ما بين نفي رسمي وتأكيد حقوي، تتصاعد في الآونة الأخيرة قصص المساومات والانتهاكات التي يشاع حدوثها داخل جدران السجون العراقية لمعتقلين وموقوفين يشترون حريتهم بالنقود.

يرى مراقبون مؤخرا تصاعدت شكاوى الابتزاز التي يتعرض لها ذوو السجناء في العراق من قبل ضباط التحقيق والسجانين والعاملين في مراكز التوقيف والسجون أكثر من أي وقت سابق، ليتحول السجناء، وفق تعبيرهم، إلى مصدر ربح يدرّ أموالاً بالمساومات والابتزازات، فيما تبقى أزمة المعتقلين ملفّاً محرجاً للحكومة العراقية، وسط انتهاكات متصاعدة بحقّ المعتقلين الذين يتعرضون لأشدّ أنواع التعذيب، حسب ما أكده حقوقيون.

ابتزازات بأموال طائلة 

يرى حقوقيون أنه لطالما شغلت انتهاكات السجون الحكومية المعلنة والسرية في العراق الرأي العام دولياً، وتتفق غالبية المنظمات الحقوقية على أن قضية المعتقلين العراقيين تُعتبر انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان في ظلّ اعتراف دولي على وصف السجون الحكومية المعلنة في البلاد بأنها تشهد أسوأ عمليات الابتزاز في العصر الحديث، إذ يتعرض المغيبون وراء أسوارها لجرائم القتل البطيء بالتعذيب والتنكيل والإذلال والإهمال المتعمد. 

وبهذا الصدد تحدث مدير مركز بغداد لحقوق الإنسان مهند العيساوي لـTRT عربي قائلاً: "إن ابتزاز المعتقلين في السجون العراقية مستمر ولم يتوقف ولم يتراجع في ظل تعاقب الحكومات منذ عام 2003، وتصل إلينا شكاوى كثيرة عن عمليات ابتزاز مختلفة يتعرض لها ذوو المعتقلين".

وتابع العيساوي: "أبرز الانتهاكات تتمثل بتدوين أقوال السجناء في أثناء التحقيق من غير تعذيب، وإذا لم يرضخوا لهذا الابتزاز فإن المعتقَل سيتعرض للتعذيب ويدلي باعترافات قد توصله إلى عقوبة الإعدام. كذلك، فإن بعض المعتقلين يقرّر القضاء إطلاق سراحه، لكنه يشترط ألا يكونوا مطلوبين في قضايا أخرى، لكن بعض الضباط يساوم عائلة المعتقل على مبالغ مالية كبيرة تصل إلى 60 ألف دولار من أجل مفاتحة الدوائر الأخرى لاستصدار كتاب يثبت عدم مطلوبيته، وهذا غالباً ما يجري في قضايا تشابه الأسماء". 

وأضاف: "المعتقل الذي لا يدفع ذووه للضباط، يحال إلى عدة محافظات للتحقيق معه في القضية التي يتشابه اسمه مع اسم المتهَم فيها، وقد يتأخر المعتقل سنوات لتثبت الجهات المختصة أنه ليس المطلوب في هذه القضية، وفي ظل هذه السنوات يُعذَّب المعتقَل بتعليقه وجَلْده بالسوط، وجرحه بأدوات حادة، ومنع الطعام والشراب عنه لأيام، ثم يُوضَع في زنزانة انفرادية لتعذيبه نفسياً". 

ولفت العيساوي إلى أن "من صور الابتزاز أيضاً ما يتعلق بالمعتقلين المرضى، إذ يبتز السجانون ذوي السجناء من أجل السماح لهم بإدخال أدوية وأطعمة للمعتقل، أو إحالته إلى مستشفى للعلاج، فتُفرَض أشكال المساومة بهدف تحسين وضع السجين، مثلاً نقله إلى زنزانة فيها تكييف أو أقلّ اكتظاظاً من زنزانته. وقد رصدنا حالات دفع فيها ذوو المعتقلين أموالاً تراوحت بين 20 و40 ألف دولار، وأغلبها في محافظات مثل بغداد ونينوى وصلاح الدين والأنبار". 

شهادات من داخل السجون 

مناشدة مسرَّبة من أحد المعتقلين في سجن التاجي بالعاصمة بغداد، مضى على اعتقاله 6 سنوات، بعد أن بدأ أصدقاؤه يموتون أمام عينيه واحداً تلو آخَر، بسبب مرض السلّ والحرّ الشديد داخل الزنزانة، أكّد فيها أن أحد السجناء توُفّي بعد يومين من الصراخ والاستغاثة، جراء آلام حادة في بطنه، ولكن لم ترسل إدارة السجن طبيباً يهدّئ من أوجاعه حتى مات. 

وعن تلك القصة قال الباحث الاجتماعي إسماعيل الجنابي لـ TRT عربي: "كنت أدفع مبلغاً شهرياً لضابط مسؤول عن السجن الذي قضى فيه شقيقي فترة اعتقاله على خلفية قضية انفجار استهدفت مقرّاً للشرطة بمنطقة اللطيفية في العاصمة بغداد". 

