مع استمرار اغلاق الاقتصاد في الكثير من بلدان العالم خشية انتشار عدوى فيروس كورونا المستجد، برز الخوف من حدوث الكساد الأمر الذي من شأنه أن ينعكس سلباً على ملايين الناس، ويهدد بتفاقم ظاهرتي الجوع والفقر.

عمال مهاجرون ينتظرون في طوابير عند محطة للسكك الحديدية لركوب قطار إلى ولايتهم بيهار، خلال إغلاق ممتد لإبطاء انتشار مرض فيروس كورونا المستجد في أحمد آباد، الهند. 
عمال مهاجرون ينتظرون في طوابير عند محطة للسكك الحديدية لركوب قطار إلى ولايتهم بيهار، خلال إغلاق ممتد لإبطاء انتشار مرض فيروس كورونا المستجد في أحمد آباد، الهند.  (Reuters)

منذ أن ضرب وباء كوفيد-19، الناجم عن فيروس كورونا المستجد العالم، بدأنا نكتشف أموراً كثيرة خافية عنّا، منها على سبيل المثال الارتباط الواسع بين دول العالم الذي خلقته العولمة، سواء عن طريق التجارة أو السياحة والسفر أو السياسة. وأدركنا أن الأزمة التي تضرب مكاناً ما على هذا الكوكب ستُعَوْلَم بسرعة فائقة.

في الوقت ذاته، كشف الوباء أموراً أكثر غرابة، منها مدى سذاجة التصوّرات العالمية وصعوبة إدراك أغلبية الناس لأمور تبدو من البدهيات التي لا تحتاج إلى تفسير لاستيعابها. يكرّس هذا فكرة البعض حول أن "تحقيق النصر بالاعتماد على وعي الجماهير معركة خاسرة".

الخوف من الكساد مع طول الإغلاق

ومع وضوح ضرورة قرارات الإغلاق والترويج لذلك في بدء الأزمة بهدف تسطيح منحنى انتشار المرض وعدم إرهاق النُظُم الصحية، فإن الجانب الاقتصادي شكّل هاجساً صلباً منذ اللحظات الأولى. إذ إن مخاطر الكساد القادم، واحتمالات تهديد أمن الدول، والأمن الغذائي، وارتفاع معدلات الجريمة، والعنف الأسري، والضغوطات النفسية والحروب الدولية في نهاية المطاف كانت حاضرة في وجدان الشعوب قاطبة لا سيما أن الكساد الاقتصادي العظيم عام 1929 كان من أسباب سرعة صعود النازية ونشوب الحرب العالمية الثانية.

ومنذ البداية، أدركت قطاعات رسمية واسعة أن الإغلاق التام لفترة طويلة غير ممكن لأنه سيُنهك الاقتصاد، المحرك الأساسي لعجلة التاريخ والحياة، خصوصاً أن ادعاءات اقتراب اكتشاف لقاح للفيروس تكاد تكون عارية عن الصحة.

الإغلاق وقدرات الدولة 

ورافق الأزمة ترديد مقولات غير واقعية من قبل الناس كإمكانية توفير الدول للدعم المالي للجميع لفترات طويلة حتى ينحسر الوباء. وهو افتراض مضلل للغاية لأسباب. أولها، أنه افتراض يتصور الدول بنوكاً لا تنضب بإمكانها توفير الرواتب والتمويل للجميع. وهذا يغفل حقيقة أن الدول لم تعد قادرة على توفير رواتب الموظفين، والعاملين بالقطاع الخاص أو من يمتلكون أعمالهم الخاصة وانضموا إلى العاطلين بسبب الإغلاق.

ففي الدول التي تعتمد على النفط في توفير رواتب موظفيها، مثل العراق على سبيل المثال، أصبح دفع رواتب القطاع الحكومي والمتقاعدين في خطر بسبب انخفاض أسعار النفط. ومن باب أولى فإن قدرة الدولة على تعويض القطاع الخاص وجميع العاطلين عن العمل ستكون محدودة في أفضل الأحوال.

