاك محمد بن نايف ومحمد بن سلمان، عام 2014 ، تباهى الأخير بأنه يمكنه بمنتهى السهولة التخلص من الملك عبد الله الجالس على العرش حينها وتسليمه بالتالي لوالده، وعن خطته في ذلك قال بن سلمان: "حصلت على خاتم مسموم من روسيا. يكفي أن أصافحه وسوف ينتهي". وأكد الجبري أنه يملك تسجيلاً يؤكد صحة أقواله وادعاءاته.

ومنذ عام 2017، أي عقب انقلاب بن سلمان على وريث العرش آنذاك محمد بن نايف، وجد سعد الجبري نفسه مضطراً للهروب إلى الولايات المتحدة ومنها إلى كندا، حيث أنه كان من المحسوبين على بن نايف وكان يملك من الحقائق ما يخشى بن سلمان ظهوره إلى العلن، كما يزعم المستشار الاستخباراتي.

ولإجباره على العودة إلى السعودية، احتجزت السلطات السعودية ابني الجبري، سارة وخالد اللذين كانا يعتزمان الالتحاق بالجامعات الأمريكية. ووفق ما أكدته العائلة فإن الشابين يتعرضان للتعذيب والإساءة كضغط على والدهما للعودة وتسليم نفسه.

نفي وإنكار سعودي

منذ إذاعة حلقة برنامج "60 دقيقة" والجدل يُثار بشكل محموم، عن مدى صحة الحقائق التي تكشف ضلوع ولي العهد السعودي في الترتيب والتخطيط لعدة جرائم ضد معارضين وضد الملك الراحل. فيما يتساءل كثيرون عما يمكن أن يحتويه الفيديو الذي سلّمه الجبري للقناة التلفزية والجهات المختصة، وسط مخاوف من أن تكشف حقائق قد تُزعزع استقرار عدة دول لها ارتباطات مباشرة بجهاز الاستخبارات السعودي الذي كان الجبري قيادياً ومسؤولاً بارزاً فيه وتولى عدة مهام دقيقة، وخاصة في حربه على الإرهاب بالشراكة مع الأجهزة الأمنية للولايات المتحدة الأمريكية.

وتعليقاً على ذلك قالت سفارة المملكة العربية السعودية في واشنطن في بيان رسمي، رداً على ادعاءات الجبري: "سعد الجبري مسؤول حكومي سابق فاقد للمصداقية وله تاريخ طويل من التلفيق وخلق هذه القصص لإخفاء الجرائم المالية التي ارتكبها والتي تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات لتوفير أسلوب حياة فخم له ولأسرته".

وقال الجبري في ختام مقابلته التلفزية: "أتوقع أن أقتل يوما ما لأن هذا الرجل لن يرتاح حتى يراني ميتاً".

TRT عربي