تردي الأوضاع المعيشية في لبنان مع استمرار أزمة المصارف، والخلافات السياسية بين الفرقاء، وانتشار جائحة كورونا انعكس على حياة المواطنين بشكل كبير، الأمر الذي اضطر عدد منهم إلى البحث عن بيع أعضائه لتسديد تكاليف العيش، كان شادي واحداً منهم.

ابن الثالثة والعشرين اللبناني شادي إمامي، استسلم لواقعه المعيشي المرير، الذي دفعه إلى عرض كليته للبيع على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بعدما ضاقت به السبل بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية التي يشهدها لبنان منذ نحو ثمانية أشهر، فبات عاطلاً عن العمل بعدما كان يسترزق من استئجار "فان" عمومي لنقل الركاب.

"أخشى أن أموت قبل أن تعيش عائلتي"، هكذا عبّر شادي عن جُلّ همّه وهو يتحدث لـTRT عربي، ويكاد الحزن لا يفارق بصره أينما أشاح به. فهمّه، مثل همّ ملايين من الشباب العربي، هو تأمين مستقبل زوجته وطفلته وأخواته الثلاث، إذ لا عائل لهم سواه، بخاصة بعدما انفصل والداه وهو في الثامنة عشرة، وباتا يعيشان حياتهما كل مع عائلته الجديدة دون اكتراث لأولادهما الذين يموتون جوعاً، وتتراكم عليهم ديون الدكاكين وإيجار المنزل التي فاقت عشرة ملايين ليرة لبنانية، وباتت ضغوط الدائنين ترهق كاهله وتهدد حياته.

شادي الذي يعيش في منطقة تغلب عليها التجمعات العشائرية في بيروت، يكشف لـTRT عربي عن "خوفه من الموت برصاصة انتقام لعدم قدرته على سداد الديون" قائلاً: "هنا من لا ظهر له يكون ثمنه رصاصة. لا أتوقع أن يتحملوا ظروفي المعيشية كثيراً، وأخشى أن أُجبَر على سداد الدين في وقت قريب، لذلك أتوق إلى أن يتصل بي أحد لشراء كليتي".

وبالفعل، تحققت أمنية شادي واتصلت به إحدى السيدات لشراء كليته ضمن شروطها الخاصة، وهي أن يكون ثمن فحوصات الأنسجة على نفقة شادي، وأن تشتري كليته بـ20 مليون ليرة لبنانية فقط، أي ما يعادل 5 آلاف دولار أمريكي تقريباً، لكنه رفض لكون المبلغ زهيداً جداً ولا يصل إلى الحد الأدنى لسعر الشراء الطبيعي، خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تكلفة الحياة في بلد مثل لبنان.

ورغم أنه بحث مراراً وتكراراً عن عمل له ولزوجته، ولكن دون جدوى، فإنه لا يزال يطرق أبواب أرباب العمل على أمل أن تضحك له الحياة يوماً ما، حتى إنه قصد ورش العمار والباطون بهدف العمل "عتالاً" رغم أنه يعاني من مرض الاستسقاء الدماغي، وهو التراكم الزائد للسائل النخاعي في الجيوب الدماغية، الأمر الذي يمنعه من التعرض لأشعة الشمس، إلا أن الأبواب أُغلقت في وجهه مجدداً.

أكتوبر.. نقطة تحول لدى اللبنانيين

البطالة والفقر المدقع ظاهرتان قديمتان عمرهما عشرات السنين، تتفاقمان مع كل خضة أمنية واقتصادية يشهدها لبنان. فاحتجاجات السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي ضد النخبة الفاسدة في البلاد قلبت حياة اللبنانيين رأساً على عقب، وبات التسريح من العمل يهدد أرزاق عشرات آلاف اللبنانيين، هذا مع تهاوي سعر صرف الدولار الأمريكي، ففي حين حافظ الدولار على سعر صرف يساوي 1500 ليرة لبنانية، بات الآن على عتبة الضعف الثالث. 

وقد وصل سعر صرفه في السوق السوداء إلى 4200 ليرة لبنانية، لا سيما بعدما حاصرت البنوك أموال اللبنانيين، ومنعتهم من تسلمها إلا بالعملة المحلية، ووفقاً لسعر الصرف الذي يقرره مصرف لبنان الذي لا يزال موافقاً للسعر الأول، أي أقل بكثير من سعر الصرف في السوق السوداء. هذا الأمر انعكس على شكل تدهور في قيمة الليرة اللبنانية في ظل التلاعب بسعر صرف الدولار، وعدم مراقبة الدولة اللبنانية الصرافين والسوق السوداء.

وبالتالي أضحى الحد الأدنى للأجور في لبنان ومعه مدخول المواطنين بالليرة اللبنانية لا يتعدى مئتي دولار أمريكي، بل لا يبلغ مئةً أحياناً. رافق ذلك رفع المحلات التجارية أسعار السلع والبضائع بشكل فادح وصل إلى أكثر من ثلاثة أضعاف في السلع الأساسية كحليب الأطفال والسكر والزيت والخضراوات، دون حسيب أو رقيب، في ظل تقاعس الدولة اللبنانية بخاصة وزارة الاقتصاد عن مراقبة البائعين وفرض غرامات عليهم في حال المخالفة، من أجل الحد من زيادة التضخم، الذي وصل إلى 11.3% في فبراير/شباط المنصرم، وهو أعلى ارتفاع يشهده لبنان منذ نهاية عام 2008 حسب موقعTrading Economics .

