تحيي الجزائر كل عام الذكرى الأليمة لمجازر 8 مايو/آيار 1945 التي ارتكبتها فرنسا الاستعمارية بحق الجزائريين الذين طالبوا بالاستقلال كباقي شعوب العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

فيقدر عدد الشهداء بأكثر من 45000 للتخلص من احتلال همجي حرص على قتل الجزائري ودينه ولغته وكل ما له علاقة بهويته العربية والإسلامية. كما أصدرت فرنسا في 8 مايو/أيار 1936 قراراً اعتبرت فيه اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر!!.

وإن كانت الجزائر استطاعت أن تستقل في 5 يوليو/تموز 1962 بخروج القوات الفرنسية، فإن استقلالها الثقافي عن كل ما هو فرنسي لم يكتمل برأي البعض حتى اليوم، فباريس حتى بالألفية الجديدة لا تزال حريصة على محاربة الدين الإسلامي واللغة العربية في ترابها وفي الجزائر وباقي دول المغرب العربي التي لا تزال الفرنسية لغتها الأجنبية الأولى بدل الإنجليزية مثلما يتطلب الواقع العلمي العالمي.

سياسة التجهيل

حرصت فرنسا الاستعمارية فور احتلالها الجزائر في 5 يوليو/تموز 1830 على نشر الجهل وسط الشعب الجزائري الذي كان معظمه متعلماً، فعملت على نشر الأمية بمحاربة المساجد والكتاتيب واغتيال المشايخ ومعلمي القرآن أو تهجيرهم، باعتبار المؤسسات الدينية كانت أساس النظام التعليمي بالجزائر التي كانت العربية لغتها الرسمية والعامية.

وأوضح الدكتور حسين بوبيدي أستاذ التاريخ بجامعة قسنطينة 2 شرقي الجزائر لـTRT عربي أن "حرب الاستعمار الفرنسي على مقومات الهوية الجزائرية وفي مقدمتها الإسلام واللغة العربية تندرج ضمن مشروع الإخضاع، وهو المشروع القائم على ثنائية الإزالة والإبدال، أي إزالة الشعب الذي احتلته وإبدال شعب آخر به عبر مشروعي: التغيير الهوياتي الجذري والإحلال الاستيطاني بديلاً جديداً".

وأضاف بوبيدي أن "هذه السياسة قد بدأت منذ الأشهر الأولى للاحتلال، عندما صادرت فرنسا الأوقاف الإسلامية التي كانت تنفق على التعليم العربي الإسلامي، ثم أصدرت ترسانة من القوانين تعمل على فرض الوصاية الفرنسية على التعليم الإسلامي كقرار 24 يناير/كانون الثاني 1850، إذ دشنت فرنسا "تفريخ" نخبة دينية موالية لها تتولى إدارة الشؤون الدينية للأهالي، وصولاً إلى مرسوم أصدره رئيس مجلس الوزراء الفرنسي شوطون (Camille chautemps) وحظر فيه استعمال اللغة العربية واعتبرها أجنبية عن الجزائر، في محاولة لكبح النجاح الكبير للتعليم العربي الإسلامي الذي يعود إلى جهود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين".

وحسب الدكتور حسين بوبيدي فإن المخطط الاستعماري المستهدف للغة العربية والدين الإسلامي سار لتحقيق هدف واحد حتى وإن اختلفت القوانين، وهو "التضييق على التعليم الحر المحافظ على الشخصية الجزائرية باعتباره أهم روافد المقاومة ضد الاستعمار، والعمل على إنتاج نخب ذات ثقافة فرنسية يمكنها أن تكون "الوسيط الأهلي" بين الاستعمار والجزائريين لتحقيق مشاريعه".

ومنذ أيام قال عبد المجيد شيخي مستشار الرئيس عبد المجيد تبون المكلّف الأرشيف والذاكرة إن "فرنسا الاستعمارية عملت على نشر الأمية بالجزائر"، فبعدما كانت نسبتها لا تتجاوز 20% عام 1830 استطاعت فرنسا أن ترفعها إلى معدلات قياسية بعد 30 سنة من الاحتلال بالقضاء على المتعلمين في الجزائر.

ويشير الباحث في التاريخ مولود نفاري بحديثه مع TRT عربي إلى أن الحرب الفرنسية على الإسلام والعربية تجسدت أيضاً في حملات التبشير المسيحية التي كانت تستهدف الأطفال، منها على سبيل المثال خطط الكاردينال لافيجري التي أطلقها عام 1867 لتنصير الأطفال الجزائريين.

استهداف متواصل

لم يتوقف الاستهداف الفرنسي لكل ما له علاقة بالهوية الجزائرية عند فترة الاحتلال، لأن باريس واصلت حربها عبر نفوذها في المنطقة من خلال العمل على بقاء الجزائر مرتبطة بالثقافة الفرنسية.

واستغلت باريس بالأساس حاجة الجزائر المستقلة إلى الخبرة الأجنبية في بعث برنامجها التعليمي، بإبقاء الفرنسية اللغة الأجنبية الأولى بالبلاد عبر استهداف اللغة العربية ومحاولة إفراغ المنهاج التربوي الجزائري من أبعاده الإسلامية والعربية.

