صورة تظهر جواز السفر اللبناني (Others)
تابعنا

"أزمة جوازات السفر ستُحَلّ تدريجياً بدءاً من شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وستكون بداية حلّ الأزمة النهائية على أبواب العام المقبل"، بهذه الكلمات بشّر المدير العامّ للأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم اللبنانيين الذين ينتظرون تَسلُّم جوازات سفرهم منذ أشهر طويلة.

أزمة لم تكن في الحسبان، أزمة تضع اللبنانيين في سجن على طول مساحة الوطن على أمل إصدار جوازات السفر الخاصة بهم، ليتنسموا حرية السفر والالتحاق بأحلامهم، إلا أنها بالتأكيد انعكاس للأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعانيها لبنان منذ قرابة ثلاثة أعوام وطالت مختلف مناحي الحياة العامة.

خسائر مضاعفة

أحمد سنبل شابّ لبناني يمثّل نموذجاً لمن انتظروا ساعات عدة ضمن طوابير لا نهاية لها على أبواب الدوائر الحكومية في محاولة لإصدار جوازات السفر، لكن محاولاتهم باءت بالفشل وانقلبت حياتهم رأساً على عقب.

استطاع تأمين فرصة عمل في المملكة العربية السعودية، لكن كانت مشكلته أنه لا يملك جواز سفر.

يقول سنبل لـTRT عربي: "حين قدّمت طلباً للحصول على جواز السفر كان عليّ أن آخذ موعداً على المنصة التي أطلقها الأمن العامّ اللبناني للحصول موعد، كان ذلك في شهر ديسمبر/كانون الأول، وحصلت على موعد في 30 يناير/كانون الثاني. في ذلك اليوم قالوا لنا إن المواعيد أُلغيَت وعلينا الحصول على موعد جديد. هنا وفي هذا الوقت كان قد وصل إليّ عقد العمل في السعودية".

يضيف: "ذهبت إلى الأمن العامّ اللبناني وقدّمت عقد العمل ليساعدوني في الحصول على جواز السفر، إلا أنهم رفضوا العقد وطلبوا إقامةً دائمة في السعودية بالإضافة إلى موعد على المنصة، وموعدي الجديد كان في 30 يونيو/حزيران"، أي على بعد خمسة أشهر.

يتابع سنبل: "في ذلك الوقت كنت دفعت تكاليف تأشيرة السفر والمعاملات التي بلغت نحو 500 دولار أمريكي بعدما بعت الدراجة الكهربائية التي أعمل عليها سائق دليفري لكي أؤمّن تكاليف السفر، لكن في الواقع خسرت كل شيء".

"صدر جواز السفر في 30 يونيو بعد معاملة صعبة من طاقم العمل في الأمن العامّ اللبناني، لكنني لم أستفِدْ منه بشيء، خسرت فرصة العمل في السعودية، وخسرت المال الذي دفعته، وخسرت عملي في لبنان بعدما بعت الدراجة الكهربائية التي كنت أعمل عليها"، حسب سنبل.

تعود أزمة جوازات السفر إلى مطلع العام الحالي حين اتخذ الأمن العام اللبناني إجراءات إدارية لتأمين جوازات سفر جديدة تفرض على المواطنين التسجيل على منصة إلكترونية لحجز مواعيد بهدف تخفيف الطلب المتزايد على الجوازات.

تعود هذه الإجراءات إلى أسباب تتعلق بأن مخزون الدولة شارف على النفاد بسبب الطلب الهائل على إصدار جوازات السفر منذ عام 2020 على وقع الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي يعيشها السكان، ورغبة أكثر من 50% من الشعب اللبناني في الهجرة، حسب مسح لشبكة "البارومتر العربي".

ورغم أن الحكومة اللبنانية أقرّت مبلغ 15 مليون دولار أمريكي لشراء كميات جديدة من جوازات السفر، فإنه لم ينعكس بفائدة بسبب عدم إيفاء الشركة الفرنسية المتعاقِدة بقيمة العقد الموقَّع، مما دفع الأمن العامّ اللبناني إلى وقف العمل بالمنصة، رغم تسجيل 200 ألف طلب حتى شهر أبريل/نيسان المقبل.

معادلة صعبة

"استخراج جواز سفر يتطلب وجود تأشيرة سفر أو عمل، واستخراج تأشيرة سفر أو عمل يتطلب جواز سفر"، معادلة صعبة عاشها الشابّ اللبناني حسين أبو ظهر خلال محاولته إصدار جواز سفره، فقد ربط الأمن العام اللبناني هذه المعادلة شرطاً لإصدار جواز السفر الخاص به، ويمكن أن يُقال إنه يستحيل إصدار أي نوع من التأشيرات بلا جواز سفر.