ومن الجدير ذكره هنا أن شرارة الاحتجاجات اللبنانية كانت أشعلتها سلسلة قرارات اقتصادية أقرّتها الحكومة اللبنانية آنذاك، إذ كان يرأسها الرئيس سعد الحريري، وتضمنت ورقة الضرائب الجديدة التي نشرتها الوكالة الوطنية للإعلام، زيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 2% عام 2012 و 2% إضافية في العام الذي يليه، أي لتصل إلى حد 15% على جميع السلع، إضافة إلى زيادة الضرائب على التبغ والوقود، وفرض ضرائب لأول مرة على المكالمات عبر الإنترنت، ولا سيما تطبيق الاتصالات المجانية واتساب، حينها بدأت الاحتجاجات وقطع الطرق في العاصمة بيروت، لتمتد في اليوم التالي، أي الثامن عشر من أكتوبر/تشرين الأول، لتشمل المحافظات اللبنانية كافة.

نصف الأسر اللبنانية ستجوع

وما كادت شرارة الاحتجاجات الشعبية تهدأ في الشارع، حتى دقت جائحة كورونا أجراس الخطر في لبنان، مع اكتشاف أولى الحالات في 20 فبراير/شباط الماضي، إذ أعلنت وزارة الصحة ببيان لها إصابة سيدة لبنانية قادمة من إيران، فما كمان من حكومة الرئيس دياب التي جاءت لتشكل إنقاذاً اقتصادياً إلا أن تعلن حالة التعبئة العامة وحظر التجول منذ شهر فبراير/شباط الماضي، مما زاد الطين بلة، ولتدهور الأحوال الاقتصادية بشكل غير مسبوق، فأغلقت جميع الأعمال في المرافق العامة والمؤسسات التجارية والشركات أبوابها، وشُلت حياة اللبنانيين والتزموا بيوتهم لنحو ثلاثة أشهر.

إلى أن عاود اللبنانيون الخروج مجدداً للشارع في السادس من يونيو/حزيران، وهو ما يعبر عن الحالة الصعبة التي بات يرزح تحتها المواطن اللبناني جراء فساد الإدارة الاقتصادية للبلاد وجراء جائحة كورونا، إذ بلغت نسبة البطالة 11.36% حسب أحدث إحصائية لإدارة الإحصاء المركزي نشرتها نهاية فبراير/شباط، لكن هذه النسبة تزايدت بلا شك بسبب الإغلاق العامّ.

وعلى الصعيد ذاته كشف رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب في مقالة كتبها لواشنطن بوستفي 21 مايو/أيار الماضي، أن "نصف الأسر اللبنانية ستصبح عاجزة عن شراء الطعام نهاية العام الجاري". وعزز ذلك تقرير استند إلى دراسات للبنك الدولي، نشره برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة على موقعه الإلكتروني، جاء فيه أن "معدل انتشار الفقر في لبنان سيرتفع من 37% عام 2019 إلى 45% عام 2020، ومن المتوقع أن يرتفع معدل الفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي من 16% عام 2019 إلى 22% العام الحالي".

واليوم ومع الحديث عن دخول لبنان مرحلة الانحسار في مواجهة كورونا، فإن الحكومة مقبلة على استحقاق داخلي صعب، لا سيما مع عودة الزخم الشعبي لاحتجاجات تشرين وعودة أنصارها إلى الشارع، في ظل تزايد حدة الخلاف السياسي بين الأقطاب السياسية، وحتى داخل القطب نفسه، حيث يعيش تيار المستقبل أزمة الخلاف بين رئيسه سعد الحريري وشقيقه بهاء، فيما يحتدم الخلاف بين رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري ورئيس التيار الوطني الحر الوزير السابق جبران باسيل، وخلافهم جميعاً مع رئيس الحكومة حسان دياب، مما يجعل الساحة اللبنانية تدخل أكثر في نفق الانهيار الاقتصادي، الذي يدفع المواطن اللبناني ثمنه بالدرجة الأولى.

بيع الأعضاء للعيش بكرامة

لا شيء أثمن من نعمة التمتع بصحة سليمة خالية من الأمراض، هذه هي القاعدة العامة في الحالات الطبيعية، أما في بلاد الاستثناء مثل بلادنا العربية، فبات المريض يفضّل الموت بسلام على أن يترك من ضمن إرثه ديوناً تتحمّلها العائلة، ينشغلون بها بدل الترحم عليه. وعلى الجانب الآخر بات الفقير يلجأ إلى وهب أعضائه لمرضى محتاجين ليعيش هو وعائلته حياة كريمة دون عوز أحد، وذلك في خضم الأوضاع المعيشية والاقتصادية والأمنية الصعبة التي يعيشها اللبنانيون حالهم حال مواطني عديد من الدول حول العالم.

"الموت أفضل من هذه المعيشة" هي نظرة شادي إلى حياته التي لم تتعدَّ بعدُ عتبة الثلاثيين. إن قصة شادي هي واحدة من آلاف القصص للبنانيين وملايين السكان في العالم الذين تصدح أصواتهم البائسة ويطرق الجوع والفقر والحرمان أبوابهم يومياً على مرأى ومسمع العالم الذي بات عدم المساواة الاقتصادية هو السمة الأبرز فيه.

TRT عربي
الأكثر تداولاً