يؤدّي ازدياد أسعار الموادّ الأساسية كالطعام والبنزين بجانب المرافق، إلى فقدان المستهلكين قوّتهم الشرائية مع تزايد التضخم. / صورة: AA (AA)
تابعنا

على مدار نحو عام ونصف راقب الأمريكيون أسعار السلع والخدمات وهي ترتفع بشكل مطرد وسط انخفاض القوة الشرائية للدولار.

ووصلت معدلات التضخم إلى أعلى مستويات منذ ثمانينيات القرن الماضي، إذ يستخدم الاحتياطي الفيدرالي السياسة النقدية لتحقيق معدل التضخم المستهدف بنسبة 2%. لكن عام 2022 عقب جائحة كورونا وصل التضخم إلى 8.5%، وهو أعلى معدل له منذ 1982. ويذكر أن التضخم في الولايات المتحدة حافظ على مستويات منخفضة نسبياً بين بداية 1991 ونهاية 2019، فكان معدل التضخم السنوي نحو 2.3% شهرياً وتجاوز 5.0% أربع مرات فقط.

أما اليوم فيشكل ارتفاع معدلات التضخم ضغطاً هائلاً على الأسر الأمريكية، ما استدعى حلولاً وبدائل اعتمدتها أسر لمواجهة ارتفاع الأسعار.

ماذا يعني التضخم؟

يشير التضخم إلى ارتفاع واسع بأسعار السلع والخدمات مع الوقت، ما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للمستهلكين، وأن القيمة الشرائية للعملة انخفضت.

في غير أوقات الأزمات تبلغ معدلات التضخم السنوي نحو نقطتين مئويتين، ما يعتبره الاقتصاديون إشارة إلى استقرار اقتصادي، وعندما يتجاوز التضخم معدلات النمو بالأجور يمكن أن يكون علامة تحذير على الاقتصاد المتعثر.

يؤدّي ازدياد أسعار الموادّ الأساسية كالطعام والبنزين بجانب المرافق، إلى فقدان المستهلكين قوّتهم الشرائية مع تزايد التضخم.

ويرى عديد من الخبراء أن كورونا سبب صدمة للاقتصاد العالمي وعطل سلاسل التوريد وساهم بتأخيرات كبيرة في الشحن. وقد أدى نقص العمالة وارتفاع الطلب الاستهلاكي إلى تفاقم هذه المشكلة. مع نقص المعروض من عديد من العناصر وارتفاع تكلفة الشحن وبالتالي زيادة الأسعار.

وحسب بيانات مكتب العمل BLS الأمريكي فقد ارتفعت أسعار الطاقة بنسبة 17.6% والبنزين بنسبة 17.5% العام الماضي، والغذاء بنسبة 12.9%.

تعديل الميزانية

"أصبح الأمر جنونياً، لا أصدق مدى ارتفاع الأسعار، مؤخراً اشتريت كرتونة بيض كبيرة بـ15 دولاراً و90 سنتاً وكان ثمنها منذ 3 أسابيع 9 دولارات". بهذه الكلمات تشكي جانيت خوسيه المقيمة بولاية فيرجينيا شرقي الولايات المتحدة من الارتفاع المتزايد بأسعار السلع.

بالنسبة إلى عديد من العائلات يعد ارتفاع تكلفة المواد الغذائية والبقالة من أول الأشياء التي يمكن ملاحظتها جراء الغلاء. عام 2021 أنفق المستهلكون الأمريكيون بالمتوسط 10.3% من الدخل على الغذاء، وفق بيانات وزارة الزراعة الأمريكية.

تحاول جانيت الزوجة والأم لـ4 أطفال تغيير عاداتهم الاستهلاكية كما فعلت أسر أمريكية كثيرة بعد أن قفزت فاتورة مشترياتهم الشهرية دون تغيير يذكر بسلوك الإنفاق. تقول بحديثها لـTRT عربي إنها "تخلت عن تناول الطعام في الخارج مع أسرتها، وأصبح أمراً نادر الحدوث بعد أن كان تقليداً أسبوعياً".

ورغم وجود 4 أطفال داخل الأسرة تشتري جانيت، موظفة الاستقبال بعيادة طبية بدوام كلي، كميات أقل من اللحوم ومنتجات الألبان التي ارتفعت أسعارها. تقول: "لم ترتفع ميزانية البقالة لدينا لكن اضطررنا إلى تعديلها، ومع ذلك نقترب أكثر من تجاوزها رغم استخدامنا قسائم التوفير الشهرية أيضاً".

