تتزايد عمليات الاختطاف القسري في العراق الأمر الذي يهدد سلامة عشرات الناشطين في الاحتجاجات الشعبية التي تطالب بمحاسبة الفاسدين.

تحتجز شرطة مكافحة الشغب العراقية متظاهرًة أثناء مظاهرة تطالب بخدمات عامة ووظائف أفضل ، في البصرة ، جنوب شرق بغداد ، العراق 
تحتجز شرطة مكافحة الشغب العراقية متظاهرًة أثناء مظاهرة تطالب بخدمات عامة ووظائف أفضل ، في البصرة ، جنوب شرق بغداد ، العراق  (AP)

تصاعدت الخطابات الشعبية في العراق مطالبةً بتحقيق الوعود التي أقرَّتها الحكومة والتي تحاول تأجيلها بسبب زيادة العجز الاقتصادي جراء الحروب، خصوصاً في الوقت الذي تحاول فيه السلطات العراقية فرض شخصيَّة الدولة التي تريد إيجاد الحلول لفَضّ الاحتجاجات، لكنها تسقط بشكل متكرر في استخدام أساليب القمع، الأمر الذي يؤدِّي إلى تأجيج الشارع العراقي.

حكومة العراق اتخذت أسلوب "الاختطاف" وسيلةً جديدةً لترهيب المتظاهرين، بجانب إطلاق الرصاص الحي والقنابل، وبعد تفاقم الأمر الذي يصفه العراقيون بـ"المأساوي"، دعت منظَّمة العفو الدولية في بيان لها الحكومة العراقية إلى الكشف عن مصير المختطَفين والمعتقَلين، معتبرة أن اللجوء إلى التحركات العنيفة يأتي في إطار حملة "الحد من حرية التعبير" لدى العراقيين.

نقابة المحامين تستنكر الانتهاكات

ساهمت التظاهرات في خلق موجة من الرأي العامّ الواسع في العراق لا سيما بعد حالات الاعتقال والاختطاف بحق الناشطين المدنيين، مما اضطر النقابات إلى أن تشارك في التظاهرات، وبهذا الصدد تحدث نقيب المحامين العراقيين ضياء السعدي لـTRT عربي قائلاً: "لن نقبل بالطريقة التي تتعامل بها الحكومة مع المتظاهرين، ونطالب الأجهزة الأمنية بالكشف عن مصير المعتقلين والمختطفين، وضمان حياتهم".

وقال السعدي: "نقابة المحامين تعتبر الاعتقال والاختطاف جريمة إنسانية كبيرة لن يُسكَت عنها، وسنحاسب قانونيّاً من يتعرض للمدنيين ويكبت الحريات، فاليوم اختطفوا الناشطين والصحفيين، ووصل الحال إلى اختطاف محامين بارزين، وقد يصل الحال غداً إلى اعتقال واختطاف مزيد وتغييبهم ودفنهم بلا أي مبرر أو سبب مقنع".

وأضاف نقيب المحامين: "اختطاف المحامين الثلاثة يُعَدّ من الجرائم الخطرة التي تخلق أجواءً من الرعب والتخويف بين صفوف المحامين المتظاهرين السلميين، وتؤدي أيضاً إلى هز كيان المجتمع العراقي".

وأكَّد السعدي أن "النقابة من جانبها تتابع قضية المحامين المخطوفين من خلال رئاسة الادِّعاء العامّ في مجلس القضاء الأعلى، بعد إحاطتها علماً بجرائم الخطف التي نالت رجال القضاء سواء في بغداد أو بقية المحافظات".

مطالبات بالإفراج عن المتظاهرين

وقد نظّم عشرات الناشطين والمنظَّمات العاملة في مجال حقوق الإنسان، وقفة احتجاجية في ساحة التحرير وسط بغداد، مطالبين الحكومة العراقية بكشف مصير المختطفين وإطلاق سراحهم فوراً، لكنهم أكَّدوا أن مطالباتهم لم تلقَ اهتماماً، وأن الحكومة تستفزّ المتظاهرين بالقتل والترهيب واستخدام أسلوب الاعتقال.

وقالت الناشطة العراقية ميسون الدليمي لـTRT عربي: "لم تفصح الحكومة بعدُ عن أماكن اختطاف الثائرين، ولا الجهة التي نفّذَت عملية اختطافهم الشنيعة، لذلك نحّمل الحكومة مسؤولية تغيُّبهم وسلامتهم، لأن الاعتقالات بدأت تدخل مدار الاختطاف وتخويف المتظاهرين بدلاً من الحفاظ على أرواحهم".

وحذَّرَت ميسون الحكومة العراقية من "أي إجراءات أمنية ضدَّ المتظاهرين الذين سيصعِّدون خطاباتهم إذا ما استمرَّت عمليات الاعتقال والاختطاف، داعيةً دول العالَم والمجتمع الدولي إلى وقف التدخل الإيرانيّ في العراق والتصدي للقناصة الإيرانيّين الذين يقتلون شباب العراق".

