تأسست مجموعة مينسك الدولية لتكون محايدة، لكن ترأسها روسيا والولايات المتحدة وفرنسا، وهي الدول ذات أعلى عدد من الجاليات الأرمينية.

وتشكَّلت المجموعة، التي تعمل تحت مظلة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، في عام 1992 لتتولى مهمة التوسط بين باكو ويريفان خلال أولى حلقات العنف في الصراع حول ناغورنو قره باغ، حين احتلت المليشيات الأرمينية الإقليم الأذربيجاني خلافاً للقانون.

ومنذ ذلك الوقت، لم تُسهِم مجموعة مينسك في التعامل مع المشكلة إلا بالتشدق بالعبارات الرسمية الواجبة، مثل: دعوات وقف إطلاق النار وإدانة الصدامات عبر الحدود بين دولتي القوقاز. وتضاهي تحركات المجموعة الشكلية تلك التي تصدر عن جامعة الدول العربية، التي ترتبط بعلاقات سرية مع إسرائيل، بينما تزعم أنها تمثل الشعب الفلسطيني المقموع.

ووفقاً للأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، يجب على القوات المحتلة الأرمينية مغادرة منطقة قره باغ، لكن الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا ليست متحمسة لفكرة انسحاب الأرمن.

ويُرجِع الخبراء سبب تساهل الدول الثلاث في التعامل مع أرمينيا، إلى الشتات الأرميني الكبير الذي تستضيفه الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا.

وفي هذا السياق، يقول إيسريف يالينكيليشلي، المُحلِل السياسي في الشأن الأوراسي، المقيم في روسيا: "الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا هي أكثر دول تتمتع فيها الجالية الأرمينية بقوة مقارنة بالدول الأخرى".

وأضاف في تصريح لـTRT: "هذا يعطي فكرة محددة عن السبب الذي يعرقل تسوية الصراع".

ومنذ تَجدّد الاشتباكات بين أذربيجان وأرمينيا في يوليو/تموز، لم يصدر عن مجموعة مينسك أي تحرك جاد، باستثناء إدانة العنف والحث على وقف إطلاق النار بأسلوبها المعتاد.

اقرأ أيضاً:
لماذا لا تدعم إيران أذربيجان بكامل ثقلها لاستعادة أراضيها المحتلة أرمينياً؟

ويقول بولنت آراس، أستاذ العلاقات الدولية في مركز إسطنبول للدراسات السياسية بجامعة سابانجي: "المشكلة الرئيسية هي أنَّ الدول التي ترأس المجموعة لا تطوِّر أي نهج سلام شامل تجاه النزاع بين أرمينيا وأذربيجان. ولا يوجد عمل ملموس على شيء مثل خطة مينسك للسلام".

وأضاف آراس، في تصريح لـTRT: "يبدو أنَّ الرئاسة المشتركة للمجموعة ترى أنَّ إبقاء الاشتباكات العنيفة تحت السيطرة واستمرار وضع اللاقتال على أنه نجاح".

ومرة أخرى، أظهر رد فعل المجموعة على التصعيد الأخير في التوترات أنَّ الرئاسة المشتركة لمجموعة مينسك ليست لديها أية رؤية تتعامل بها مع الصراع.

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيراه الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمريكي دونالد ترامب في بيان مشترك: "ندين بأشد العبارات التصعيد الأخير للعنف، وندعو إلى وقف فوري للأعمال العدائية بين القوات العسكرية ذات الصلة".

لكن لم تحث المجموعة على أي شيء قريب من المطالبة بانسحاب القوات الأرمينية المُحتلة من منطقة قره باغ؛ مما أصاب كل من أذربيجان وحليفتها تركيا بالإحباط.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: "ليس من المقبول أنَّ مجموعة مينسك لا تزال تبحث عن وقف إطلاق النار".

وقدر الرئيس، الذي أصابه الإحباط: "من أجل الوصول لحل، لا بد من انسحاب المحتلين من 3 أراضٍ. حان وقت النتائج، وأخذ أشقائنا الأذربيجانيين بزمام الأمور في أيديهم".

