في كل مناسبة يخصص قائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد القايد صالح حيزاً واسعاً في خطاباته ليفتح النار على دعاة المرحلة الانتقالية من السياسيين وأنصارها من عامة الشعب.

قايد صالح
قايد صالح (AP)

وتوعد من أسماهم بـ"دعاة إلغاء الدستور والذهاب إلى مرحلة انتقالية"، ملوحاً بكشف حقيقتهم بناء على معلومات مؤكدة، قال إنه، يحوزها حول "تورطهم في خدمة مصالحهم الضيقة وخدمة أسيادهم".

وكانت معظم خطاباته السابقة على مقاس واحد، إذ وصفهم أيضاً بـ"الأبواق" بحجة أنهم يريدون فترة انتقالية "على مقاسهم"، لتمرير "أجندات عرَّابيهم الذين يكنون الحقد والضغينة للجزائر وشعبها".

ويتصور الجيش أن الطريق الضامن للخروج من الأزمة يمر حتماً عبر إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة في أسرع وقت ممكن، بعيداً عن "الفترات الانتقالية التي لا تؤتمن عواقبها".

تباين في الداخل والخارج

لاحت بوادر توجس المؤسسة من المرحلية الانتقالية بشكل واضح، في أعقاب تنحي الرئيس بوتفليقة عن الحكم وإمساك الجيش بزمام قيادة البلاد، متخفياً وراء نصوص دستورية قابلة للتأويل.

في تلك الأثناء، قفزت إلى الساحة السياسية العديد من المبادرات، من قبل أحزاب وشخصيات وازنة، يتركز مضمونها على ضرورة الذهاب إلى مرحلة انتقالية.

المحتجون الجزائريون يهاجمون صراحة قائد أركان الجيش أحمد قايد صالح
المحتجون الجزائريون يهاجمون صراحة قائد أركان الجيش أحمد قايد صالح ()

بيد أن الجيش، عبر قائد أركانه، كان لا يتوانى في كيل التهم وتوجيه اللوم إلى جهات تتبنى طرح المرحلة الانتقالية، بمبرر أنها تقود البلاد إلى مصير يصعب التحكم فيه.

في خضم تباين الرؤى بين الجيش وبعض الحساسيات السياسية المدعومة من الحراك الشعبي حول المخرج، حشرت دول أجنبية أنفها في الشأن الداخلي الجزائري على غرار فرنسا وروسيا.

وتحدثت الخارجية الفرنسية على لسان وزيرها "لو دريان" عن الوضع السياسي السائد في الجزائر، مفصحاً عن "الرغبة الوحيدة لفرنسا هي أن يجد الجزائريون معاً طرق الانتقال الديمقراطي".

فيما نُسب إلى السفير الروسي بالجزائر "بيليايف"، نقلاً عن وسائل أعلام محلية، أن بلاده مع "انتخابات رئاسية قريبة الآجال"، بشكل يوحي أن تصورها مطابق تماماً لتصورات الجيش لحل الأزمة.

مساس بالوحدة

عدم الانسجام في المواقف بين الجيش الداعي إلى التمسك بالحل الدستوري، والحراك الشعبي المسنود بمواقف مجموعة من الأحزاب، يطالبون بعزل رئيس الدولة ورحيل الحكومة، خلق حالة من الانسداد وأطال عمر الأزمة.

وفي هذا الشأن، يقدر الباحث محمد بوضياف أن المرحلة الانتقالية في ظل التجاذبات السياسية بين مختلف الأطراف الفاعلة هي مدخل لمراجعة كل القواعد التي انتظمت حولها الممارسة السياسية. وطعن في المؤسسات القائمة.

الجزائر
الجزائر (Reuters)

وعلل كلامه بوجود طروحات مسّت وحدة الشعب الجزائري كطرح الفيدرالية، وأقل منه نظام الإقليمية. لهذا يدرك الجيش جيداً مثل هذه التحديات ولا يريد فتح مجال النقاش حولها.

وفي سياق حديثه مع TRT عربي، يقول بوضياف إن المؤسسة العسكرية تنظر إلى التطورات الحاصلة من منظور أمني سعياً منها للحفاظ على وحدة وسلامة التراب والمجتمع.

ومن المؤكد، حسب المتحدث، أن فتح النقاش في الظرف الراهن في غياب رئيس منتخب، سيطيل أمد الأزمة وتداعياتها وسيؤثر حتماً على مخطط النمو، على ضحالته.

محاسبة سياسية

المتابع لخطابات قائد أركان الجيش، لا يجد مشقة في إدراك موقف الجيش الرافض لمقترح المرحلة الانتقالية، حتى إن البعض شكك في نواياه لترك الحكم.

وفسر الباحث في علم الاجتماع السياسي بومدين معاش توجس المؤسسة العسكرية من المرحلة الانتقالية بأنها لا تخدمه لأنها تدفع نحو نقاش سياسي عميق غير موجه كما تريده.

وافترض في تصريح لـTRT عربي أن طرح الفترة الانتقالية يدفع بإخراج أحزاب السلطة من المشهد السياسي لأنها ستنطوي على محاسبة سياسية لكل رموز المرحلة البوتفليقية.

كما أن مغالبة الحراك ورفض مطالبه تدفع البعض للإحباط والاستسلام، مما يسهل في اعتقادهم للترويج لخطاب السلطة وتسهيل التعبئة لمرشحها على حد قوله.

متظاهر يحمل لافتة تُظهر عبد القادر بن صالح على ركبتي رئيس الأركان اللواء أحمد جيد صلاح ويقرأ
متظاهر يحمل لافتة تُظهر عبد القادر بن صالح على ركبتي رئيس الأركان اللواء أحمد جيد صلاح ويقرأ "بن صالح. لا نريد". (AP)

ويجري هذه الأيام الترويج لأسماء سياسية على مواقع التواصل الاجتماعي يرجح أنها ستكون مرشحة السلطة الفعلية في الرئاسية القادمة، أمثال الوزير الأول الأسبق عبد المجيد تبون.

اعتراف بوجود أزمة

أما الباحث في علم الاجتماع السياسي نوري إدريس فله رأي مخالف، إذ يعتبر الحديث عن مرحلة انتقالية اعترافاً بوجود أزمة عميقة في النظام السياسي، لذلك فالجيش باعتباره صاحب السلطة الفعلية لا يريد أن يعترف بذلك.

ويطرح الباحث في حديثه مع TRT عربي، فرضية ثانية يراها معقدة نوعاً ما، تتعلق بصورة المراحل الانتقالية في مخيال السلطة، فتاريخياً قادت المرحلة الانتقالية في التسعينيات إلى العنف.

وفي منظوره، حتى إن كان هذا المبرر قابلاً للنقاش، فالسلطة لم تطرحه بهذه الصيغة، بل عملت على شيطنة المنادين بمرحلة انتقالية بطريقة تقليدية غير مقنعة.

وحال تحققت المرحلة الانتقالية، لا يتوقع الباحث أي ضرر سياسي على الجيش، ذلك أن معظم مقترحات الحل لا تتعدى البحث عن ضمانات لنزاهة الاقتراع.

وتتخوف السلطة، حسب قوله، من وصول أشخاص لم تصنعهم دوائرها، ولا تتحكم فيهم بسبب حالة الشك التي تطبع الثقافة السياسية وتهيمن على الحقل السياسي الجزائري الذي يصعب تجاوزه.

المصدر: TRT عربي