وتتهم نقابات التربية بالجزائر فرنسا بالعمل لإبقاء المدرسة الجزائرية رهينة الفكر الفرنسي في التعليم وإفشال أي محاولة للخروج من حيزها، فقد كشفت تقارير نقابية أنه قد استعين بخبراء فرنسيين في الإصلاحات التي نفذتها لجنة إصلاح المنظومة التربوية لعلي بن زاغو في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وكذا الإصلاحات التي أتت بها وزيرته نورية بن غبريت التي حاولت تغريب المدرسة الجزائرية واستهداف اللغة العربية باقتراح تدريس العامية بدل الفصحى في الطور الابتدائي، إضافة إلى تقليص ساعات التربية الإسلامية وتغيير برامجها.

ويقول الدكتور حسين بوبيدي لـTRT عربي إن الاستعمار الفرنسي عندما تأكد من الجلاء بعد هزيمته سياسياً وأخلاقياً وتكبُّده خسائر في جنده وقياداته لم يعد قادراً على تبريرها للفرنسيين حرص على أن يحافظ على ما تحقق له على الصعيد الثقافي، فقد ضمن في اتفاقيات إيفيان استمرارية تدريس اللغة الفرنسية مع التاريخ والحضارة تحت عنوان "التبادل الثقافي" الذي يتضمن أيضاً تسهيل الدراسات التي تجري في هذه الميادين والمهرجانات الثقافية".

وأوضح بوبيدي أنه على الرغم من أن "هذا الامتياز كان مكفولاً للجزائريين أيضاً في فرنسا فإن الوعي بالوضعية الثقافية لكلا البلدين في ذلك السياق يبرز لنا أن ما سُمي باب التبادل الثقافي بالاتفاقيات لم يكن سوى محاولة من فرنسا للاستثمار في رصيد تجربتها الاستعمارية، ولذلك كانت نخبها -والدائرون بفلكها- دائماً يقفون في وجه المشاريع التي تسعى لتحقيق القطيعة مع هذه المخططات، مثل سياسات التعريب بمختلف المجالات أو مساعي إحلال الإنجليزية محل الفرنسية، ولا يخفى على المتابع محاولتها تقديم الدعم لمن تعتبرهم مندمجين ضمن ثقافتها والذين يرون اللغة الفرنسية السبيل الوحيد "لتحديث" المجتمع الجزائري".

وبدوره يشير الكاتب الصحفي محمد لهوازي في حديثه مع TRT عربي إلى أن "باريس حاولت بعد خروجها من الجزائر مواصلة فرض سيطرتها الثقافية واللغوية من خلال البرامج الدراسية ودعم استعمال اللغة الفرنسية في الإدارات العمومية، فإلى وقت قريب كانت اللغة العربية تعتبر لغة رسمية في الأوراق لكن السياسيين والمسؤولين يتحدثون بالفرنسية في خطاباتهم حتى مع الجزائريين".

ولفت لهوازي إلى أن فرنسا أجهضت مبادرة التعريب التي أطلقها الرئيس الراحل هواري بومدين التي لاقت مقاومة شرسة من طرف اللوبي الموالي لباريس.

مسألة نفوذ

لا يقتصر استهداف فرنسا للهوية العربية المسلمة على الجزائر فقط، حتى إن كان بدرجة أكبر، إذ سعت باريس دوماً للمحافظة على نفوذها بمنطقة المغرب العربي.

وحسب الدكتور حسين بوبيدي فإن استهداف منطقة شمال إفريقيا "تدخل ضمن السياسات العامة لفرنسا ضمن منظمة (الفرانكفونية) التي تعد بمثابة الوريث الثقافي للمرحلة الاستعمارية الفرنسية في كل أرجاء المعمورة".

وعلى الرغم من محاولات باريس المتعددة يلفت الكاتب الصحفي محمد لهوازي إلى أن الجزائر حتى اليوم ترفض الانضمام إلى منظمة الفرانكفونية. وشاركت الجزائر بإحدى قمم الفرانكفونية خلال فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي عزز النفوذ الفرنسي في الجزائر، وذلك من دون أن تنضم رسمياً إليها.

وعلى عكس الجزائر تعتبر تونس والمغرب من أعضاء منظمة الفرانكفونية، وهو واقع يكرس بقاء الفرنسية اللغة الأجنبية الأولى بتونس والمغرب وموريتانيا، بل إن الرباط باشرت إصلاحات بالسنوات الأخيرة يمكن أن تجعل لغة فولتير لغة التدريس بالمدارس المغربية بدل لغة الضاد بحجة أن الفرنسية لغة التعليم بالمستوى الجامعي.

والأكيد أن التصدي للمد الفرنسي بالجزائر والمغرب العربي ككل يحتاج إلى مزيد من الجهود الرسمية والشعبية، وربما يحتاج بالأساس كما قال رئيس المجلس الأعلى بالجزائر أبو عبد الله غلام الله إلى جهاد علمي ووطني لاستئصال ما تبقى من الثقافة الفرنسية.

TRT عربي