وتابعت: "نحن ماضون في مناشداتنا لكل من يستطيع المساعدة في إيجاد المتظاهرين، أو الضغط على زمرة الشر التي اختطفت إخواننا وأخواتنا، كما ندعو المنظَّمات والهيئات الدولية إلى مساعدتنا في العثور عليهم أو تقصّي أخبارهم".

ظهور بعد الإفراج

أطلقت الحكومة العراقية سراح 8 ناشطين بعد اختقائهم لمدة 14 يوماً على إثر منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. وأكَّدت أنهم لم يتعرضوا لأي أذى وأن ذلك الإجراء كان احترازياً من أجل التحقيق، وأنها لا تعتبر ذلك اختطافاً بل حفاظاً على سرية المعلومات.

وبعد إطلاق السراح، تحدث الناشط الدكتور ميثم الحلو لـTRT عربي قائلاً " تعرضنا للتغييب عن العالَم دون إخبار أهالينا، وتم نقلنا إلى جهة مجهولة من قبل جماعة ملثمة ترتدي ملابس سوداء بسيارات لا تحمل لوحة أرقام، وأدخلونا إلى غرفة لم نستطع التعرف على مواصفاتها".

وأضاف الحلو، أجروا معنا تحقيقات وسألونا أسئلة غريبة عن التظاهرات واتهمونا بالتخريب. وكلما وضحنا لهم موقفنا السلمي، يردون علينا بعبارات الإرهاب، إذ خطفونيمن عيادتي الشخصيَّة قبل أسبوعين، وقيدوا يديّ وأغلقوا عينيّ خلال فترة احتجازي وعاملوني بطريقة سيئة".

وأشار إلى ما جرى له قائلاً: "أطلقوا سراحي بعد دفع فدية مالية للعصابة الخارجة عن القانون، وبذلك أطالب الحكومة العراقية بالكشف عن تلك الجماعة المسلَّحة ومنع اختطاف المدنيين، وأدعو الحكومة إلى ضبط الأمن وتفعيل دورها الاستخباراتي والتوقف عن التذمر وإلقاء اللوم على الجماعات المسلَّحة، لأنها الحكومة وهي الجهة المسؤولة عن أرواح المواطنين، وهي من يتحمل ما يجري من انتهاكات".

موقف المنظَّمات الدولية

طالبت منظَّمة العفو الدولية السلطات العراقية بوضع حدّ فوراً للحملة المتواصلة من الترهيب والاعتداء على الناشطين في بغداد وبقية المحافظات الجنوبية، وكشف أماكن وجود آخرين، ومن بينهم أطباء ومحامون وصحافيون اختفوا قسراً.

وأكَّدت المنظَّمة أنه من خلال تقصيها للأحداث في العراق تبين أن قوات الأمن العراقية تستهدف، بشكل ممنهج، أي شخص يتحدث علناً عن سلوك قوات الأمن خلال الاحتجاجات.

وبهذا الصدد صرّحت لين معلوف، مديرة البحوث للشرق الأوسط في منظَّمة العفو الدولية لـTRT عربي، قائلةً "كل من يعبّر عن المعارضة في العراق اليوم يواجه استجواباً تحت تهديد السلاح، والتهديد بالقتل والاختفاء القسري، وقد وعدت السلطات العراقية بفتح تحقيق في مقتل المحتجين، ولكن مر أكثر من أسبوعين، ولم يجر مثل هذا التحقيق، بل ما نراه هو استمرار للنهج ذاته، نهج القمع بتكلفة مروعة للشعب العراقي".

مفوضية حقوق الإنسان تدعم التظاهرات

لم تقتصر موجة الاحتجاجات على دعم النقابات المهنية والجمعيات الطلابية والمنظَّمات الإنسانية للتظاهرات، بل تحولت موجة الاحتجاجات لتنحو منحى آخر؛ ففي غضون ذلك أوضح علي البياتي عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق لـTRT عربي، أنه تم "تحريك شكوى بخصوص الناشطين المختطفين وَفْقاً للسياق القانوني".

وأعرب البياتي عن قلقه حيال تسويف مطالبات اللجنة التحقيقية المعنية بكشف مصير المختطفين من الناشطين، مشيراً إلى أن المفوضية دعت ذوي المفقودين والمختطفين إلى زيارتها لتسجيل أسمائهم وتفاصيلهم لغرض التحري عنهم.

كما أضاف البياتي أن "العراق فَقَد موقعه كعضو في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتَّحدة في 18 أكتوبر/تشرين الأول الجاري عن دول منطقة آسيا والمحيط الهادي، رغم أنه كان عضواً للدورة الحالية، وفقدان العراق مقعدَه في مجلس حقوق الإنسان سيؤثر على موقف العراق والتدخل الدولي في موضوع المفقودين والمختطفين سيكون أسهل بسبب عدم قدرة البلد على الدفاع عن نفسه".

