منذ اندلعت الاحتجاجات الشعبية في العراق ما فتئ الشباب المعتصمون في الشوارع والميادين والمطالبون بالحرية والعيش الكريم يجودون بأرواحهم ودمائهم وعرق جباههم وراحتهم في سبيل وطنهم وقضيتهم التي يرون من عدالتها ما يهون في سبيله الغالي والنفيس.

حكاية الناشط المدني أزهر الشمري، الذي هزَّ اغتياله المجتمع العراقي، تمثل واحدة من عشرات وربما مئات الحكايات التي صار الشعب العراقي يبيت ويفيق عليها، والتي تمثل بمجموعها وعي جيل بأكمله يحلم بالانعتاق من براثن الفساد والاستبداد.   

لقد دفع اغتيال الشمري المفوضية العليا لحقوق الإنسان للخروج عن صمتها باتهامها بشكل مباشر الحكومة العراقية بتستُّرها على الجهات التي تقف خلف عمليات الاغتيال والتغييب التي تطال الناشطين المدنيين. فموجة الغضب التي اجتاحت الشارع العراقي على إثر مقتل الشمري كانت كفيلة بتحريك المياه الراكدة تحت هذا الملف الساخن الذي بات يؤرق كل بيت في العراق، فضلاً عن منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية. وما حملة #وينهم التي انطلقت مؤخراً للتندين بسياسة الخطف القسري للناشطين إلا واحدة من تمظهرات هذا القلق الشعبي.

أعداد قتلى الاحتجاجات

وفي تقرير لها نشر مؤخراً، كشفت المفوضية العليا لحقوق الإنسان عن أعداد ضحايا التظاهرات العراقية، وانتقدت طريقة إدارة السلطة للأزمة، واستنكرت فشل الحكومة في حماية المتظاهرين السلميين واعتبرته مخيباً للآمال، إذ أعلنت عن مقتل 543 شخصاً منذ انطلاق التظاهرات في شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 2019، بينهم 276 في العاصمة بغداد وحدها، كما أوضحت أن بين القتلى 17 من عناصر الأمن.

وبهذا الصدد تحدث أكرم البياتي عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان إلى TRT عربي، قائلاً: "في الوقت الذي تدين فيه المفوضية استمرار سقوط الشهداء والمصابين فإنها تدعو القوات الأمنية إلى التزام تطبيق معايير الاشتباك الآمن وعدم استخدام الرصاص الحي وإحالة الأشخاص الذين قاموا بالرمي المباشر تجاه المتظاهرين للتحقيق، ومحاسبة القتلى والقناصين".

كما تابع البياتي: "المفوضية تدعو الحكومة المحلية والقيادات الأمنية بتوجيه عناصرها إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في التعامل مع المتظاهرين السلميين، وضمان حقهم في التعبير عن آرائهم في إطار القانون والحيلولة دون تكرار الاعتداءات".

وأضاف البياتي أن "المفوضية تعرب عن أسفها لعمليات القمع والقتل التي تمارسها قوات مكافحة الشغب، كما تعبر عن قلقها الشديد نتيجة التعامل غير المقبول للقوة المكلفة بحماية المتظاهرين مع فريق الرصد التابع لمكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان الموجود في ساحات الاحتجاجات لمراقبة واقع حقوق الإنسان ورصد الانتهاكات".

ناشطون يستنكرون حالات القمع

وفي وقت سابق، كان مسلحون قد أطلقوا النار على الناشط المدني أزهر الشمري ما أدى إلى وفاته في مدينة الناصرية الواقعة في محافظة ذي قار العراقية. وعلى إثر هذه الحادثة تصاعدت النداءات المطالبة باحترام حرية التعبير، والكف عن قمع المتظاهرين السلميين في ظل صمت دولي، واستمرار تصفية الحسابات السياسية بين أحزاب السلطة في العراق.

