عاش الكثير من دول القارة السمراء عقوداً طويلة تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، الذي استغل سكانها المدنيين واستنزف ثرواتها الطبيعية.

على الرغم مما أبدته فرنسا عبر تصريحات مسؤوليها من استعداد للقطع مع ماضيها الاستعماري والتمكين للدول الإفريقية، فإن ذلك لم يتعدَّ كونه مجرد تصريحات إعلامية لم تنفذ حقيقة على أرض الواقع.

"إذا تبعك النحل فهذا يعني أنك أكلت عسلاً"، مثل إفريقي يترجم بوضوح دوافع تنامي الصراع العالمي للنفوذ والسيطرة على إفريقيا. وكان التنافس قد احتدم والتدافع قد اشتد بين القوى الاستعمارية للهيمنة على أراضٍ غنية تزخر بموارد طبيعية وتوفر إمكانيات لأسواق تجارية.

فتعرضت بذلك بلدان القارة الإفريقية للاستنزاف، وعلى الرغم من حصول بعض منها على استقلالها في ستينيات القرن الماضي وتسعينياته فإنها لا تزال تعاني إلى اليوم هيمنة الدول الاستعمارية وتعديها على مواردها.

الهيمنة الفرنسية بإفريقيا: استعمار في حلة مختلفة

بعد منافسة عالمية شديدة تمكنت فرنسا من بسط سيطرتها على عدة دول في غرب إفريقيا ووسطها، واستمر احتلالها لمساحات واسعة منها سنوات طويلة شهدت فيها القارة الإفريقية أشد الجرائم الإنسانية فظاعة وانتهاكاً لسيادتها واستنزافاً لثرواتها.

وزُج بعد ذلك بالأفارقة كوقود للحرب في الصفوف الأولى والجبهات الأمامية لمعارك فرنسا العالمية وحروبها. إذ أصدر في ذلك مركز روبرت شومان للأبحاث سنة 2011 تقريراً يكشف حجم خسائر الحرب العالمية الأولى، وورد في التقرير أنه قتل نحو 71 ألف جندي إفريقي بصفوف الجيش الفرنسي، وأغلبهم من المغرب والسنغال والجزائر وتونس ومدغشقر.

كما تعد البلدان الإفريقية مناطق حيوية لفرنسا إلى اليوم، إذ تزودها بالطاقة واليورانيوم، ولم يتوقف استنزاف القارة السمراء وما تزخر به من موارد بوسائل وسياسات مختلفة. علاوة على ذلك وفرت البلدان الإفريقية العمالة لفرنسا وغيرها من بقية القوى الاستعمارية في المنطقة التي تحتاج إلى اليوم إلى موارد بشرية مقابل أجور زهيدة لتشغيل مؤسساتها الحيوية، كما جرى استغلال هذه البلدان كمناطق لتجارة العبيد لفترة طويلة.

ولمزيد حفظ سيطرتها وتعزيز نفوذها، غذت فرنسا الفرقة والقطيعة بين سكان البلد الواحد والمنطقة الواحدة، عبر رسم حدود ودعم جماعات وأطراف، ما أدى إلى اشتعال حروب أهلية دامية استمر وطيسها إلى اليوم.

''إن الاستعمار الفرنسي كان خطأ جسيماً ارتكبته الجمهورية"، بهذا التصريح الإعلامي عبَّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن الرغبة في القطع مع التاريخ الاستعماري لفرنسا وفتح الباب أمام نهج جديد في العلاقات مع بلدان إفريقيا.

وعلى الرغم من منح فرنسا الاستقلال لبعض هذه المستعمرات فإنها تستمر بانتهاج سياسة الاحتلال ولكن بصور مختلفة، إذ عمدت إلى إيجاد نخب إفريقية تدعو لـ''الأوربة الإفريقية'' ومناهضة حركات التحرر والاستقلال واستعمال العنف ضدها لمزيد من إحكام قبضة السلطات الفرنسية ومواليها من الحكام والإدارات المتعاقبة على حكم هذه المستعمرات السابقة.

وبدعوى تعويضها عن البنية التحتية التي طورتها طالبت فرنسا بلدان القارة السمراء التي حصلت على استقلالها المشروط، بدفع ضرائب إلى الخزائن الفرنسية، فضخت بلدان غرب إفريقيا احتياطاتها من العملة الأجنبية في المصرف المركزي الفرنسي لفترة طويلة، ووقعت اتفاقية تعاون ملزم تتعلق بنظام التعليم الفرنسي والعلاقات العسكرية والتجارية، إضافة إلى اعتماد العملة الاستعمارية الفرنسية وهي الفرنك الإفريقي.

تحاول فرنسا بهذه الإجراءات التي يجري انتهاجها مع صعود جيل الاستعمار الجديد كما يشاء تسميته خبراء ومحللون، ضمان مزيد من استمرارها بإفريقيا. إلا أن سعيها المستمر لبسط نفوذها من بوابات جديدة أثار غضب الأفارقة، وهو ما يفسر الاحتجاجات الحالية في السنغال.

