بعد أن كان من المقرر أن تستمر طيلة 50 عاماً، أعلنت أستراليا بشكل مفاجئ انسحابها من صفقة استيراد الغواصات التقليدية من فرنسا، مقابل حصولها على غواصات نووية من الولايات المتحدة وبريطانيا.

في إطار الشراكة الأمنية الجديدة التي أعلنت عنها كل من واشنطن ولندن وكانبيرا، في منطقة المحيطين الهندي والهادي، والتي أطلق عليها اسم "أوكوس"، تعهدت الولايات المتحدة وبريطانيا بتزويد أستراليا بغواصات تعمل بالدفع النووي.

وعقب إبرام الاتفاق الاستراتيجي، الذي يعتبر نقطة تحول في السياسة الأمريكية التي تسعى إلى توسيع تحالفاتها في المنطقة لمجابهة التهديد الصيني، أعلنت أستراليا يوم الأربعاء 15 سبتمبر/أيلول الجاري، على لسان رئيسها سكوت موريسون، انسحابها بالتالي من صفقة اقتناء الغواصات الفرنسية التقليدية، المبرمة مع شركة نافال غروب NAVAL GROUP عام 2016. واعتبرت باريس قرار كانبيرا طعنة في الظهر، لما سيترتب على ذلك من تداعيات سلبية وخسائر مادية فادحة.

ضربة موجعة لشركة NAVAL GROUP

إثر جولة من المفاوضات الدورية، التي انطلقت عام 2014 بقيادة وزير الدفاع الفرنسي آنذاك جان إيف لودريان، أبرمت شركة نافال غروب الفرنسية NAVAL GROUP اتفاقاً مع كانبيرا عام 2016، بقيمة 90 مليار دولار أي ما يعادل تقريباً 56 مليار يورو، يقضي بتزويد الأخيرة بنحو 12 غواصة تقليدية من طراز "أتاك" ، تعمل بالديزل.

واعتبر العقد حينها "عقد القرن" بالنسبة لقطاع الصناعات العسكرية الفرنسية، الذي كانت تأمل عبره نافال غروب في الانفتاح على مزيد من الأسواق العالمية، وتصدير صناعاتها العسكرية. حيث إن العقد التاريخي مع أستراليا، سيتمكن من ترويج صورة جيدة على غواصاتها الهجومية، وزيادة الطلب عليها.

وبالإضافة إلى تصنيع الغواصات التقليدية، كان الاتفاق ينص على بند الصيانة بمبلغ يناهز 35 مليار يورو، كان من المقرر أن يستمر طيلة 50 عاماً.

واليوم مع تمزيق أستراليا، العقد المبرم مع باريس، تتكبد نافال غروب خسارة مادية فادحة، لن يكون من السهل عليها تجاوزها أو تعويضها، إضافة إلى الخسائر المترتبة على إعادة المئات من المهندسين والفنيين إلى أوطانهم. علاوة على فقدانها بالضرورة ثقة عملائها الدوليين، بخاصة وأنها خسرت الرهان أمام الغواصة الأمريكية التي تعمل بالطاقة النووية.

وقد أشارت في هذا السياق عدة مصادر إعلامية نقلاً عن خبراء عسكريين، أن فائدة الغواصة الأمريكية النووية تكمن في عدم اضطرارها للغوص في أعماق البحار، حيث أنها تتيح لطاقمها أن يبقيها مغمورة بالمياه وأن تبقى متخفية لفترة أطول، وهو الأمر الذي لا تتمتع به الغواصات التقليدية على غرار الغواصات الفرنسية، دون تعريض نفسها للاكتشاف.

وتطمح أستراليا عبر هذا الاتفاق التاريخي، باستحواذ غواصات الدفع النووي، إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، وفتح الطريق أمام حصولها على مزيد من المعدات العسكرية، على غرار صواريخ كروز أمريكية من طراز توماهوك، التي أعلن عنها موريسون في إطار اتفاق "أوكوس" الجديد.

وبينما باتت الصفقة المبرمة بين أستراليا والولايات المتحدة وبريطانيا أمراً واقعاً، يبدو أن الخيبة التي تعرضت إليها باريس بدأت تنذر ببوادر أزمة ديبلوماسية مع كانبيرا.

تنديد ومطالبة بالتعويضات

اعتبرت فرنسا القرار المفاجئ لأستراليا طعنة في الظهر وخيبة أمل، وقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الذي لعب دوراً رائداً في إبرام الاتفاقية مع أستراليا عام 2016 في تصريح إعلامي : "إنها حقاً طعنة في الظهر.. أنا غاضب جداً وأشعر بمرارة كبيرة.. لقد أقمنا علاقة مبنية على الثقة مع أستراليا. وهذه الثقة تعرضت للخيانة".

وأصدرت وزارة الخارجية الفرنسية في السياق ذاته بياناً رسمياً اعتبرت فيه أن "هذا القرار مخالف لنص وروح التعاون الذي ساد بين فرنسا وأستراليا".

ومن جانبها اعتبرت وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي، فسخ أستراليا العقد مع نافال غروب، قراراً خطيراً جداً. وفي معرض سؤالها عن احتمال المطالبة بتعويضات أجابت بارلي قائلة : "سندرس جميع المسارات، مع محاولة الحد قدر الإمكان من العواقب على مجموعة نافال".

وشدد لودريان في السياق ذاته متسائلاً: "سنحتاج لتوضيحات.. فلدينا عقود ينبغي على الأستراليين أن يقولوا لنا كيف سيخرجون منها".

وبينما عبر المسؤولون الفرنسيون عن إدانتهم لهذا القرار الأحادي والمفاجئ، معتبرين أنه تصرف غير مقبول بين الحلفاء، أصدرت شركة نافال غروب التي تتحمل أكبر حجم من الخسائر، بياناً رسمياً تعبر فيه عن استئيائها واحتجاجها قائلة : "الكومنولث الأسترالي لم يرغب في الانخراط في المرحلة التالية من البرنامج، وهو أمر يمثّل خيبة أمل كبرى لنافال غروب التي قدّمت لأستراليا غواصة تقليدية ذات تفوّق إقليمي وأداء استثنائي".

TRT عربي