بعد انقطاع دام لعدة سنوات، أعلنت السعودية وإيران استئناف العلاقات التجارية بينهما، وذلك في إطار مرحلة جديدة من التعاون وتطوير العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

على خلفية مهاجمة إيرانيين للسفارة السعودية في طهران وإضرام النار فيها، احتجاجاً على إعدام السلطات السعودية رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، قررت المملكة السعودية قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إيران، وذلك منذ يناير/كانون الثاني 2016.

واستمر بذلك الجمود في العلاقات بين البلدين حتى أبريل/نيسان الماضي، حين وافق الطرفان برعاية عراقية، على الجلوس إلى طاولة الحوار، وانطلقت إثر ذلك جولة من المحادثات المكوكية بين الرياض وطهران في بغداد، تُوّجت أخيرا بموافقة البلدين على خفض حدة التوتر بينهما واستئناف العلاقات التجارية والدبلوماسية بينهما.

وفي هذا السياق أعلن المتحدث الرسمي باسم الجمارك الإيرانية روح الله لطيفي يوم الأحد 17 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، استئناف الصادرات الإيرانية إلى السعودية. ورغم أن حجم الصادرات لا يزال صغيراً غير كافٍ، وفق ما أشار إليه لطيفي، فإنه يُعتبر خطوة أولى نحو مزيد تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

حجم التبادل التجاري السعودي-الإيراني

قبل أن يحتدّ التوتر بين الرياض وطهران وتتوقف بالتالي العلاقات التجارية بينهما عدة سنوات، كانت قيمة التبادل التجاري بين البلدين تلامس 500 مليون دولار سنوياً، واعتبر مسؤولون وإخصائيون ماليون سعوديون أنها قيمة متواضعة، وتعطي إشارة واضحة إلى مدى ضعف العلاقات التجارية بين البلدين.

وفي ما يتعلق بالصادرات الإيرانية إلى السعودية، أشار في وقت سابق رئيس مجلس الغرف السعودية ورئيس الغرفة التجارية الصناعية بمنطقة الجوف حمدان بن عبد الله السمرين، إلى أن 60% من السلع الإيرانية داخل السعودية استهلاكية، و40% منها وسيطة.

وعن أسباب ذلك يرى محللون اقتصاديون أنه إضافة إلى الأزمة السياسة التي لعبت في ذلك دوراً كبيراً، فإن ضعف التبادل التجاري يعود أيضاً إلى بعض العوائق المالية واللوجستية، لأن عدم توافر آلية شحن مباشر بين البلدين، إضافة إلى عدم استقرار العملة المحلية الإيرانية مقابل عدم توافر عملة أجنبية، وذلك على خلفية العقوبات الاقتصادية الدولية ضد طهران، حال دون زيادة في التبادل التجاري بين البلدين، انتهت بإعلان قطع تامّ بعد تصاعد حدة التوتر بينهما.

ومع إعلان استئناف العلاقات التجارية والدبلوماسية بين السعودية وإيران، تعوّل الأخيرة بدرجة أولى على تجاوز الضغوط الاقتصادية التي تواجهها منذ فترة طويلة.

في هذا السياق كشفت الجهات الرسمية الإيرانية أنه منذ شهر مارس/آذار الماضي وإلى حدود شهر سبتمبر/أيلول المنقضي، بلغت الصادرات الإيرانية نحو 22 مليار دولار، منها أكثر من 11 مليار دولار مع دول الجوار، في حين بلغت قيمة الواردات أكثر من 23 مليار دولار، ومنها أكثر من 11 مليار دولار مع الجيران. بذلك فإن التبادل التجاري بينها قد ناهز حدود 60% من التبادل الخارجي لإيران.

ورغم أن الصادرات الإيرانية إلى السعودية تتذيل في الوقت الحالي قائمة الصادرات الإيرانية إلى دول الجوار خلال الفترة الأخيرة، بقيمة 39 ألف دولار فقط، فإن طهران تعول على مزيد تطوير العلاقات والتعاون المشترك بينهما لتأمين حاجات البلدين.

وقد أكد المتحدث الرسمي باسم الجمارك الإيرانية روح الله لطيفي أن "استئناف العلاقات السياسية بين إيران والسعودية سينعكس إيجاباً على تعزيز العلاقات الاقتصادية، لأن لأسواق البلدين جاذبيتها للتجار الإيرانيين والسعوديين".

ترحيب واحتفاء

يعتبر خبراء ومحللون أن ارتفاع نسبة التبادل التجاري بين إيران والدول الخمس عشرة المجاورة لها خلال الفترة الأخيرة، دليل واضح على نجاحها إلى درجة معينة في الالتفاف على العقوبات الاقتصادية الأمريكية، التي تضيق عليها الخناق منذ فترة طويلة وتعوق فرصها في التطور والنمو.

ورغم أن العلاقات السياسية بين إيران ودول الخليج لطالما اتسمت بالتوتر، فإنها لم تؤدِّ إلى القطيعة التامة بينها، فاستمر التبادل التجاري بينها من منطلق المصلحة المشتركة، باستثناء المملكة العربية السعودية، التي قررت قطع هذه العلاقات نهائياً.

وفي هذا السياق قال فرزاد بلتن، مدير مكتب الشؤون العربية والإفريقية في منظمة التنمية التجارية في إيران: "عودة العلاقات مع السعودية ستمنح طهران فرصة اقتصادية جيدة، من خلال إمكانية الحضور في أسواق المملكة مرة أخرى".

فيما اعتبر فرهاد نوري، مدير تنمية الصادرات في منظمة تنمية التجارة الإيرانية الحكومية، أن "السوق السعودية سوق واسعة لحاجتها إلى السلع الاستهلاكية، والمصدرون الإيرانيون على معرفة جيدة بحاجات السوق السعودية".

وكان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان صرّح في وقت سابق قائلاً: "إيران دولة جارة، ونطمح إلى أن تكون لدينا علاقات مميزة معها، نريد إيران دولة مزدهرة". وقد شاركه في وجهة النظر ذاته عدة مسؤولين سعوديين، على غرار وزير الدولة للشؤون الخارجية عادل الجبير، ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، وذلك في تصريحات سابقة تعطي مؤشرات إلى محاولة الرياض إعادة ترتيب علاقاتها في المنطقة.

TRT عربي