تَعرَّف تاريخ وخارطة سيطرة إسبانيا شمال المغرب (AA)

تسع جزر ومدينتان، بعضها لا يفصله سوى أمتار عن الأراضي المغربيَّة، لكنَّها لا تزال تحت الحكم الإسباني إلى يومنا هذا. إليكم الخارطة الاستعمارية الإسبانية لثغور شمال المغرب.

قد يُفاجأ كثيرون حينما يسمعون بوجود مدينتين مغربيَّتين تقعان فوق الأراضي المغربية وتخضعان للإدارة الإسبانية. وحتماً سيُفاجَؤون بست جزر أخرى تحت سيادة مدريد، ترى فيها الرباط جزءاً لا يجزَّأ من ترابها. هي القضيَّة التي أعادها التوتر الدبلوماسي المغربي الإسباني، خصوصاً في تطوراته الأخيرة المتعلقة باقتحام عدد كبير من المهاجرين غير الشرعيين جيب سبتة (شمال البلاد)، إلى واجهة الحدث الدولي.

وليست هذه أول مرة يتصاعد فيها الصدام بين البلدين الجارين عند نقاط التماسّ البرِّيَّة تلك، وليست سابقة أن تلعب تلك القضية الجامدة سياسيّاً أداة ضغط لأحد طرفيها على الآخر، إذ يعود الوجود الإسباني بمعظم هذه الثغور إلى بداية القرن 15م، إبان الغزو الإيبيري الأول للأراضي المغربيَّة عقب سقوط الأندلس، فيما أخذ المغرب على عاتقه، منذ 1960، تقديم مطالبات دولية بجلاء إسبانيا عن تلك الأراضي.

في هذا التقرير نستعرض أمامكم خارطة السيطرة الإسبانية على الثغور المغربية.

سبتة ومليلية

تُعَدّ سبتة ومليلية نقطة الارتكاز الأساسيَّة للوجود الإسباني شمال المغرب، من حيث إن المدينتين المتصلقتين جغرافياً بتراب المملكة تضمان العدد الأكبر من السكان. وتتمتَّع كل منهما بحكم ذاتي وحكومات محليَّة، إضافة إلى مؤسسات أمنية وسياسية ونشاط تجاري واقتصادي، في اختلاف عن بقية الثغور التي هي في أغلبها مناطق خالية من السكان، أو تأهلها ثكنات عسكرية.

جغرافيا تُعَدّ سبتة الأكبر مساحة، بما يعادل 18.5 كيلومتر مربع، وتقع شمال غرب المملكة تحدّها جنوباً مدينة الفنيدق المغربية. يأهلها نحو 86 ألف نسمة، نصفهم يتحدَّث اللهجة العربيَّة المغربيَّة أكثر من نصفهم مغاربة، و48% مسلمين.

أما مليلية فلا تتعدى مساحتها 12.3 كيلومتر مربع، تحدّها جنوباً بلدة بني انصار المغربية، وأقرب مدينة لها هي الناظور شمال شرقي المملكة، بساكنة أكثر بقليل من نظيرتها الغربية، نحو 87 ألف نسمة، يتحدَّثون بكل من اللغات الإسبانية والأمازيغيَّة والعربية، فيما لا يمثل منهم المغاربة المسلمين سوى نسبة 20%.

من الناحية الاقتصادية، للمدينتين خواصّ متطابقة، إذ يقوم اقتصادهما بالأساس على التجارة والخدمات؛ يحرِّك الشق التجاري انتشار ظاهرة التهريب المعيشي منها إلى الأسواق المغربيَّة، وهو النشاط الذي تعتاش به غالبيَّة سكان المدن المغربيَّة المجاورة لها. أما خِدميّاً، فتتوفر المدينتان على ميناءين ومطارين خاصين بهما، إضافة إلى عدد من المؤسسات الفندقية ومرافق السياحية.

ويعود احتلال سبتة إلى بداية القرن 15م، وتمَّ على مرحلتين: الأولى سنة 1415 عندما سقطت في يد البرتغاليين، لتنتقل بعدها إلى الإسبان سنة 1668. فيما احتُلّت مليلية خريف سنة 1497.