وفي هذا السياق، تحدث الناشط المدني محمد الحيدري إلى TRT عربي مصرّحاً بأن: "الحكومة تغدر بالشباب وتقمع الحريات، وتحاول تكميم الأفواه، وحادثة مقتل صديقنا أزهر الشمري أثبتت مدى الاستخفاف بحقوق الإنسان، فالسلطة لم تستطع قتل أزهر في ساحات التظاهرات، لذلك عمدت إلى إرسال قوة ملثمة إلى بيته في الناصرية وأطلقت النار عليه".

وأضاف الحيدري أن "أزهر الشمري كان صديقاً عزيزاً علينا، كنا نسهر الليالي كي نخطط ماذا نفعل في اليوم التالي، ونستمر برفع الشعارات المناهضة للفساد ونهب مقدرات الشعب، وكنا نتعرض لتهديدات من أحزاب في السلطة، وكانوا يرسلون إلينا برقيات من تحت أبواب بيوتنا كي يبتزوا عوائلنا، حتى قتلوا صديقنا أزهر من أجل أن يضعفوا من عزيمتنا".

"اشتعلت روحك خامنئي"

وفقاً لأهل أزهر الشمري قالوا بأن عبارة "اشتعلت روحك خامنئي" التي نشرها أزهر على فيسبوك كانت سبباً في ملاحقته وتهديده، إذ تعرَّض للعديد من التهديدات من رجال دين تابعين لأحزاب في الحكومة، وطلبوا منه حذف المنشور والاعتذار العلني للمرجعية، لكن أزهر رفض ذلك.

وقد تواصلت TRT عربي مع والد الناشط المدني أزهر الشمري، وتحدث عن الأيام الأخيرة قبيل اغتيال ابنه فقال: "تعرض ابني لكثير من الابتزازات بسبب منشوراته على فيسبوك، التي دعا من خلالها لرفض سيطرة إيران على العراق، وقد تحدث إلى القنوات الفضائية عن موقفه بعدم تحويل العراق إلى ساحة للصراعات واحترام حرية التعبير ومحاسبة القناصة الإيرانيين".

وتابع والد الشمري بالقول: "كنا ندرك مدى خطورة التصريحات التي يكتبها أزهر، والقوة المسلحة المجهولة اغتالت ابننا ولم تعتقله، لأنه كان يمثل خطراً عليهم، ولأن حكومتنا العراقية كانت مرعوبة من تعالي صوت الأحرار، فكان أزهر يمثل الشباب الصادقين في حبهم لوطنهم، وهذا الأمر أزعجهم مراراً، إلى أن قتلوه أمام أعيننا عند باب البيت".

عبارة "ندري نموت" الشاهد

كانت هذه العبارة آخر كلمات الناشط أزهر الشمري، الذي كتبها قبل ساعات من مقتله أمام بيته في مدينة الناصرية. وجاءت كتابتها بعد هجوم عنيف من قبل قوات مكافحة الشغب على ساحات التظاهرات، واتصال أصدقائه به كي يحذروه من حملة اعتقالات واغتيالات تقودها مجموعات مسلحة مجهولة.

لقد كتب أزهر الشمري على صفحته على فيسبوك عبارة "ندري نموت" في اليوم الذي اغتيل فيه، وكأنه كان يدرك بأن اليوم سيكون يوم رحيله عن الدنيا، فلكأنه تنبأ بموته. وعند الاتصال بصديقه المقرّب للحديث عن الشمري، قال حسن مطشر لـTRT عربي: "نشعر أننا موتى في العراق، لكننا نحاول أن نقنع أنفسنا بأننا على قيد الحياة كي نتنفس الحرية قليلاً، أزهر كان مثالاً للشاب الحُر وكان يقول لنا بأن الشجاع يموت مرة واحدة ويبقى ذكره مخلداً في أذهان الأجيال، أما الجبان فيموت ألف مرة قبل أن يُقبر فعلاً".