تحيز مينسك ضد باكو

في حين أنَّ الرؤساء المشاركين الثلاثة لمجموعة مينسك يدّعون أنهم محايدون في الصراع، كان تحيزهم ضد باكو واضحاً في كل واحدة من تعاملاتهم مع أرمينيا وشتاتها والصراع على مدى عقود.

ويقول آراس: "في عملية (مينسك)، أصبحت فرنسا مؤيدة للأرمن بينما تميل روسيا إلى دعم أرمينيا. وتراجع اهتمام الولايات المتحدة بالصراع. ونتيجة لذلك، أصبحت روسيا الدولة الوحيدة التي تقرر اتجاه الصراع".

ويخلُص آراس: "كان الخيار الروسي هو حماية الوضع الراهن، وتحويل الأزمة إلى صراع مُجمّد. وأوجدت هذه السياسة وضعاً سياسياً لا توجد فيه حرب ولا سلام".

بدوره، أوضح إيسريف يالينكيليشلي أنَّ إبقاء الصراع في حالة جمود يساعد الأرمن على مواصلة احتلال إقليم قره باغ.

ويقال إنَّ روسيا تدعم أرمينيا في الصراع منذ التسعينيات لأسباب مختلفة؛ من بينها اللوبي الأرميني، الذي يقول يالينكيليشلي إنه "الأقوى في موسكو".

ويدير بعض الصحفيين البارزين من أصل أرميني وسائل إعلام روسية، بما في ذلك "روسيا اليوم". إضافة إلى ذلك، وزير الخارجية الروسي المؤثر، سيرجي لافروف، الذي يشغل هذا المنصب منذ فترة طويلة، والده أرميني.

ودعمت روسيا أيضاً، في أثناء أحداث 1915، العدوان الأرميني على الإمبراطورية العثمانية؛ مما أسفر عن اندلاع اشتباكات دموية بين الجانبين.

وبالمثل، انحازت فرنسا، الدولة التي أصدرت قرارات بالطريقة ذاتها التي اتبعها الكونغرس الأمريكي سابقاً لإدانة موقف تركيا فيما يتعلق بأحداث عام 1915 تحت ضغط الشتات الأرميني، انحازت كالعادة إلى يريفان ضد باكو.

وأوضح ماكرون موقف دولته في الأسبوع الماضي عندما ألقى باللوم في الاتهامات الأخيرة على أذربيجان، وليس أرمينيا.

وقال الرئيس الفرنسي في الأسبوع الماضي: "أردت أن تنتهي هذه الهجمات. وأدنت صراحةً الهجمات غير المتكافئة"، فيما يبدو أنه اتهام لباكو بسبب الاشتباكات الأخيرة دون الإشارة إلى أي استفزازات أرمينية.

وتابع ماكرون لأبعد من ذلك باتهام أذربيجان صراحةً على التصعيد الأخير للاحتكاكات في المنطقة المُتنازَع عليها.

وزعم ماكرون أنَّ "هجمات يوم الأحد جاءت من أذربيجان"، في إشارة إلى الاشتباكات التي اندلعت في أواخر سبتمبر/أيلول.

في حين التزمت الولايات المتحدة الصمت إلى حد كبير بشأن هذه القضية، باستثناء الدعوة لوقف إطلاق النار.

وقال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو: "نحن لا نشجع تدويل هذا (الصراع). ونعتقد أنَّ الغرباء يجب أن يبقوا في الخارج"، مما يوحي برغبته في إبقاء النزاع في فئة النزاعات المُجمّدة، وهي سياسة اتبعتها روسيا وفرنسا أيضاً حتى الآن.

لكن إذا دُوِّل النزاع، فقد ينتهي لصالح أذربيجان على أرمينيا؛ لأنَّ المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة أشارت عدة مرات وفي مناسبات مختلفة إلى أنَّ احتلال يريفان لناغورنو قره باغ غير قانوني.

المصدر: TRT عربي