الجزر الجعفريَّة

أو جزر "إيشفارن" باللغة الأمازيغيَّة، هي أرخابيل من ثلاث جزر: عيشة وإيدو وأسني. تقابل سواحل منطقة رأس الماء المغربية (شمال شرق المملكة)، مساحتها مجتمعةً تقارب 0.6 كيلومتر مربع، ولا يفصلها عنها سوى 4 كيلومترات. احتلتها إسبانيا سنة 1848، فيما بقيت منطقة عسكريَّة تابعة لوزارة الدفاع الإسبانية، لا يُسمح بدخولها إلا بإذن رسمي. اثنتان منها غيرُ مأهولة، والثالثة (جزيرة أسني) بها ثكنة عسكرية تؤوي نحو 200 شخص بين جنود وإداريين وحراس بيئة.

باديس وجزر الحسيمة الثلاث

أقرب الجزر إلى السواحل المغربيَّة جزيرة قميرة، أو "حجر باديس" كما يسميها أهل الريف المغربي، إذ لا يفصل بينها وبين الشواطئ المحاذية لمدينة الحسيمة سوى بضعة أمتار من ممر صخري تغمره المياه ساعة المد. فيما على طول تاريخ الجزيرة، أو الحجر نسبة إلى مساحتها الصغيرة، عاشت مراحل متقلبة، فقد مثَّلت ثغراً أساسياً لأنشطة القرصنة بالبحر الأبيض المتوسط، قبل أن يحتلها الإسبان سنة 1508 لغرض كبح جماح التهديد الذي طال سفنها.

سنة 1522 ستثور الساكنة الأمازيغيَّة المحيطة بها فتستردها مجدداً، مُبيدة كل الحامية الإسبانيَّة التي استوطنتها. وفي سنة 1554 منحها السلطان أبو حسون الوطاسي لحلفائه العثمانيين، قبل أن يحتلّها الإسبان مجدداً بعد عشر سنوات. ومنذ ذلك الحين عرفت الجزيرة محاولات عديدة للاسترجاع، لكنها باءت كلها بالفشل.

علي مقربة منها، ووسط حوض الحسيمة، تقع ثلاث جزر صغيرة غير مأهولة يُنسب باسمها إلى المدينة المغربية. هي الأخرى لا تزال تحت الاحتلال الإسباني، وتعتبر مع جزيرة باديس منطقة عسكرية محظورة.

ليلى أو جزيرة البقدونس

هي جزيرة تقع وسط مضيق جبل طارق، على بعد 200 متر من السواحل المغربية. كانت مُهمَلة إلى حدود سنة 2002 حيث تصدَّرت الأحداث الدولية. ذلك عندما نشرت السلطات المغربيَّة قواتها على الجزيرة، بهدف مكافحة الهجرة السريَّة وعمليات تهريب المخدرات، الشيء الذي استنفر إسبانيا لتحرك قِطعها البحريَّة والجويَّة لمحاصرتها. ساد القلق العالَم من نشوب نزاع مسلَّح بين الدولتين، فيما أخذ التصعيد الدبلوماسي من الجانبين مجراه: إسبانيا بدعم كبير من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، والمغرب الذي اصطفّت جامعة الدول العربيَّة إلى جانبه.

تَوقَّف التوتر باتفاق بين المغرب وإسبانيا تحت الرعاية الأمريكيَّة، ينصّ على إعادة الوضع إلى حاله الأول، بسحب القوَّتين من تراب الجزيرة.

يُذكر أن المغرب أدرج المندوب المغربي لدى الأمم المتحدة، امحمد بوستة، سنة 1960، قضية هذه المناطق من بين المطالب الترابية المغربية خلال الجلسات الخاصة بـ”الإعلان عن منح الاستقلال للدول والشعوب المستعمرة”.

لكن على الرغم من التحرك المغربي على الصعيد الدبلوماسي وتدويل قضيته، استمرت إسبانيا في نفي أن يكون لديها أي نزاع ترابي مع المغرب، كما تجاهلت الحكومات الإسبانية المتتالية كل المطالب المغربية بسبتة ومليلية والجزر المتوسطية، بدعوى أن انتماء هذه الأراضي إلى إسبانيا أمر محسوم.

TRT عربي
الأكثر تداولاً