مثلما تتعرض حقائق وأحداث تاريخية لمحاولات عديدة للتدليس والتلاعب بهدف التوظيف، يواجه كذلك تاريخ العهد العثماني بالجزائر محاولات مستمرة للتزييف من بعض الخصوم.

منذ أن بدأت العلاقة بين كل من تركيا والجزائر تشهد تطوراً ملحوظاً في الفترة الأخيرة، ومع تكثيف مستوى الزيارات الدبلوماسية بين البلدين والتي باتت تشير بشكل واضح إلى وجود خطوات جادة لتشكيل تحالف قوي في المنطقة، يعمل على تنسيق أنشطة البلدين في شرق البحر الأبيض المتوسط وليبيا والمشرق الجيوسياسي، أصبحت هذه العلاقة في مرمى الاستهداف من بعض الخصوم الإقليميين والدوليين، الذين وجدوا أنفسهم مستبعدين فجأة من منطقة لطالما اعتبروها امتداداً لهم انطلاقاً من خلفية استعمارية.

ويبدو أن استحضار التاريخ هو الورقة التي اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اللعب بها هذه المرة، وفق رأي محللين وناقدين. وذلك في محاولة منه للتشويش وزعزعة العلاقة بين البلدين الذين يجمعهما إرث تاريخي وثقافي عميق، متهماً الحقبة العثمانية بالجزائر بالاستعمار، ليعفي بذلك فرنسا من المساءلة التاريخية والاعتذار للجزائريين، مزدرياً في الوقت ذاته امتدادهم التاريخي.

ولطالما كانت فترة الوجود العثماني بالجزائر محطة تاريخية هامة يحاول الكثير من المؤرخين التلاعب بها وتدليس الحقائق فيها بغرض التوظيف السياسي والآيديولوجي.

الجزائر تطلب حماية العثمانيين

كانت البداية عندما سقطت غرناطة بيد الإسبان وهاجر إثر ذلك الملايين من المسلمين إلى بلدان المغرب العربي، وكان من بينها في ذلك الوقت الجزائر، التي شن عليها الإسبان هجمات وحملات، فتمكنوا من احتلال العديد من المواني والمدن الساحلية الجزائرية.

ولم تستطع حينها البحرية الجزائرية التي تشهد ركوداً كبيراً دحر الخطر الإسباني، في فترة يعصف بها فراغ سياسي، تسبب فيه انهيار حكم الدولة الزيانية وانقسامها إلى إمارات صغيرة مفككة ومتناحرة.

ولم تكن بالتالي توجد من فرصة للنجاة أمام الجزائريين غير الاستنجاد بالعثمانيين الذين ذاع صيت قوتهم المتماسكة في ذلك الوقت وانتصاراتهم العديدة في حوض المتوسط.

فأرسل الجزائريون مباشرة أي في عام 1516، رسالة إلى السلطان العثماني سليم الأول، عقب عودته من حملته على الشام ومصر، وذلك وفق ما أشارت إليه العديد من الوثائق التاريخية التي نشرت لاحقاً، وحققها مؤرخون وأخصائيون، يطلبون منه مساعدتهم ضد العدوان الإسباني. فاستجاب السلطان لندائهم، وأصدر أوامره على الفور إلى القائد البحري الشهير خير الدين بربروس، بنيابته في حماية الجزائر ومنحه في ذلك كل الصلاحيات، وأرسل إليه قوة مدفعية لدعم أسطوله البحري، إضافة إلى ألفَي شخص من المقاتلين الانكشاريين، الذين يمثلون النخبة من قوات المشاة في الجيش العثماني.

وبالفعل تمكن بربروس بفضل الدعم العثماني الكبير في ذلك الوقت من الانتصار على الإسبانيين وإنقاذ حياة الآلاف من المسلمين، واستقبله الجزائريون بحفاوة استقبال الفاتحين. وعلى الرغم من أن المحاولات العسكرية الإسبانية للهجوم على الجزائر كُررت مراراً فإنها مُنيت في كل مرة بخسارة ساحقة ألحقها بها القائد بربروس.

تعاون وشراكة عميقة

إثر نجاحه في التغلب على العدوان الإسباني عَين السلطان سليم الأول، خير الدين بربروس أول حاكم تركي على الجزائر، فأنشأ هناك قاعدة عثمانية لصد الهجمات الإسبانية وطرد من تبقى منهم من المدن الجزائرية التي احتلوها.

واستمر منذ ذلك الحين وإلى حدود عام 1588 تعيين السلطان العثماني لحكام الجزائر الذين اضطلعوا في الغالب بمهمة استلام البحرية العثمانية وقيادة الأسطول العثماني. ويذكر العديد من المؤرخين أنهم نجحوا بالفعل في ذلك الوقت في إرساء دعائم الحكم الجديد في البلاد إلى حد كبير.

وفي الوقت الذي انصبت فيه الجهود العثمانية والجزائرية على صد الهجوم البحري وبخاصة الإسباني، فقد نجح كذلك العثمانيون من تعزيز قوة بحرية بعتاد بشري كبير، وصنعوا العديد من المراكب البحرية وطوّروا ميناء مدينة الجزائر وعملوا على تحصينه وتجهيز السفن بالمدافع. كما اتخذوا المدن الساحلية قواعد لهم، على غرار مواني شرشال وبجاية، التي انطلق منها بعد ذلك الأسطول الجزائري الذي لعب دوراً كبيراً في حوض البحر المتوسط طيلة 300 سنة.

ولم تكتف الجهود المبذولة في ذلك الوقت والقوة البحرية التي سطع نجمها في المتوسط بحماية الجزائر فقط، بل بمحاربة القراصنة في حوض المتوسط وملاحقتهم ومساعدة المسلمين المهاجرين من الأندلس.

واستمر وجود العثمانيين بالجزائر إلى حدود سنة 1830، نمت فيها العلاقة وتطورت على مختلف الأصعدة، وأرست عدة أسس للإدارة والحكم. لتفند وقائعها ودلائلها إلى اليوم جميع الادعاءات والمغالطات التي تسم تلك الحقبة بالاحتلال، في حين أن الدافع الأساسي الذي كان يقف وراء الوجود في تلك الأثناء كان تلبية استغاثة أهل الجزائر في دحر العدوان الإسباني. حتى إن الحقبة العثمانية وفق ما أشار إليه المؤرخون والمصادر لم تسجل في صحائفها التاريخية قتلاً وتهجيراً وتفكيكاً للمجتمع وسلباً لثرواته وإصداراً لقوانين استبدادية، كما حصل ذلك في فترة الاستعمار الفرنسي الطويل للجزائر.

TRT عربي
الأكثر تداولاً