أما الافتراضي الثاني الخاطئ فيتعلق بالمغالطة التي تقتضي بأن الدول تطبع الأموال وتقوم بتوزيعها. وهذا غير صحيح، وإذا ما حصل فإنه سيقود إلى التضخّم وانخفاض قيمة سعر الصرف وتضرّر جميع دول العالم إذا ما حصل ذلك خصوصاً لعملات مثل الدولار الأمريكي المرتبطة به اقتصاديات أغلب دول العالم.

فقد أطلقت الولايات المتحدة حزمة مساعدات بقيمة 484 مليار دولار -وهذا ما يعادل أضعاف ميزانيات دول بالكامل- لدعم الموظفين، منها 19 مليار دولار للمزارعين، بهدف مواجهة أزمة كورونا، لكن هذا لا يمكن أن يستمر لوقتٍ أطول ولن يغطي خسارة 33 مليون أمريكي لوظائفهم بسبب عمليات الإغلاق.

الكساد قادم في كل الحالات لأن المواطنين الآن يميلون إلى التقشف الذاتي، ما سيجعل كل قطاعات الترفيه والسلع الكمالية عرضة للخسائر لقلة الإقبال عليها. وسيدفع أرباب العمل إلى صرف العمّال والموظفين وزيادة البطالة والفقر، وخفض الإنتاج من المصانع الرئيسية بسبب قلة الطلب والمزيد من طرد العمّال.

الإغلاق وإشكالية الضرورات 

إن الإغلاق وعلى الرغم من أهميته القصوى للحد من انتشار الوباء فإنه لا يجيب عن تساؤلات تهديد الأمن الغذائي العالمي في حال تعرض الإنتاج للنقص بشكل يقود إلى مجاعات وحروب خطيرة تقتل المزيد من الناس، بشكل يفوق الخسائر الناجمة عن الوباء.

إن دعاة الإغلاق التام لا يجيبون عن سؤال هام يتعلق بمصدر توفير المحاصيل الزراعية إذا لم يعد الفلاحون إلى الحقول، لأنهم يغفلون هذه المسألة من الأساس، ولا يدركون أن الزراعة تتطلب العمل في موسمٍ بعينه ولن تنتظر انتهاء الجائحة. إذا لم تزرع في الوقت المناسب، لن تحصد شيئاً في الموسم القادم وبالتالي تكون المجاعة نتيجة حتمية.

من جانب آخر، يدل افتراض البعض ضرورة إبقاء الإغلاق حتى إيجاد اللقاح عن جهل كبير بموضوع الطب والتجارب العلمية، فضلاً عن تصور غير منطقي بأن اكتشاف اللقاح أمر مفروغ منه.

نأخذ مثلاً مرض الإيدز الذي ينتشر كوباء منذ ثمانينيات القرن الماضي وانتشر على الأغلب من لحوم الشمبانزي. في البداية لم نكن نعرف شيئاً عن طرق انتقاله ولا أعراضه بالكامل، وكان التصوّر أنه يصيب المثليين فقط وأطلقوا عليه اسم Gay related immune deficiency أو نقص المناعة المرتبط بالمثلية قبل أن يكتشفوا وجوده في أوساط مرضى الهيموفيليا وغيرها، بل وانتقاله عبر حليب الأمهات إلى الرضع.

معلوماتنا عن أعراض أي مرض وطرق نقله تراكمية ومتغيّرة. حتى 1983، لم تتضمن عمليات نقل الدم فحوصات للكشف عن وجود الفيروس. ومع مرور كل هذا الوقت، لا يزال الطب عاجزاً عن إيجاد لقاح للمرض أو حتى علاج يحقق الشفاء منه بشكل كامل حتى مع مرور أكثر من 40 عاماً على الوباء.

بالمثل، فإن فيروس زيكا معروف منذ 1947 عندما عزله عالم بريطاني بغابات بأوغندا تحمل اسم الفيروس أثناء دراسته لمرض الحمى الصفراء، لكن الوباء ظهر من جديد في مطلع القرن الحالي وضرب البرازيل وتسبب في حدوث تشوهات خلقية للمواليد الجدد تعرف باسم الصَعل أو صغر الرأس microcephaly.