التخلي عن الهوايات

تحتاج الأسرة الأمريكية إلى دفع مزيد من المال للطعام ووقود السيارات وتدفئة المنزل، وحتى تعيش الأسرة المتوسطة بالمستوى المعتاد وتشتري نفس السلع والخدمات تحتاج إلى أن ترفع ميزانيتها الشهرية 433 دولاراً إضافياً.

التكلفة الإضافية التي تتحملها جرين مكيري جعلتها تتخلى عن هواياتها وعاداتها التي ظلت تتبعها لسنوات مع أسرتها.

ارتفعت فاتورة الكهرباء التي تدفعها جرين وزوجها رغم عدم تجاوزهم الاستخدام المعتاد بالإضاءة والتكييف والتدفئة، تقول لـTRT عربي: "كنا ندفع نحو 50 دولاراً لفاتورة الكهرباء، ومنذ نحو 7 أشهر ارتفعت الفاتورة إلى 90 دولاراً ولم تنخفض بعدها، رغم أننا لم نغير عادات الاستهلاك".

تضم أسرة جرين السيدة الأربعينية زوجاً وطفلين تتراوح أعمارهم بين 8 و13 عاماً إضافة إلى أحد الحيوانات الأليفة. اعتادت جرين خلال 4 سنوات إحضار مدرب أسبوعياً لتمشية وتدريب كلبها كما اعتادت مع أسرتها على التخييم مرتين شهرياً والسفر مرتين سنوياً.

تعد جرين من الأمريكيين الذين ساءت أوضاعهم المالية العام الماضي، وحسب استطلاع رأي أواخر العام المنصرم ألقى 37% من الأمريكيين باللوم في سوء أوضاعهم المالية على أسوأ تضخم شهدته الولايات المتحدة منذ أربعة عقود.

لم تضطر جرين فقط إلى التخلي عن هواياتها وعاداتها هي وأسرتها أو التخلي عن مدرب كلبها، لكنها أيضاً اضطرت إلى تقليص الإنفاق بعد أن شاهدت أن هبوط سوق الأسهم يؤدي إلى تآكل مدخراتهم مع الارتفاع المتزايد بالأسعار، وبدأت البحث عن حلول جديدة. تقول جرين: "بدأت مع أسرتي فرز الملابس والألعاب كل 3 أشهر وعرضها للبيع على المنصات الإلكترونية بدل التبرع بها كما كنا نفعل سابقاً. كما بدأنا شراء سلع مستعملة أيضاً"، وتضيف جرين: "قلصنا التمارين الرياضية للأطفال بدلاً من نشاطين لكل منهما اشتركنا بلعبة رياضية واحدة لكل طفل، ومؤقتاً وقفنا التخييم لمدة 3 أشهر، وأعتقد أنه سيكون مرة واحدة في الشهر عندما نعود إليه بدلاً من مرتين".

العزوف عن الزواج

قبل 70 عاماً كانت الغالبية العظمى من الأسر الأمريكية، نحو 80%، تتكون من أزواج. عام 2020 انخفضت نسبة الأسر المكونة من أزواج إلى 49%.

وكان من العوامل الرئيسية لانخفاض معدل الزواج ارتفاع نسب تعليم الإناث والمشاركة بالقوى العاملة واستقلال المرأة اقتصادياً والمساواة بين الجنسين.

ومع انتشار كورونا وما تبعها من إغلاق واسع أدى إلى زيادة معدلات البطالة، يفسر البعض أن كورونا ربما دفعت معدل الزواج في الولايات المتحدة إلى ما دون المستوى التاريخي المنخفض لعام 2019. ويُعتقد أن انعدام الأمن الاقتصادي الناتج عن الوباء أدى إلى الحد من التواصل الاجتماعي والانزواء في المنزل، وأن القلق بشأن المستقبل ساهم في تقليل عدد الزيجات.

حتى مع قرار البعض الزواج اختلف شكل الاحتفال به، بخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار، وأصبح المقبلون على الزواج يبحثون عن بدائل أقل تكلفة لكل شيء من الطعام إلى خواتم الزواج، ويخفضون التكاليف بأي طريقة ممكنة. حتى إن البعض قرر التخلي عن حفلات الزفاف الكبيرة والاكتفاء بحفلات صغيرة لا تضم سوى أفراد العائلة.

TRT عربي