وأضاف: "كلما زرت شقيقي وجدته في حالة صحية سيئة، بسبب التعذيب البشع، وعندما نتوسط عند شيخ عشيرتنا، كان يعتذر عن عدم التدخل بسبب التهديدات التي كان يتعرض لها من ضباط كبار في السجن، وفي تلك الأثناء كنت أراجع المحاكم، ويقولون إن القضية هي جريمة تسمى بـ(4 إرهاب)، ولا يستطيعون رفع القضية إلا بكتاب رسمي من رئاسة الوزراء". 

وتابع الجنابي: "شقيقي القابع في السجن منذ عام 2014 ورد اسمه مع أصدقاء له تعرضوا للتعذيب خلال التحقيق"، مؤكداً أن شقيقه الذي أثبت القضاء في 23 سبتمبر/أيلول 2020 براءته لم ينَل حريته حتى دفع رشوة للمحقق المسؤول عن ملف قضيته بلغت 40 ألف دولار". 

من جانب آخَر تحدث السجين سلمان جابر، الذي كان محتجزاً في سجن تلكيف بمحافظة نينوى، لـ TRT عربي عن شهادته قائلاً: "دخلت السجن عام 2015 بسبب تشابه الأسماء مع عنصر في تنظيم داعش، واضطُرّ أهلي إلى بيع بيت العائلة القديم لندفع 50 ألف دولار لضباط في وزارة الداخلية كي يحققوا في قضيتي ويعالجوا مشكلة تشابه الأسماء في المحكمة". 

وتابع جابر: "أساليب التعذيب كثيرة، منها إجبار السجناء على التعري والوقوف أمام النزلاء الآخرين عراة، لإشعار المعتقلين بالانكسار، ومن ثم إجبارهم على التوقيع على ما يدوّنه المحققون والاعتراف بجرائم لم يرتكبوها، كما كانوا يعلقوننا بالسقوف من أرجلنا، ويجرحون بطوننا وظهورنا بآلات حادة مثل "موس الحلاقة" وقبضات اليد الحديدية، ويشتموننا بأبشع العبارات التي تطال أمهاتنا وأخواتنا، ثم يضربون رؤوسنا بالحائط إذا ما نطقنا بكلمة واحدة". 

وأردف السجين: "انقطعت أخباري عن أهلي، وقد أقاموا مجلساً للعزاء في عام 2017، وبعدها بسنتين عام 2019 أُطلِقَ سراحي بعد اعتقال دام 5 سنوات بتهمة لا أساس لها، وعندما أخرجوني من السجن هدّدوني وأجبروني على السفر إلى خارج العراق، وعدم العودة ولا الحديث عن قصتي، لذلك اضطُررت إلى الهجرة نحو مدينة غازي عنتاب التركية، وخسرت كل شيء، ثم تواصلت مع وكالة الأمم المتحدة لشؤون المهجرين UNHCR كي يساعدوني. لكن للأسف لم أتلقَّ أي دعم". 

شراء تُهَم واكتظاظ السجون 

ويعتقد على نطاق واسع أن قصص المساومات وجني الأموال من المعتقلين والمسجونين مستمرة - رغم النفي الرسمي – خصوصا من أولئك الموقوفين الذين يقبعون في زنزانات الموت دونما محاكمات ولا أي خطوات للبت في قضاياهم الجنائية. 

السجين السابق إبراهيم العاني تحدث إلى TRT عربي بعد أن أفرج عنه من سجن الحوت في الناصرية الذي قضى فيه أكثر من 9 سنوات، أنه اضطُرّ إلى شراء تُهَم كي لا يبقى مسجوناً دون محاكمات، فقد اشترى أهله تهمة السرقة والتجسس بـ60 ألف دولار، بدلاً من تهمة القتل التي ورّطَته بتلفيق كاذب من جماعات مسلحة ابتزته لأنه كان صحفياً وكشف عن أسرار الفساد في وزارات الدولة". 

وقد تحدث الصحفي العاني عن أيامه في السجن قائلاً: "نتعرض للضرب المبرح بالعـصيّ والخراطيم الكبيرة والدعس على رقابنا حتى نفقد الوعي، فالسجّانون يصعقوننا بالكهرباء ويعلقوننا من أكتافنا لساعات طويلة ويُغرِقون رؤوسنا في الماء إلى حد الاختناق، كما تحجز إدارة السجن آلاف المعتقلين في غرف أُعِدّت في الأصل لتخزين الأسلحة والذخيرة، وذلك بسبب عدم استيعاب السجون الأعدادَ الكبيرة من المعتقلين". 

وللحديث عمَّا يقع من جرائم داخل السجون يكشف القاضي العراقي حسين الجبوري، في وزارة الداخلية، في تصريحه لـTRT عربي، أن "جميع السجناء في العراق يعانون سوء المعاملة وابتزاز ذويهم في أثناء زيارتهم، خصوصاً النساء اللاتي يأتين لزيارة أزواجهن أو أبنائهن، فضلاً عن سوء التغذية واكتظاظ السجون بالنزلاء وانتشار الأمراض المعدية". 