اشتعال فتيل ثورة شعبية في السنغال

أعلنت السنغال استقلالها عن فرنسا منذ 4 أبريل/نيسان 1960، إلا أنها تعاني تركة الاستعمار الفرنسي إلى اليوم، التي تحول دون تطورها ونموها.

وفي هذا السياق يقول وزير التربية السابق والمؤرخ السنغالي إيبا در ثيام: "حين أنظر إلى المجتمع أرى أنه لا تزال نخبة تريد أن تكون السنغال ولاية تابعة لفرنسا، وهذا وضع مؤلم للغاية". ودعا لإخراج العلاقات الفرنسية السنغالية من دائرة الغالب والمغلوب، مطالباً بأن يكون الاقتصاد والتعليم في أيدي السنغاليين.

ويشير في ذلك إلى النخبة السياسية التي تعتبر امتداداً لفرنسا على الأراضي السنغالية من حيث الولاء وتنفيذ أجنداتها. وكان رئيس السنغال السابق ليوبولد سيدار سنغورصرحبأن الطريقة الأنسب لبلاده هي المحافظة على موقعها داخل الإمبراطورية الفرنسية، وهو موقف يتسق مع تماهي الإدارة السياسية في السنغال مع مخططات ومساعي فرنسا على أراضيها لضمان الاستمرار وتعزيز موطئ القدم.

أضعفت السيطرة الفرنسية على المؤسسات الحيوية في السنغال اقتصاد البلاد، ما أدى إلى ارتفاع نسب الفقر والخصاصة، وهذا أثار احتقان المواطنين وزاد انتشار فيروس كورونا مع تداعيات سلبية من تأزم الوضع وتدهور المعيشة.

ومع اعتقال عثمان سونكو رئيس حزب الوطنيين السنغالي للعمل الذي احتل المرتبة الثالثة في الانتخابات الرئاسية لعام 2019 والمتوقع مشاركته في انتخابات 2024 المقبلة كمنافس وخصم رئيسي تأججت موجة غضب شعبية كبيرة، ترى في التهم الموكلة إلى سونكو، وهي تهم تحرش واغتصاب، مجرد ادعاءات باطلة ومؤامرة لصالح أطراف أجنبية، باعتبار أنه من الداعين لإنهاء النظام الاستعماري الجديد، ومن المدافعين عن الاقتصاد الوطني ويحظى بمقبولية شعبية واسعة خاصة لدى الشباب السنغالي.

استهدفت الاحتجاجات المنشآت والمؤسسات الفرنسية بالحرق والتخريب، ومنها نحو 32 متجراً من متاجر أوشان التي تحمل علامة تجارية فرنسية ومحطات توتالوغيرها، ما أدى إلى تشديد الحماية الأمنية أمامها وإغلاق المدارس الفرنسية.

تطورت وتيرة الاحتجاجات والمظاهرات لتؤدي إلى اشتباكات مع الأمن أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، وذلك على الرغم من كل دعاوى التهدئة الدولية. فدعت الأمم المتحدة من خلال أمينها العام أنطونيو غوتيريش لتجنب التصعيد، فقال: "يجب أن تظل المظاهرات سلمية ويجب على قوات الأمن والشرطة السماح لهؤلاء المتظاهرين بالتعبير عن رأيهم وإرادتهم".

ولم يكن اعتقال سونكو إلا القطرة التي أفاضت الكأس، فسياسات الرئيس السنغالي ماكي سال عززت الانطباع لدى المواطنين باستمرار الوصاية الفرنسية. كذلك فإن تردي الوضع الاقتصادي فاقم من احتقان الشارع، فعوض أن تحظى الشركات المحلية والوطنية بالدعم، تفوز شركات فرنسية بجزء كبير من العقود العامة، كما جرى أيضا تجديد اتفاقيات الصيد مع الاتحاد الأوروبي، ما يعني ظلماً لمئات الصيادين السنغاليين.

وعلى الرغم من إطلاق سراح المعارض سونكو فيما بعد فإن الاحتجاجات لا تزال مستمرة وترفع شعار رفع الوصاية الفرنسية عن السنغال ودعم اقتصاده الوطني لحل أزمة حادة مستمرة منذ سنوات، وفي لقاء صحفي له أمام الحشود قال سونكو: "لقد بدأت الثورة بالفعل، ولا شيء بل ولا أحد يمكن له أن يوقفها. يجب أن نحافظ على هذه التعبئة، يجب أن تكون أكثر أهمية حتى، ولكن قبل كل شيء يجب أن تكون سلمية".

إن كان اعتقال سونكو قد أثار سخط السنغاليين فقد حرك غضب الشارع تجاه السلطة وسط ما تعيشه السنغال من أزمة اقتصادية وتدهور في المعيشة جراء تركة ثقيلة من الاحتلال الفرنسي وسياسات استعمارية لا تزال تلقي ظلالها على بلدان القارة السمراء إلى اليوم، التي لم يغير حصولها على استقلالها الهزيل شيئاً كبيراً.

فهل ينجح الحراك الشعبي السنغالي؟ وهل يتمكن من إنقاذ الاقتصاد الوطني ودعمه؟

TRT عربي