وتابع البياتي، المفوضية العليا لحقوق الإنسان تستنكر استمرار الاعتقالات العشوائية دون التحري عن الكثير من المعتقلين؛ حيث وثقت فرق الرصد اعتقال 66 متظاهراً في العاصمة بغداد أُطلِق سراح 7 منهم، و20 متظاهراً في البصرة أشرفت المفوضية على إطلاق سراح 7 متظاهرين منهم على خلفية التظاهرات التي جرت في منطقة المعقل في محافظة البصرة، واعتقال 37 متظاهراً في محافظة ذي قار أُطلِق سراح 21 منهم، ووصلت إحصائيات الاعتقالات إلى 2500 حالة تم إطلاق سراحهم جميعهم عدا 17 شخصاً تعرضوا للاختطاف ولا وجود لأي أخبار عنهم حتى هذه اللحظة".

كما أشارت المفوضية إلى اختطاف عدد من الناشطين على خلفية التظاهرات، ووثقت إطلاق سراح الناشطة صبا المهداوي، والناشط علي هاشم بعد اختطافهم من قبل مجهولين، فضلاً عن تعرّض مدير معهد التطوير الأمني العميد الدكتور ياسر عبد الجبار للاختطاف وسط بغداد من قبل مجهولين.

انزعاج أممي من قرارات القضاء

أكَّدت الحكومة العراقية التزامها بحماية ممارسة الحقّ في التجمع السلمي مع اتخاذ خطوات وقائية لحماية المتظاهرين من العناصر المسلَّحة، وكذلك إصدار تعليمات واضحة لقوات الأمن بالالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة باستخدام القوة، بما في ذلك على سبيل المثال الحظر الصريح لإطلاق النار واستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع مباشرة ضد المتظاهرين.

وفي هذا السياق، قال المتحدث الأممي للمفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتَّحدة روبرت كولفيل لـTRT عربي: "إننا ندعو السلطات العراقية إلى اتخاذ خطوات حازمة نحو إجراء حوار مفيد في العراق، وتقييم العديد من المظالم والعمل مع مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة من أجل التوصل إلى حل مستدام للعديد من التحديات التي يواجهها العراق، ونحن على استعداد للمساعدة".

وعبر كولفيل عن "انزعاجه من بيان المجلس الأعلى للقضاء في العراق الذي ينص على أن القانون الاتِّحادي لمكافحة الإرهاب سينطبق على من يلجؤون إلى العنف، وتخريب الممتلكات العامَّة واستخدام الأسلحة النارية ضد قوات الأمن، فهذه أعمال إرهابية يمكن أن يعاقب عليها بالإعدام، وقد وصفها أنها مجحفة بحق الحريات ولا تستند على معايير دولية إنسانية".

الحكومة العراقية تبرر حالات الاعتقال والاختطاف

وسط اضطراب في الخطابات الحكومية التي يشهدها العراق، جاء رد المتحدث الرسميّ باسم الحكومة سعد الحديثي، لـTRT عربي، قائلاً "الحكومة العراقية وجّهت الأجهزة الأمنية للالتزام بقوانين الأمم المتَّحدة التي تتعامل بطريقة قانونية مع التظاهرات، ونحن متمسكون بمواثيقنا الدولية ونحاول صيانة حقوق الإنسان ومنع التعامل المسلَّح للمدنيين".

وتابع الحديثي، "نتعرض لاتهامات متكررة بالاعتقال والاختطاف، لكننا في الحقيقة نستدعي بعض المتظاهرين للتحقيق معهم بخصوص حرق المقرات الحزبية وتخريب الدوائر الحكومية الرسميَّة، ولا نهدف لاختطاف المتظاهرين، بل إن ما يُدار في الإعلام هو موجة لتشويه سمعة الحكومة وتوريطها في ملفات هي غير مسؤولة عنها".

وأكَّد الحديثي أن "الحكومة العراقية تستنكر كل أساليب الاختطاف وتطالب الجماعات المسلَّحة بالإفراج عن المعتقلين فوراً، وسنحاسب كل من ينتهج الأسلوب القمعي بحق المواطنين، كما نسعى للتوصل إلى حلول منطقية مع تنسيقية التفاوض التابعة للمتظاهرين، لكنهم يُصعّدون من مطالبهم في ظل عدم قدرة الحكومة على إجراء إصلاحات سريعة".

تحليلات أمنية لموجة الانتهاكات

وصف الخبير الأمني، أحمد الشريفي ما يحدث بأنه يدل على أن "هناك عجزاً حكومياً في إيجاد استراتيجية ردع لليد الثالثة التي تعبث في ميدان الأحداث، ونحن الآن تحت أنظار الإرادة الدولية، والأمم المتَّحدة تراقب سير الأحداث بمنتهى الدقة، وهناك انتهاك لحقوق الإنسان وصل به الحال لاختطاف شخصيات مرموقة من المؤسَّسات الأمنية للدولة".

وتابع الشريفي قوله: "أعتقد هناك يد عابثة لا تستطيع الحكومة الإعلان عنها قد تعرفهم لكنها تخفي ذلك، فمن يمارس نشاط كهذا هو خارج إرادة الدولة ومشكلتنا لم تعد فقط السلاح المنفلت بل النشاطات المنفلتة التي باتت تهدد الأمن والسلم الأهلي".

المصدر: TRT عربي