مشيراً إلى أن "السجون الحكومية شهدت في الآونة الأخيرة وفاة عشرات المعتقلين، خصوصاً سجنَي التاجي والناصرية، نتيجةً لانتشار الأمراض والأوبئة وسوء التغذية، لكن السلطات والجهات المعنية تتحفظ على نشر عدد الوفيات والأسباب التي أدت إلى وفاتهم". 

ويكمل القاضي: "وزارة العدل تُخفِي أعداد السجناء بسجن الناصرية الذي لا يتسع لأكثر من 4000 سجين، فيما يقبع به أكثر 10500 سجين، لأنه لا مكان لبقية المعتقلين الذين يزيد عددهم على 5 آلاف كل عام". 

ولفت الجبوري إلى أن "وزارة العدل العراقية، تمنع حالياً دخول أي فريق لرصد أو مراقبة الأوضاع الإنسانية للنزلاء، وهو ما يخالف معايير حقوق الإنسان ويُنافي قانون المفوضية العراقية المتخصصة، الصادر في عام 2008، الذي يخوّل إلى فرق الرصد زيارة السجون ومراكز الاحتجاز من دون إذن مُسبَق". 

موقف الحكومة العراقية والمنظمات الإنسانية 

حسب حقوقيين يعملون مع منظمات مناصرة لقضايا المعتقلين، فإن مشكلة السجون في العراق تندرج تحت مسؤوليات وصلاحيات وزارة العدل وبإمكانها أن تعالجها، إذ تنقسم أزمة الانتهاكات بحق المعتقلين قسمين: أولهما اختلاف معاملة السجناء وفقاً لمذهبهم العقَدِي وديانتهم، أما الثاني فهو تغييب وإخفاء معتقَلي الرأي والمعارضين في سجون سرية تعرفها وزارة العدل فقط. 

وقد تواصلت TRT عربي مع مع المتحدث الرسمي في وزارة العدل حيدر السعدي، الذي صرّح بوجود "حالات فردية من ضباط معروفين حُدّدَت هُوياتهم، وقد أُحيلوا إلى التحقيق، وعوقبوا وصدرت بحقّ بعضهم أحكام قضائية بالسجن وبالعقوبات الإدارية والعسكرية، لكن ما يُثار في الإعلام مبالغ به". 

وتابع: "مشكلة اكتظاظ السجون ستُحَلّ خلال الأشهر القليلة المقبلة، وسيُفصَل سجناء الجرائم الإرهابية عن سجناء الجرائم الأخرى، فالسجون تعاني الاكتظاظ خصوصاً بعد عمليات تحرير المناطق من سيطرة داعش، وسِجنَا أبو غريب والحلة يخضعان لإعادة تأهيل بهدف حل مشكلة الاكتظاظ فيهما، لكن بسبب عدم قدرة الدولة على بناء السجون على أثر العجز الاقتصادي في ميزانية الحكومة الذي وصل إلى 36 مليار دولار". 

كما أوضح السعدي أن "مفوضية حقوق الإنسان ولجنة حقوق الإنسان النيابية تزور السجون وتكتب تقارير دورية، ولم ترد في تقارير هذه الجهات أي معلومات عن مساومات يُجرِيها الضباط ومسؤولو السجون مع النزلاء إلا في حالات معينة ومحدودة جرى التعامل معها وفق القانون"، حسب تعبيره. 

من جهته قال علي البياتي، عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان، لـTRT عربي: "وضع السجون العراقية من الناحية الإنسانية عليه كثير من الملاحظات والمؤشرات المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان، فالحكومات المتعاقبة على العراق منذ الغزو الأمريكي عام 2003 تتعمد إساءة معاملة السجناء وابتزازهم واستغلالهم، إذ تحولت السجون إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية بين الأحزاب". 

وأضاف البياتي أن "مفوضية حقوق الإنسان أشارت إلى بعض هذه الحالات بالفعل، ورفعت عنها تقارير دورية، لكن وزارة العدل وإدارات بعض السجون رفضت أكثر من مرة دخول أعضاء المفوضية إلى السجون للتأكد من الشكاوى التي وردت إلى المفوضية تتعلق بمساومات واستغلال وانتهاك لحقوق الإنسان، خصوصاً بعدما تسرّبت أخبار من داخل السجون عن ابتزاز أسر السجناء لإجبارهم على دفع مبالغ بين 10 آلاف دولار و25 ألف دولار ثمناً لعدم تعرُّض أبنائهم للتعذيب وللسماح بزيارتهم مرة كل 3 أشهر". 

ويختم البياتي حديثه قائلاً: "أبرز حالات الانتهاكات تحدث في سجون التاجي في شمال العاصمة بغداد، وفي سجن الحوت بالناصرية، وفي سجن تلكيف بمحافظة نينوى، ووزارة العدل تدرك جيداً خطورة عمليات المساومة ورشاوى الضباط، لكن ربما يتعرض المحامون والمحققون في الوزارة لتهديد بالسلاح".

المصدر: TRT عربي