وتابع مطشر: "تواصلت مع أزهر وحذّرته من احتمالية وصول مسلحين ليغتالوه، وقلت له بأن عليه أن يختبئ ويختفي لفترة لأن الحكومة تراقبه منذ أيام، ورفض أزهر ذلك. فعندما أطلقوا النار عليه، حملناه إلى المستشفى لكن الرصاصات استقرت في بطنه وصدره، ولم يستطع الكادر الطبي إسعافه، لأنه تعرض لرصاصات كثيرة أفقدته كمية كبيرة من الدم، بعدها بدقائق صُدمنا باستشهاد أزهر مفارقاً الحياة".

سياسيون وحقوقيون يستنكرون

وقد علّق رئيس الوزراء السابق إياد علاوي عبر حسابه على تويتر على حادثة الاغتيال فقال: "اختطاف الشيخ علي اللامي في بغداد، واغتيال الناشط أزهر الشمري في الناصرية، يكشف نوايا مبيته لمواصلة قمع التظاهرات، وترويع المتظاهرين من قبل مجاميع سلطوية بتواطؤ الأجهزة الأمنية. وقد وصلت شكاوانا إلى المحكمة الجنائية الدولية، وسنواصل وقوفنا مع أبناء شعبنا حتى تتحقق مطالبه المشروعة".

ومن جانبه صرّح الحقوقي كريم الحسناوي، متحدثاً إلى TRT عربي: "نستنكر بشدة أعمال العنف بحق المتظاهرين، ونطالب السلطة العراقية بحماية أرواح المواطنين والتزام الجدية ومحاسبة الجُناة، وحادثة مقتل الناشط أزهر الشمري سيكون لها أثر سلبي وستؤدي إلى انفجار الشارع، حينها لا تستطيع الحكومة السيطرة على الوضع الأمني، ولن يثق الشعب بوعود الحكومة الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي".

ساحة الحبوبي تودّع أزهر الشمري

كان الناشط المدني أزهر الشمري من أبرز المؤثرين في الاحتجاجات السلمية الذين وقفوا ضد أعمال العنف، وكان يتواصل مع منسقي التظاهرات في العاصمة بغداد وبقية المحافظات الجنوبية بشكل مستمر كي يتفق معهم على تصعيد التظاهرات لحين الاستجابة لمطالب الشعب.

وعن الشمري تحدثت المسعفة مريم الناصري إلى TRT عربي، وقالت: "أزهر الشمري كان صديقاً عزيزاً لنا، وكان يتعاون معنا للحفاظ على صحة المتظاهرين، كان يحث الشباب على التزام حظر التجوال الوقائي، وشارك معنا في حملات تعفير وإيصال معونات غذائية إلى العوائل الفقيرة، وذلك لإيصال رسالة ناصعة عن المتظاهرين السلميين".

وأعربت الناصري عن حزنها لفقدان أزهر الشمري وقالت: "ساحة الحبوبي في الناصرية ودّعت أحد أبطال الحراك الشعبي، وشيعنا جثمان الشهيد الشمري وغطينا رفاته بالعلم العراقي، وواجبنا اليوم أن نقدم العون ونواسي ذوي البطل أزهر، لكونه متزوجاً ولديه طفل صغير، ومسؤوليتنا هي إكمال مسيرة الشباب الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل نصرة المظلومين في العراق".

الثائر أزهر الشمري كتب كلماته الآخيرة ورحل، مودعاً أصدقائه وأحبابه، وموصياً إياهم باستمرار الثورة العراقية إلى حين تحقيق المطالب. هذه ضريبة الدفاع عن الوطن وانتقاد السلطة والتعبير عن السخط الشعبي لسياسية إيران في العراق. ويبقى ملف انتهاك المتظاهرين ملفاً معقداً يضع الحكومة العراقية في ورطة إنسانية لأنها تتعرض لبرقيات كثيرة من هيئة الأمم المتحدة التي تطالبها بحماية المتظاهرين، وملاحقة القتلة، والتزام مبادئ حقوق الإنسان.

المصدر: TRT عربي