"حتى اليوم لم يصدر جواز سفري بعد"، يقول أبو ظهر لـTRT عربي، "كنت أعيش خارج لبنان. عشت سنوات عدة في المغرب وفرنسا وإسبانيا، عدت إلى البلاد عام 2017 وأردت السفر من جديد، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان".

يؤكّد أن "وقف إصدار جوازات السفر أو حتى تأخُّر صدورها يؤثّر في حياة الناس بشدة، بخاصة أنه لم يعُد في لبنان فرص عمل، والجميع يرغب في الهجرة بلا رجعة".

ويضيف: "لديّ عائلة كبيرة ويجب أن أساعدهم في الأمور المعيشية، لذا أنا مضطرّ إلى السفر إلى السعودية أو الإمارات أو الكويت حيث لدي أقارب، هذه الدول تؤمّن لنا عيشة كريمة ومصدر دخل جيداً نساعد به عائلاتنا".

"مسؤولية حل هذه الأزمة تقع على الدولة اللبنانية ككل بلا استثناء، فالسكان باتوا يختنقون داخل البلاد وممنوع عليهم أن يتنفسوا خارجه"، وفقاً لأبو ظهر.

أما الجهات الرسمية اللبنانية، فإن المسؤولية تقع على المصرف المركزي الذي تأخر بصرف الأموال اللازمة لصناعة جوازات السفر في الخارج.

ولتدارُك ذلك رفعت الدولة اللبنانية بدلات الحصول على جوازات السفر، حتى قبل إقرار موازنة 2022، فأصبحت محصورة بإصدارين: 10 سنوات مقابل مليون و200 ألف ليرة، أي نحو 40 دولاراً أمريكياً حسب سعر السوق السوداء، و5 سنوات مقابل 600 ألف ليرة، أي نحو 20 دولاراً. وهو ما يوفّر سيولة كبيرة لخزينة الدولة حسبما يرى مراقبون، لأن تكلفة إصداره لا تتعدى 13 دولاراً.

أزمات الطوابير

"كل العالم اليوم يتحدث عن طوابير الخبز والأفران، لكن قليل من يتطرّق إلى أزمة طوابير جوازات السفر"، يقول الشابّ محمد مرة لـTRT عربي.

ويشير إلى أن "السراي الحكومي في صيدا وجميع المناطق اللبنانية شهدت طوابير كبيرة لا نهاية لها بانتظار جوازات السفر. وكان في المواعيد دائماً تأجيل ومماطلة بلغت حدّ مصارحة الشعب بأن جوازات السفر ليست موجودة بعد أشهر من المماطلة، ولا وقت مُعلَن لنهاية الأزمة".

ويرى أن "المماطلة في إصدار جوازات السفر شكّلَت ضرراً كبيراً على الناس، فمنهم من باع كل ما يملك للتسجيل في جامعات خارج البلاد وخسر علمه في لبنان والدول الأخرى لعدم حصوله على الوثيقة الرسمية الوحيدة التي تخوّل إليه السفر، ومنهم من باع كل ما يملك ليحصل على تأشيرة عمل في الخارج، لكنه خسر كل شيء".

ويُصنَّف جواز السفر اللبناني ضمن مجموعة جوازات السفر الأسوأ عالمياً، حسب شركة استشارات الجنسية والإقامة العالمية "Henley & Partners"، إذ يسمح الجواز للمواطن اللبناني بدخول 41 دولة فقط بلا تأشيرة.

إلا أنه يُصنَّف من الجوازات الأغلى عالمياً لأن كلفته بصلاحية 10 سنوات تُقدَّر بمليون و200 ألف ليرة لبنانية، بما يعادل 795 دولاراً حسب سعر الصرف الرسمي، في حين تختلف قيمته بالدولار حسب سعر الصرف في السوق السوداء التي ترتفع وتنخفض بشدة.

مع ذلك، ومهما بلغت كلفته، يبقى الجواز هو جسر عبور كثير نحو أحلامهم. وفي الوقت الذي يرى فيه مراقبون أن مشكلة جوازات السفر تُضاف إلى المشكلات العالمية، لزيادة الطلب على الشرائح الممغنطة للقراءة الذاتية للوثائق، فإن الأزمة في لبنان تأخذ أبعاداً أخرى لارتباطها بمشكلات اقتصادية وسياسية متعددة.



TRT عربي