أبدى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون استعدادا للتعاون مع الجانب الليبي في تأمين الجنوب الليبي، وذلك إثر زيارة رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، للجزائر يوم الأربعاء 28 يوليو/تموز الجاري.

شهدت العلاقات الثنائية بين الجزائر وليبيا تطوراً ملحوظاً، وذلك منذ اندلاع الثورة الليبية التي أطاحت بحكم الرئيس الراحل معمر القذافي. ورغم ما مرت به ليبيا من منعطفات خطيرة وحروب دامية ومواجهات ومعارك عسكرية تداخلت فيها قوى داخلية وخارجية، اتسم الموقف الجزائري بالإيجابية في التعاطي مع الملف الليبي.

وفي هذا السياق تبدو زيارة رئيس المجلس الليبي محمد المنفي للجزائر، مؤشراً واضحاً على إيمان الليبيين بالتعاون والدعم الذي من الممكن أن توفره الجزائر وخاصة فيما يتعلق بالملف الأمني ومكافحة الإرهاب.

ملامح علاقات جديدة بين الجزائر وليبيا

في زيارة هي الأولى من نوعها، وصل رئيس المجلس الليبي محمد المنفي العاصمة الجزائرية يوم الأربعاء 28 يوليو/تموز الجاري، وذلك عقب الزيارة الأخيرة لرئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة. واستقبل المنفي في مطار هواري بومدين، كل من رئيس الوزراء أيمن بن عبد الرحمن، ومدير ديوان الرئاسة نور الدين بغداد، ووزير الداخلية كمال بلجود.

ومن المقرر أن تستمر زيارة المنفي يومين، يتباحث فيها مع الجانب الجزائري الملفات المشتركة بين البلدين والتي تقف على رأسها تأمين الحدود المشتركة التي تمتد نحو 1000 كلم، إضافة إلى 3 معابر برية، و العمل على مكافحة الإرهاب وطرد عصابات المرتزقة من الأراضي الليبية.

وعقب اللقاء الذي جمع المنفي بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، صرح المنفي في مؤتمر صحفي بأنه: "تحدثنا عن قضايا مشتركة، مثل أمن الجنوب الليبي، الذي هو أمن قومي مشترك جزائري ليبي، وتحدثنا عن فتح المعابر، وهذا أمر مهم جداً لليبيين في هذه الفترة". وأضاف المنفي بأن ليبيا تتطلع إلى مساهمة الشقيقة الجزائر، في مصالحة وطنية، تعد من أهم نقاط الاتفاق السياسي، منذ استلام السلطة الانتقالية المنتخبة والتي تضم مجلساً رئاسياً وحكومة وحدة وطنية لإدارة الفترة المقبلة وضمان الوصول إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية المزمع إجراؤها في 24 ديسمبر/كانون الأول المقبل.

وأبدى المنفي في الوقت ذاته ترحيباً بما أبداه تبون من استعداد للتعاون لمساعدة السلطات الليبية المعترف بها دولياً في تأمين مسار الانتقال الديمقراطي هذه الفترة.

ومن جانبه قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في تصريح إعلامي: "أكدت للرئيس (المنفي) أن الجزائر رهن إشارة الأشقاء الليبيين، وليس لدينا أطماع أو رؤية غير ما يريده الليبيون لبلدهم، ونحن في انتظار ما يقررونه". وأشار تبون إلى اتفاق الطرفين على اتخاذ عدة قرارات مشتركة تساهم في حلحلة المشاكل المطروحة في ليبيا دون أن يبدي أي توضيح حول طبيعتها.

ويرى خبراء ومحللون أن مساندة الجزائر كشريك جغرافي في التعاون والتنسيق المشترك مع ليبيا، سيوفر طمأنينة للجانب الليبي، لاستعادة الأمن والاستقرار في البلاد.

وبالتالي يبدو أن زيارة المنفي للجزائر وتباحثه في عدة ملفات مع تبون، قد ترسم ملامح حقبة جديدة من مستوى العلاقات بين البلدين، تطمح فيها الجزائر إلى تأمين حدودها ومحاربة الإرهاب والجريمة العابرة، وتتمكن فيها ليبيا من إنجاز الاستحقاق الانتخابي في وضع مستقر. في ظل تنامي تهديد الجماعات الإرهابية واستمرار وجود الخطر الأمني من قبل عصابات الجنرال الإنقلابي خليفة حفتر.

الجزائر في مواجهة التحديات الأمنية

في وضع إقليمي متغير وغير مستقر، تسعى كل من الجزائر وليبيا إلى مواجهة تحديات واستحقاقات جادة، يعتبر الملف الأمني أهمها في المرحلة الراهنة.

ففي أواخر يونيو/حزيران الماضي أعلنت مليشيات خليفة حفتر في وقت قياسي إغلاق الحدود الجنوبية مع الجزائر وإعلانها كمنطقة عسكرية في محاولة لتطويق العاصمة طرابلس، مستثمراً تدهور الوضع الأمني الإقليمي وضعف السلطة الليبية وغياب للحضور الدولي.

اعتبرت الجزائر الخطوة التي أقدم عليها حفتر تحدياً صريحاً لسيادتها وتهديداً لأمنها، فشددت على لسان رئيسها عبد المجيد تبون من الوقوف ضد أي محاولة لسيطرة مليشيات حفتر على العاصمة طرابلس، وأكد تبون أن جيش الجزائر مستعد للتدخل العسكري إذا ما تعرضت العاصمة الليبية لأي تهديد. إذ إن النسخة المعدلة للدستور الجزائري، في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2020 تجيز للجيش التدخل عسكرياً خارج حدود البلاد.

وبذلك يصبح الموقف الجزائري أكثر وضوحاً في دعم الحكومة الوطنية الليبية المعترف بها دولياً، وهو ما أثار استعداء حفتر للسلطة الجزائرية.

ويبدو أن سيطرته على الحدود الجزائرية وإن لم يكن بشكل كامل حينها وبزعم ملاحقة الجماعات الإرهابية، فإنها تخفي حقيقة رسالة تهديد واضحة للجزائر. إضافة إلى محاولة إجبارها على التفاوض معه لتأمين الحدود المشتركة عوضاً عن الحكومة الوطنية، وذلك بالإيحاء أنه يسيطر كذلك على المعابر البرية بين البلدين.

وإن كان يسعى حفتر حثيثاً في إفساد التعاون والتنسيق بين الحكومة الجزائرية وحكومة الوحدة الليبية، فإن الجانب الجزائري حافظ على موقفه الإيجابي عبر عنه خلال الزيارة الأولى لرئيس حكومة الوحدة الوطني الليبية عبد الحميد الدبيبة، في مايو/أيار الماضي وأكدت عليه ليبيا مجدداً إثر زيارة رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي.

TRT عربي