اللقاح.. المهمة الأصعب 

يثبت هذا أننا ومع تقدم الطب ومعرفتنا للجينوم الكامل لفيروس كورونا الجديد -مقارنة بوضع أسلافنا الهزيل في مواجهتهم لوباء الأنفلونزا الإسبانية عام 1918 عندما لم يكن الفيروس أصلاً معروفًا للعلماء- لا نزال عاجزين عن إنتاج لقاح بالسرعة المطلوبة، وقد لا يكون بالإمكان إنتاجه لو كان الفيروس عرضة لطفرات دائمة.

لم تعرف البشرية المضادات الحيوية إلا في خمسينيات القرن الماضي ومات أسلافنا على مدى آلاف السنين بسبب أمراض مثل الزُهري -السفلس- الذي يعالج الآن بمضاد حيوي بسيط. منذ الثمانينيات، لم يجرِ إيجاد عائلة مضادات حيوية جديدة وكل التجارب تعمل على تطوير ما نعرفه فقط، أما وضعنا مع مضادات الفيروسات فأسوأ بكثير. مؤخراً أعلن بوريس جونسون ومنظمة الصحة العالمية أيضاً أن إيجاد اللقاح ليس مضموناً على الرغم من جهود أكثر من 100 شركة حول العالم لإنتاج لقاح فعّال.

كما أن فاعلية اللقاح مسألة أخرى في ظل الطفرات التي يشهدها الفيروس إذ إننا يجب أن ندرك أن لقاحات الإنفلونزا حول العالم لا تعني أننا لن نصاب بالإنفلونزا الموسمية بشكل مؤكد. يتعايش الناس مع العديد من الأمراض، ومنها الإيدز الذي قتل 770 ألف شخص عام 2018.

وفي حال اكتشاف لقاح لفيروس كورونا المستجد، فإن البشرية ستصادف مشكلة تتعلق بالإنتاج واللوجستيات إذ يجب أن نتخيل القدرات التي تحتاج إليها المصانع لتجهيز عينات من اللقاح تكفي 7 مليارات إنسان.

يحاول المختصون تأكيد حقيقة أن التقدم في الطب لا يعني القدرة على هزيمة كل أمراض العالم، ويكفي أن نلاحظ أعداد الوفيات بالملايين كل عام جرّاء أمراض مثل الملاريا والبول السكّري والسرطانات. لقد حقّق العلم معجزات باهرة في تقليل وفيات الأطفال والأمهات من خلال المضادات الحيوية والتطعيمات ومدّ بعمر الإنسان المعاصر ليتجاوز الثمانين والسبعين من العمر بشكل كبير في الدول المتقدمة بفضل التقدم الطبي وعمليات القلب المفتوح وغيرها، لكن هذا لا يعني وفق العديد من الخبراء أن هزيمة كل وباء مسألة حتمية وأن ذلك سيحدث بالسرعة التي نتمناها جميعاً.

إذن، المنطق يقتضي العودة التدريجية إلى العمل وفتح الاقتصاد مع اتخاذ إجراءات السلامة، واعتماد نظام المناوبة، وتقليص ساعات العمل، وتقليص عدد الموجودين في مكان العمل في وقتٍ محدد، فضلاً عن اعتماد العمل من المنزل عبر الإنترنت لكل ما يمكن تحويله وتكييفه لهذا الشكل، مثل التعليم وبعض المعاملات البنكية والوظائف المكتبية.

لا يعني ذلك تعافي كل القطاعات بالطبع، لا سيما قطاع النقل العام والسياحة والطيران والترفيه، بل تقليل الفئات المتضررة قدر الإمكان. الاقتصاد يهم بالطبع وانهيار الاقتصاد يقتل أيضاً، وربما أكثر من الوباء نفسه.

المصدر: TRT عربي